عمر بن الخطاب وإطلالة من بعيد
...............................................................
 |
|
|
العهدة العمرية |
|
بقلم : زهير
كمال
....................
مرً أربعة عشر قرناً على مكة توسعت خلالها رقعتها الجغرافية
الى حد كبير بفضل نشاط أفرادها وهمّتهم العالية ، ففي الشرق
أقامت مكة حارة جديدة سمّتها بغداد ، أما في الغرب فإن
واحداً من رجالها الأكفاء خاض بحصانه عدة أمتار في بحر
الظلمات ( المحيط الاطلسي ) ، وقال كلمته المدوّية عبر
التاريخ: يا رب .. لولا هذا المحيط لمضيت في البلاد مدافعًا
عن دينك، ومقاتلاً من كفر بك وعَبَدَ غيرك. تتكرر في مكة
الجديدة اليوم نفس الوجوه القديمة، تجّارها المشهورون أمثال
أبي جهل وأبي لهب وأبي سفيان.
أما بنو قريظة وبنو النضير فقد اتحدوا مع بني قينقاع وأقاموا
كياناً لهم ، صحيح أنه بعيد قليلاً الى الشمال من خيبر
ولكنهم ما زالوا يحلمون بالعودة إليها. فوجئت مكة بالكيان
الجديد ولا تزال أحياؤها مترددة في أمره وتجهل كيفية التعامل
معه . بعض تجار مكة الجدد أمثال أبي سفيان يتاجر معهم ويغض
النظر عن تعدّياتهم على القبائل المجاورة بعد أن سرقوا أراضي
من غزوهم ونكلوا بهم وطردوهم ، تاجر آخر يقدم لهم خفية
المعلومات التي تساعدهم على البقاء ، وآخر يقدم لهم التمر
وعلف الحيوانات.
لم تحسم مكة الجديدة أمرها بشأن هذا الكيان وسيظل قرار
إزالته بيدها اولاً وأخيراً ولكن المهمة الصعبة أمامها قبل
ذلك هي التخلص من منافقيها.
بعض وجهاء مكة الجديدة يتعامل مباشرة مع امبراطورية بيزنطة
ويدين لها بالولاء .
في مكة القديمة، لا تزال الطائف تـُسيل دم الرسول وترجعه
مُهاناً من حيث جاء ، الى مكان لم يجد فيه سوى الصد والرد
والهوان. ولكن صاحب العزيمة القوية والإرادة الحديدية يدعو
ويقول:
"اللهم إني أشكو إليك ضعفي وقلّة حيلتي وهواني على الناس يا
أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، إلى من تكلني، إلى بعيد
يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا
أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت
له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي
غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا
قوة إلا بك."
كل مخلص غيور على مكة الجديدة لا يملك سوى ترديد هذه الكلمات
الرائعة من الرسول الأعظم.
في مكة القديمة كان عدد المتعلمين لا يتجاوز سبعة عشر فرداً،
في مكة الجديدة عدد الأميين كفيل بتكبيل أي مجتمع بأثقال
وسلاسل لا تمكنه من التنفس، وفي الثقافة بلغ أقصى ما قرأه
مواطنها ربع صفحة في العام مقابل أحد عشر كتاباً لمواطن
بيزنطة الجديدة. هذه الحقائق المذهلة لا تهم أبا جهل فهو لا
يعرف قيمة الثقافة وأثرها على مستقبل مكة. فهو بدايةً لا
يهتم بحاضرها فكيف يهتم بمصيرها !
ويحتار أهل مكة الجديدة ، فمصيرهم ومستقبل أبنائهم في مهب
الريح ، وأبو لهب لا يهتم بذلك كثيراً، جلّ همه سرقة وتركيز
الثروة العامة في جيبه وجيوب أهله ومنافقيه.
يتبرع مجتهد: لا بد من وجود حاكم مستبد عادل لمكة ويقصد
رجلاً مثل عمر بن الخطاب، لم يجتهد بما فيه الكفاية ! ألا
يعلم أن عمر لم يكن مستبداً ابداً ؟ فقد وضع خدّه مداساً
للضعفاء والمساكين .
علّمتنا دروس التاريخ أن العادل يتوفاه الله ويبقى الاستبداد
، فالخير والشر لا يجتمعان ابداً.
يقول مجتهدون : الإسلام صالح لكل زمان ومكان. وكلمة المكان
هنا هي من باب تكملة العبارة ، فسيدني مثل دمشق وطشقند، لم
يخطر ببالهم التفكير في اتجاه القبلة على سطح القمر. أو كيف
يبدأ شهر الصيام هناك. أما الزمان فلم يجتهد أحد بما فيه
الكفاية ليضع تشريعات مناسبة لاقتصاد مبني على تجارة النقود
، كالبنوك والأسهم والسندات وسوق الأوراق المالية في عصر
المعلومات التي أصبحت فيه الكرة الأرضية كلها قرية واحدة ،
كيف يمكن لمجتهدي مكة الجديدة الخروج من عالم الاقتصاد
الزراعي- الرعوي البدائي والانطلاق الى آفاق جديدة !
في مكة القديمة كان عدد الذين يملكون الدراهم والدنانير يعد
على الأصابع ، ليس سوى تجارها الكبار ولا أحد غيرهم، وللرسول
الكريم كل الحق في محاربة طمعهم ورباهم وغلوّهم واحتكارهم.
فهل من اجتهاد بعد دراسة وتدقيق لوضع تشريعات في مكة الجديدة
تناسب عائلة رسول الله الكبيرة ، الفقراء والمحتاجين
والغلابة! ؟
ينادي أفراد ومنظمات وأحزاب بالعودة الى الخلافة الراشدة .
العودة الى الوراء لا تهم احداً، يتطلع أهل مكة الجديدة الى
إيجاد حلول عصرية لمشاكلهم الآنية . وهي مشاكل حقيقية وكبيرة
تمس كل مناحي الحياة.
في مكة الجديدة يجهل الكثيرون رجل دولة من الطراز الأول مثل
عمر بن الخطاب ويجهلون قدراته الفذة وعبقريته التي جعلته
يبدع حلولاً في منتهى التقدمية لمشاكل عصره انطلاقاً من
الإسلام الذي كان ثورة على كل المفاهيم السائدة. ولكن كيف
يمكن لعاقل أن يطبق ما جرى قبل مدة طويلة على حاضرنا ؟ وعدم
إحساس الناس بجدية المنادين بهذه الأفكار هو سبب مراوحتهم
مكانهم. فتجنيد الجماهير وتحريكها لأهداف كبيرة تبدأ من
اقتناع الأغلبية بالأفكار وحامليها .
وبالطبع فالمشكلة معروفة ، فسبب التقصير ناتج عن ضحالة
التفكير لدى كثير من مثقفي مكة الجديدة ، وقصور الخيال
الناتج عن قلة الثقافة والاستيعاب ، وسبب ذلك أنظمة التعليم
التي لا تقدم سوى أفراداً يحفظون دروسهم ولا يفكرون بفحواها.
سيسر عمر بن الخطاب كثيراً
لو عرف أن العالم اكتشف أن أفكاره في
الحكم تطبقها كثير من الدول في العالم ، فاختيار الحاكم يتم
عن طريق انتخابات عامة. وسيوافقهم الرأي أن هذا أفضل من
اقتصار الأمر على أحسن ستّة أشخاص يختارون واحداً من بينهم،
وسيسر قطعاً من تحديد مدتين للحاكم فقط لأن أي حاكم مخلص
سيستنفد كل طاقاته العقلية في خدمة شعبه خلال هذه الفترة.
وسيقول لنا إنه إذا كان الهدف من الحكم الرشيد هو إسعاد
الناس فإن من يرفعون اليافطة الإسلامية لا بد أن يتعرضوا
للاختبار مثل غيرهم ، وإن سقطوا فهذا يعني عدم فهمهم لما
يرفعون ، وتقصيرهم في حمل الرسالة فشل لهم وليس فشل للرسالة.
لن يستوعب عمر موقف المجتمع من المرأة فكل عاقل يقول إنها
نصف المجتمع ولكنها لا تعامل كذلك ، وسيستغرب أنه في بدايات
الإسلام حاربت النساء مثل الرجال من أجل نصرة الدين وقمن
بأعمال التمريض وحمل الماء في المعارك الكبرى.
وكثير من حارات مكة الجديدة يعامل المرأة كأنها سلعة ، وبلغت
التناقضات حدها الأقصى بين من يغلّفها في كفن أسود وبين من
يعرّيها .
هل يمكن للعقل العربي أن يصل الى حلول ناجحة لمشاكل مكة
الجديدة ؟ وهل يمكن للعمل الجمعي أن يكون في مستوى عبقرية
رجل واحد مثل عمر؟
لا أحد يشك في أن العمل الجمعي هو أكثر عبقريةً من العمل
الفردي لأن نتائجه تدوم أطول.
يحتاج الأمر الى جهد كبير وتفكير في الطرق المناسبة اهتداءً
بالكتاب والسنّة الصحيحة وتجربة عمر الخالدة في الحكم والتي
سأتناول جوانب منها في المقالات القادمة .
zuhair1001@gmail.com