مصرنا


مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الامريكية عن المركز الامريكى للنشر الالكترونى .. والاراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
رئيس التحرير : غريب المنسى
............................................................................................................................................................

 
 

 مصر: ثنائية التعامل مع غير المسلمين تغير من طبيعة الدولة
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
.........................


كنت أعلم وأنا أقدم علي تناول البرنامج الحزبي للإخوان المسلمين أنني أدخل إلي حقل ألغام حية، معدة للانفجار في أي لحظة، ومع ذلك قبلت بالمجازفة وفي ذهني مدي صعوبة الاقتراب من شأن من شؤون الجماعات السياسية الإسلامية، خاصة ذات الطابع السلفي المتشدد، ومنهم من لا يري في الحياة إلا لونيها الأبيض والأسود. ولا يستجيب لأي جهد يهدف لفك التشابك، ولا أقول فض الاشتباك، بين الديني والسياسي.

وتعبير فك التشابك يختلف عن فض الاشتباك، وكلاهما أخف من القول بفصل الدين عن السياسة. فالفصل قد يعني الابتعاد والقطيعة، بصورة قد لا تستقيم مع حقائق كثيرة في حياتنا العامة والخاصة. وفك التشابك هو محاولة تضع كل في نطاقه ومجاله الأقرب إلي السلامة والصحة، وتسعي لتعيين الحدود بين كل ذلك، وتمنع تداخل أي منهما في الآخر، وكم حدثت عمليات شد وجذب ومساجلات، مثل التي تحدث بين الديني والسياسي حاليا. جري مثلها في مجالي الفلسفة والعلوم، وحين اتسع نطاق المعارف، شعر الفلاسفة بخطر التقدم في مجال العلوم، تحت زعم أنه يزيحهم عن عرش المعرفة، بعد أن تربعوا عليه قرونا عدة. ولما فرض التطور نفسه، وأخذ بالعلوم إلي آفاق أوسع وأكثر رحابة وعمقا، قاوم فلاسفة استقلال العلوم وفصلها عن الفلسفة، بدعوي أن الفلسفة أم العلوم، وقولهم كان، وما زال، صحيحا. الرياضيات والهندسة والفلك وغيرها، كلها خرجت من رحم الفلسفة، وذلك القول إن كان يقر حقيقة مسلما بها، إلا أنه استخدمه لقطع الطريق علي العلوم لكي لا تواصل سيرها وابتعادها، والفلسفة ذاتها، في بعض مجالاتها، تحولت إلي علوم، والمثل الواضح في ذلك هو فلسفة التاريخ، وتطورها، علي يد عبد الرحمن بن خلدون، إلي علم العمران، أو علم الاجتماع، بالصورة التي نعرفها عليه اليوم. وبقي هناك فلاسفة لا يسلمون بهذا التطور، ومنهم من لا يعترف بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، ويعمل علي إعادتها إلي حضن الفلسفة، وأثبتت تطورات التاريخ أن ذلك الإحساس بالخطر لم يكن في محله. تطور العلم ولم تغب الفلسفة، واستمرارها لم يوقف تقدم العلوم، واستمرت معنية بمباحث الحق والخير والجمال، فواصلت العلوم زحفها دون توقف.. ترصد وتكتشف، وتلاحظ وتسجل، وتلاحق وتحلل، وزادت عن الحصر، وتوزع مجال العلم الواحد إلي علوم. الطب أضحي منظومة كاملة للعلوم الطبية، متعددة ومتنوعة، وهكذا باقي العلوم.

هذا ما يجعلني أتفهم موقف رجال الدين وجماعات الإسلام السياسي، من محاولات فك التشابك بين الديني والسياسي، فمنهم من يري في ذلك خطرا، يؤثر علي مكانتهم. وعليهم أن يعوا أن قناعتهم بشمول الإسلام للدين والدولة. لا تبرر الاستحواذ علي مجال اتسع وتعقد وتنوع، وغيرهم ممن يرون أن النشاط الديني الدعوي بمنظور مختلف عن العمل السياسي الحزبي، لأن نشاطه هو دعوة الناس إلي الهداية، أما الثاني فمهموم بالتعامل مع المشاكل ذات العلاقة بحياة الناس. والفهم المتبادل يساعد في ترشيد وتطوير الحالة الدينية والمجتمعية، بما يخفف من عبئها. وإذا ما تم فك التشابك كما كان الحال بين الفلسفة والعلوم، بنفس النهج، سيبقي الدين أساسا للمثل العليا والقيم الروحية، فالأصل فيه أنه دعوة للتراحم والمحبة والسلام والمساواة والتسامح والخير، للبشر وبالبشر جميعا.
إنه نهج للتيسير لا للتعسير. يخفف من وطأة ذلك الانفصام النفسي، والازدواج الشخصي، الذي طبع حياتنا في العقود الأخيرة. تجد منا الصارم في التزامه في أداء الفروض والواجبات الدينية، وعلي مستوي العمل والعلاقات والمعاملات يكون علي النقيض. بلطجي ومخادع وكاذب وبذيء اللسان، ومن الظواهرما حيرني، في مصر، وقد تكون متكررة في بلاد عربية وإسلامية أخري، تمثلت في الانتشار الكاسح لمظاهر التدين والورع، ومن المفترض أن يتكافأ المظهر هنا مع المخبر، وينعكس في سلوك أخلاقي متميز، لكن تجد العكس. ارتفاع معدلات الانحراف والجريمة، نصب وسرقة ورشوة، وتجارة مخدرات واغتصاب، وغسيل أموال ونهب، وعديد من الموبقات. وجاءت هذه الظاهرة مواكبة لتركيز الثروة في يد قلة محدودة للغاية، لتتسع معها مساحة الفقر، ويتفشي الفساد السياسي والإداري، في أجهزة الحكم والدولة. وظاهرة أخري أكثر حيرة هي ظاهرة بناء الزوايا والمساجد علي أراض مغتصبة، مقام عليها مرافق وبني تحتية ومنفعة عامة. تقتطع أجزاء من طرق مرصوفة، من جانبها أو في وسطها، وتنتزع مناطق متاخمة لخطوط السكك الحديدية، وأخري واقعة علي شواطئ الترع والممرات المائية، لتسبب عشرات الحوادث المروعة. وغياب الدولة، جعل من هذه الظواهر شيئا عاديا، لا يثير احتجاج أو غضب أحد. وتحدثت إلي صحافي شاب ليتناولها في تحقيقاته، ونحن وقوف أمام واحد من تلك المساجد. المقام علي جزء مقتطع من شارع عام، مضافا إليه أرض بجوار السكك الحديدية، بعد هدم السور العازل بين الحي وقضبان السكة الحديد، ورفض الصحافي خوفا من تعرض المتشددين الذين اغتصبوا الأرض له.

وندخل إلي ما نحن بصدده فيما أورده البرنامج الحزبي للإخوان المسلمين. لنجد أن النصوص الواردة في الجزء الثالث من الباب الأول، وعنوانه السياسات والاستراتيجيات ، تسير في نفس سياقات التضاد والتناقض، وهو ما أشرنا إليه في السابق. نجده ينص في الفقرة 3: يجب علي السلطة التشريعية أن تطلب رأي هيئة من كبار علماء الدين في الأمة ، علي أن تكون منتخبة انتخابا حرا ومباشرا، من علماء الدين، ومستقلة استقلالا تاما وحقيقيا عن السلطة التنفيذية في كل شؤونها المالية والإدارية، ويعاونها لجان ومستشارون من ذوي الخبرة وأهل العلم الأكفاء في سائر التخصصات العلمية الدنيوية الموثوق بحيدتهم وأمانتهم ، ويتم بقانون توحيد مواصفات علماء الدين الذين يحق لهم انتخاب هيئة كبار العلماء، والشروط التي يجب أن تتوافر في أعضاء الهيئة . والمقصود بها هيئة أعلي يخضع لها رئيس الدولة عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية .

والهيئة الدينية المقترحة، كسلطة أسمي وأعلي. وضعها البرنامج فوق كل السلطات، مما يخل بأسس الدولة، كما وردت في البرنامج ذاته، الذي وإن تفادي الإشارة المباشرة إلي الالتزام برأي هذه الهيئة، إلا أنه وصفها بأنها صاحبة الرأي الراجح المتفق مع المصلحة العامة ، وبذلك منحها أهلية لم تمنح لسلطات غيرها، ويبدو أن البرنامج هنا يحاول استنساخ بعض ما في نظام الحكم الإيراني، ودستوره ينص علي مذهبية الحكم، وعلي معصومية الفقيه، الذي يعلو وضعه كل السلطات، والمذهبية في الحكم تسمح بهذا، وتتيح الفرصة لقيام نظام بهذه الصفة غالبا ما ينعت نفسه بأنه حكم ديني، وبرنامج يحتوي علي كل هذا يفتقد الطبيعة المدنية التي دعا إليها. وكان الأولي به بدلا من النص علي سلطة عليا لتكون حكرا علي رجال الدين، كان علي البرنامج أن يساوي بينهم وبين فقهاء القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم والفلسفة، ضمن منظومة كاملة تستفيد منهم جميعا في وضع وصياغة التشريعات والقوانين، يشارك رجال الدين فيها كفقهاء وخبراء في مجالهم، وليس بفرضهم كجماعة فوق الجميع، تحصل علي مكانتها ومكاسبها بما يمكن وصفه بالحق الديني!. وهذا يحمل شبهة إكراه، وكأن المجتمع ينقصه الإكراه، ويحتاج إلي مزيد، وإذا كان الإكراه الديني مرفوض بالنص الديني، لا إكراه في الدين ـ 256، سورة البقرة.، فالأجدر ألا تخضع له السياسة.

مطب الهيئة الدينية العليا انتهي إلي حفرة وقع فيها البرنامج، فيما ورد عن حقوق غير المسلمين. أعطاهم الحق في الاحتكام إلي شرائعهم في أمور العقيدة والشعائر الدينية والأحوال الشخصية المتعلقة بالأسرة ، أما غير ذلك من أمور الحياة الدنيوية بكل أنواعها، والنظام العام والآداب فتحكمها القاعدة الإسلامية التي تقرر أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم ، وهذه ثنائية تعني أن المواطنين ليسوا سواء. فالمواطنة والدولة الموحدة والمجتمع المندمج لا يستقيم في وجود ثنائيات من هذا النوع، والقبول بها يغير من طبيعة الدول والأوطان، لتتحول إلي جماعات مغلقة كانتونات ، طائفية أو مذهبية أو عرقية، مجزأة، فما للمواطنين من حق هو لهم جميعا، وما عليهم من واجب يتحمله الكل. واختلاف الموقف الديني مثلا من المُسْكِرات يحتاج إلي تأمل. الإسلام وعدد من المذاهب المسيحية يحرمون الخمر، ومع ذلك هناك مُسْكِرات لا تدخل في عداد الخمر المحرمة مسيحيا. مثل النبيذ ويتم تناوله أثناء الصلاة في الكنائس، وله دلالات دينية نص عليها الإنجيل. ولهذا يصعب تعميم المنع والتحريم في حالات مثل هذه، ووهناك إشكاليات كثيرة من هذا النوع، علي المشرع، إذا ما وصل الإخوان إلي حكم مصر، أن يضعها في حسابه، لكي لا يصبح ما ورد في البرنامج عن المواطنة والمساواة والدستور والدولة المدنية، مجرد لغو، دون قيمة، ولا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به.

إذا ما أراد الإخوان أن يمارسوا العمل السياسي، وإذا ما سعوا إلي المشاركة في الحكم، وإذا ما أقاموا دولة مدنية ، كما يشير برنامجهم. فعليهم بذل جهد فكري ونظري أكبر، من أجل ألا تتحول الثنائية أو التعددية الدينية إلي معوقات أمام الاندماج، وسدود في طريق الوئام الوطني، ونموذج السودان واضح في هذا الشأن. ولا تقسم دولة تقوم علي المواطنة مواطنيها إلي أغلبية وأقلية. ومثل هذا التقسيم مجاله السياسة والحكم. الحزب الذي يحصل فيه علي أكثرية أصوات الناخبين يحمل صفة حزب الأغلبية ويتسلم الحكم، وهي أغلبية وظيفية وليست ثابتة، والأقلية المقابلة لها هي أقلية وظيفية ومتغيرة، قد تتحول إلي أغلبية، إذا ما واتتها الظروف وحصلت علي أكثرية الأصوات بانتخابات ديمقراطية. وإلي حقل ألغام آخر ينتظرنا في الشق الاقتصادي من البرنامج، وهذا هو موضوعنا القادم بإذن الله.
 

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................