 |
|
 |
| |
من قال إنها شفافة فقد كذب
...............................................................
عزيز العرباوي
.....................
كنت أقدر أن أعضاء المكتب كلهم سيكونون هناك ، يقومون بتجهيز
مكتب التصويت على الشكل الذي شرحته لهم البارحة . كنت أعلم
علم اليقين أن اليوم سيمر على ما يرام . لن يكون هناك أي
اعتراض يذكر من طرف هؤلاء الشيوخ الثلاثة ، والذين لم تكن لي
يد في اختيارهم لمساعدتي . إنها رغبة السلطة المحترمة
وتقديراتها الجيدة .
استقبلني أحد الأعضاء ، والأصغر سنا ، كما جاء في مذكرة
السلطة . مثلما استقبل ممثلي الأحزاب السياسية المتنافسة ،
وقد توافدوا على ذلك المكتب في ذلك اليوم ، كي يراقبوا عملية
التصويت . لم يعد يجمعني بهم سوى الصمت والنظرات المتبادلة .
لقد جاءوا من شتى الأنحاء والحواضر ، يحملون وجوها صارمة
وقلوبا مليئة بالرغبة في الاعتراض وإبداء الملاحظات تلو
الأخرى .
كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحا ، موعد افتتاح عملية
التصويت ، لم يسمح لي الوقت ، ولا جدية الأشخاص المتواجدين
بنفس المكان ، بالتعرف على كل واحد منهم على حدة . ولكني
وباللقطة الخاطفة أخذت قرارات التعيين من كل واحد منهم ،
وقارنتها مع النسخ المتواجدة معي . تمكنت من معرفة توجهات كل
شخص بينهم ، والحزب السياسي الذي يمثله كل واحد . أمعنت
النظر في الأعضاء الثلاثة بجانبي . نظراتهم الشائخة ، تجاعيد
وجوههم العميقة ، كأنها أخاديد رسمت بفعل عاصفة هوجاء .
كانت رغبتي العميقة في مرور هذا اليوم على أحسن ما يرام ،
دون مشاكل واعتراضات ، كما جاء في كلام ممثل السلطة عندما
قال لنا : " يجب أن ترجعوا هذه المحاضر نظيفة وخالية من
الملاحظات ، فهو أفضل لكم جميعا ، حاولوا أن تحلوا كل مشكل
اعترضكم بالتراضي " . ظلت هذه العبارة منقوشة بخاطري ،
لم يطفئها مرور الساعات بجانب زوجتي .
سحبت نظراتي من وجوههم بسرعة ، وأنا أتمتم الكلام الذي يقال
في مثل هذه المناسبات . ثم تابعت عملي وفتحت السجلات أمامي ،
منحت نسخة لنائبي ، حيث جلس بجانبي ، وأخذت الأخرى ألقي نظرة
على المعلومات المسجلة فيها .
صاحت ساعة المنبه المعلقة على الحائط ، تعلن عن الساعة
الثامنة ، وكررت صياحها مرات ومرات حتى وصلت ثمان صيحات .
ألقيت بالسجل جانبا ، سميت الله الرحمان الرحيم إعلانا بفتح
عملية التصويت . أخرج الممثلون الأربعة أوراقا بيضاء ،
وانهمكوا في تسجيل بعض العبارات ، حاولت أن أقول شيئا ، لكن
الكلام دشن سدا منيعا على صفحة لساني الطرية ، واخرسني دفعة
واحدة ، دون عدل وحكمة .
تذكرت وأنا أمسك يد عجوز ، وأضعها في الحبر ، لوضع بصمتها
أمام اسمها ورقم بطاقتها لتكتمل العملية . تذكرت أمي وهي
تمنحني يدها لتقبيلها كل صباح ، اليد الرقيقة التي اشتقت
إليها ، واشتقت لطبيخها . لم يكتمل الحلم الرائع إلى النهاية
المرغوبة . محاه صوت شخص يعلن إصراراه على التصويت رغم عدم
وجود بطاقة له ، وعدم تسجيله في سجل الناخبين . كان صوته هذا
إعلانا عن رغبة في إظهار كبريائي ، ورغبة مدفونة في إشهار
رئاستي للمكان ، وأن القرقر يعود إلي ، وإلي فقط ، دون تدخل
من أحد .
حاولت أن أجد التبريرات الممكنة ، لأوضح فعلا ما ، لكنني صمت
، شعرت بالضيق يتسلل إلي ، وكان الجو خانقا ، والمكان مظلما
، والنوافذ كلها مغلقة . فكرت أنني تسرعت في قبول هذه
المسؤولية الصعبة ، دون تفكير ونظر . رحت أفكر وأعيد التفكير
في إلحاح الشخص الذي كان غريبا وشديدا ، هل منعته من حق
وواجب ؟ أم هي المسؤولية التي أقعدتني فراش الضمير والصرامة
؟ .
رحت على نحو غريب أنتقص من مسؤوليتي هذه ، وتمنيت أن أخبيء
وجهي تحت وسادة خشنة في تلك اللحظة ، وأفكر الآن ، كيف أنني
تجاهلت حقا وواجبا منذ اللحظة الأولى ؟ .
همس لي نائبي وسط الضوضاء وحديث الأشخاص المزعج ، أن ذلك
الشخص الذي طردته ، يتوعدني ويهدد بقتلي بعد مغادرتي هذا
الفضاء اللعين . عدت إلى عملي وأنا لا أدري ماذا علي أن أفعل
بالضبط ، ووجدتني أفكر وأردد كلمات كسيحة . ثم ألقي بجسدي
وبظهري على الكرسي . ليبدأ من جديد سكون طويل بين الموجودين
بالمكان . وعلى نحو غريب وقصد بعيد التفكير شعرت بالرغبة في
بقائي بهذا المكان دون أن أغادر حتى تأتي السلطة ...
ترجلت ، نهضت من مكاني ، توجهت إلى خارج المكتب ، انعطفت ،
ملت إلى جانب خفي وراء الباب ، أرقب ماذا يقع بالخارج ، نساء
كثيرات مجتمعات يناقشن بطاقات بعضهن . رجال وشبان يتراشقون
ويتضاحكون ولا يبالون بأي أحد . أطفال صغار متسمرون في
مكانهم . الشخص الذي كان يهددني لا يوجد بين هؤلاء . ندت عن
ثغري ابتسامة وجهتها إلى الرجال والشبان المجتمعين . أردفتها
بتحية الإسلام . لم أتراجع إلى الداخل ، بل هبطت درج المبنى
وفي قلبي رعشة غريبة تكاد تخلع فؤادي من فضائه .
انتظرت أن يلتفت إلى وجهة أخرى ، ويكلم أحدا ما بجانبه .
ولكنه لم يفعل ! حاولت أن أستدرجه إلى التفكير معي في حل هذه
الإشكالية دون أن يعرف أي أحد من الحاضرين . وفكرت أن هذا
أول مشكل يمكن أن يقع فيه من هو في وضعي ، فرحت أحسب الأوراق
الباطلة من جديد ، وأنا أنظر في وجوه الممثلين الغريبة
والذين مافتئوا ينظرون إلي ويراقبوا العملية بكل جدية ،
ويتابعون تحركاتي وعملياتي الحسابية . كان هذا طوق الاختناق
الذي صنعته السلطة لي ، هي بالطبع بارعة في هذه الحرفة .
تناسيت أمر عدوي الذي ظل خياله يلاحقني طول النهار ، وانهمكت
في حساب المردودية التافهة لذلك اليوم . أوراق قد رسمت عليها
حيوانات وأشباح شبه عارية . ألوان منتقاة حسب طبيعة تفكير كل
وكيل . علامات متشابهة في وضعها بين كل المصوتين . خرطشات
بارعة في التعبير وإبداء الرأي ، تقفز وتنط من مكان شاهق
تريد الانتحار على مرأىً من أعين المترشحين .
انطفأ نور الكهرباء ، أظلمت الدنيا من جديد حولنا ، وسمعت
ضحكات متتالية مختلفة النبرات ، كنت قد جمعت الحصيلة في
الصندوق الزجاجي الشفاف ، وأغلقته بإحكام . وسط دهشة
الحاضرين فتحت الباب وأعلنت عن نهاية يومي بخير وسلام . كنت
أعتصر الدماء ، أفترش الهواء الشقي المتبقي داخل المكان .
أستحوذ عليه بقوة ، بصفتي رئيسا للمكتب ...
على العموم من قال إنها شفافة فقد كذب .... !!
كاتب مغربي
Azizelarbaoui017@gmail.com
مصرنا ©
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|