 |
|
 |
| |
العناد أصبح يمثل البعد الرابع في السياسة الرسمية المصرية
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
...................................
كتب رئيس تحرير صحيفة الفجر المصرية، عادل حمودة مؤخرا ينصح
حسني مبارك بإلغاء لجنة السياسات، التي يرأسها ابنه جمال،
ودعاه إلي التخلص من المجموعة التي تحيط به، باعتبارها أس
البلاء، بما تثير من شغب ضد النظام، حسب قوله، ووصف ما قامت
به اللجنة بأنه قسم البلد إلي نصفين، وضع علي السفينة
ربانين، وأشعل حروبا أهلية بين جيلين، وجعل من النفاق القومي
نفاقين. ولن نختلف كثيرا مع الكاتب الكبير، إذا ما قلنا ان
قرار إنشاء هذه اللجنة كان فعلا سياسيا فاضحا، تم ارتكابه في
وضح النهار، دون خشية فضيحة أو عار. واللجنة المفروضة بجبروت
السلطة وضغط السلطان، جاءت إفرازا لسياسات ونتاجا لقرارات،
كانت وما زالت، شخصية وعائلية، تعاملت مع الشعب كقطيع، ونظرت
إلي الدولة كعقار ومتاع. يورث للأبناء والأحفاد. ومن المفترض
أن جزاء من يقترف فعلا فاضحا الوقوع تحت طائلة الملاحقة
السياسية والقانونية، والمتابع لولادتها يجد أنها جاءت عبر
معاشرة غير مشروعة، وولادة سفاح أشبه بتلك التي تولد من
معاشرة الاتان والحصان. وتكون علي شكل حيوان ضخم وقوي، لكنه
عقيم لا يتناسل. هذا المخلوق غير الطبيعي وجد من يرعاه، وعلي
الرغم من عقمه صار له نفوذ فاق نفوذ السلطات والمؤسسات
السياسية والتشريعية والدستورية والتنفيذية للدولة!
الرعاية التي توفرت للجنة السياسات منحتها حصانة فاقمت من
خطرها علي الجميع، وضاعف من هذا الخطر ما قام به حسني مبارك
من تنازل عن كامل صلاحياته لابنه، فمكنها من القيام بأكبر
عملية نهب وتخريب تضاءلت أمامها آثار حملات جحافل الغزو
والاستيطان والإبادة، وشرعيتها حصلت عليها عن طريق حسني
مبارك، علي الرغم من أنه هو نفسه فاقد الشرعية، واستمراره في
الحكم حتي الآن تم بتزوير العملية الانتخابية، علي المستويين
التشريعي والرئاسي، ثم مؤخرا علي مستوي المحليات. وعادل
حمودة أول من يعرف أن طلب إلغاء لجنة السياسات لن يجد
الاستجابة من مبارك الأب، ولن ينال أي درجة من اهتمامه،
ويعلم كذلك أن كأس العناد، الذي تتجرعه السياسة المصرية وصل
بها إلي حد الثمالة، فعجزت عن تحمل استحقاقات وفواتير
التغيير الملحة، وذلك أصابها بالشلل. وقد استقر في ذهن أغلب
الكتاب والصحافيين أن العناد صار ركيزة أساسية في توجهات
السياسة المصرية. ودأب كثير منهم علي عدم التصريح أو
التلميح، بطلب تغيير هذا المسؤول أو ذاك، أو تعديل هذه
السياسة أو تلك، لأن معني ذلك هو الاحتفاظ بالمسؤول الفاشل
وزيادة جرعات السياسة القاصرة. وصاغ هؤلاء فيما بينهم اتفاقا
غير مكتوب. أشبه باتفاق الجنتلمان مؤداه أنهم إذا أرادوا
تغيير مسؤول طالبوا بتثبيته، وإذا راموا تبديل سياسة ألحوا
في إدامتها، وقيل في الأمثال العربية العناد يورث الكفر .
وهو ما يؤدي بنا إلي إضافة بعد جديد إلي أبعاد السياسة
الرسمية المصرية الثلاثة الأخري، التي هي الاستبداد والفساد
والتبعية، ليضاف إليها العناد، ليصل عددها إلي أربعة. تترك
بصماتها علي القرار السياسي، ليبقي مشخصنا ومزاجيا وفرديا
وعائليا وفاسدا.
إذن الحل ليس بإلغاء لجنة السياسات، لأن هذا غير ممكن، لأنها
وجدت بقرار من حسني مبارك. ولو انطبقت السماء علي الأرض فإن
العناد يحول دون ذلك، وليس علي المتضرر إلا أن يخبط رأسه في
أقرب حائط. وبدل هذا الحل المستحيل، فإن الممكن هو العمل علي
حصارها، ووضعها ضمن أولويات الحراك الوطني، الذي يتقدم حثيثا
نحو الفعل المؤثر، وحث الناس علي إعلان مشاعرهم الحقيقية
نحوها، وترجمة كراهيتهم لها، وغضبهم وسخطهم عليها، إلي مواقف
عملية. في المؤتمرات والاحتجاجات والفعاليات السياسية
والنقابية لقوي التغيير، علي أن تقاطع من أجهزة الإعلام
والصحافة. المعارضة والمستقلة والخاصة، والدعوة إلي رفض
التعامل معها، من قبل العاملين في الحكومة والقطاع العام،
الذين كثيرا ما يحشدون ويجبرون علي حضور جلسات تأييد ومواكب
نفاق لهذا الكيان الشاذ ، وهذا التوجه يرفع سقف الحراك
الوطني، القادر علي عزلها، حتي تذبل وتسقط مثل أوراق الخريف.
وهذا من الممكن علي المدي المنظور، بعد انتقال الحراك من
دوائر المطالب الفئوية المحدودة، إلي آفاق العمل الوطني
الرحب، وذلك بدأ فعليا يوم السادس من نيسان (إبريل) الماضي.
ومع استفحال أزمة لجنة السياسات مع الرأي العام لجأت إلي
البحث عن طرق لمواجهته. واهتدت إلي فكرة بناء نظام جديد،
يطور نظام البلطجة الحالي الذي تعتمد عليه في تعاملها مع
الشعب الأعزل. ويلبي حاجتها إلي كسر شوكة الحراك الوطني
المتنامي وحصاره. وبدأت الفكرة تجد قبولا من أصحاب النفوذ
فيها، بسبب قلقهم من غموض موقف القوات المسلحة، تجاه
التوريث، وتحسبا لاحتمالات حياد الشرطة والأمن. إذا ما خرج
الوضع عن السيطرة، فتعدد دوائر العصيان، وازدياد وتيرة
الاحتجاج السياسي السلمي، بدآ بتشتيت جهود الشرطة، والحد من
قدرة الأمن علي حصار قوي التغيير، بجانب أن العلاج
بالمسكنات، وتلبية مطالب قوي وفئات يخشي منها، مثل مأموري
الضرائب العقارية وعمال ما بقي من مصانع القطاع العام، محدود
الثأثير، ويعبر عن قصر نظر حاد، لغياب الرؤية الشاملة حول
أصل الداء وطبيعته. فما يحدث نشأ عن خلل كبير في توزيع
الثروة، وفي تركيزها في يد قلة محدودة من المسؤولين ورجال
الأعمال، وفي سيطرة الفساد السياسي والإداري علي جهاز
الدولة، وناجم عن طلاق السياسة واستفحال سطوة الدولة
البوليسية، ولا يمثل ارتفاع الأسعار إلا قمة جبل الثلج
العائم.
ويبدو أن رأي لجنة السياسات، خاصة دائرتها الداخلية الضيقة،
الأقرب إلي النمط الماسوني، استقر علي تشكيل منظمة مسلحة
تابعة لها، كجناح عسكري، تتعامل به مع الخصوم، وتستخدمها في
تصفية رموز وقيادات مؤثرة في الحراك الوطني، وهي تحيي بذلك
صيغة الحرس الحديدي، التي اعتمد عليها الملك فاروق في سنواته
الأخيرة. والأكثر حماسا لهذه الصيغة عضو لجنة السياسات،
ورئيس لجنة الموازنة بمجلس الشعب، والساعد الأيمن لجمال
مبارك، وأمين التنظيم بالحزب الحاكم. وهو صاحب طموح متزايد
لحكم مصر، وجمع بين يديه سلطات سياسية وأمنية واقتصادية
ومالية واسعة، وطموحه أشبه بطموح ناهد رشاد، صاحبة النفوذ
الطاغي، داخل القصر الملكي، فيما قبل الثورة، وكادت أن تنجح
في مسعاها، لتكون ملكة متوجة لمصر، مستغلة مكانة زوجها وقربه
من فاروق. والبحث في لجنة السياسات جار الآن عن التاريخ
السري للقصر الملكي، وأرشيف الحرس الحديدي، ويسعي أمين تنظيم
الحزب الوطني الحاكم ليكون الشخصية المحورية فيه. تقليدا
ليوسف رشاد، حلقة الاتصال بين الملك والحرس الحديدي، وكان
طبيبا، علي علاقة بالعمل العسكري. بحكم عمله في الخدمة
الطبية لسلاح الطيران، وقع عليه الاختيار كطبيب خاص للملك،
بعد الحادث الذي تعرض له بالقرب من القصاصين بمحافظة
الشرقية، في تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، وكوفئ علي دوره في
اسعاف الملك والإشراف علي علاجه بضمه إلي الحاشية. ومع
انهيار شعبية فاروق، واتساع التمرد عليه وانتشار المظاهرات
والإضرابات ضده. اتخذ الشعب منه موقفا لا يختلف كثيرا عن
موقفه الحالي من عائلة مبارك ، والمهم أن الملك كلفه بتشكيل
ذلك التنظيم السري المسلح عام 1947، علي ألا يخضع لقيادة
الحرس الملكي أو القوات المسلحة. ويرتبط بالقصر مباشرة عن
طريقه، وهو يشغل وظيفة ياور الملك، فقام بانتداب عدد من
العسكريين للعمل معه. أبرزهم الصاغ (الرائد) مصطفي كمال
صدقي، الذي تولي القيادة العسكرية، واستهدف الحرس الحديدي
اغتيال وتصفية شخصيات وعناصر مناوئة للقصر. من رجال أحزاب
ورؤساء وزارات ووزراء، ونجح مع البعض وفشل مع البعض الآخر.
اغتال أمين عثمان، وزير المالية الوفدي، وقتل الشيخ حسن
البنا، المرشد العام الأول لجماعة الإخوان المسلمين،
بالتنسيق مع القسم المخصوص (الاسم الأسبق لمباحث أمن
الدولة)، والضابط الوطني عبد القادر طه، وفشل في عدة محاولات
لتصفية مصطفي النحاس زعيم حزب الوفد، ورئيس الوزراء، لأكثر
من مرة، ومن المعروف أن أنور السادات انضم للحرس الحديدي
مطلع خمسينات القرن الماضي، وكان يوسف رشاد قد نجح في إعادته
للقوات المسلحة، بعد حبسه وفصله من الجيش لاشتراكه في مجموعة
اغتيال أمين عثمان.
هذا النوع من التفكير، واللجوء إلي تشكيل تنظيمات سرية
مسلحة، بإشراف الدولة ودعمها لتصفية للخصوم، أقل ما يوصف به
أنه تفكير فاشي. يعطي الدليل علي أن اللجنة وصلت إلي طريق
مسدود، ويؤكد ما نعرفه عنها، ونلمح إليه أحيانا، عن غياب
وعيها السياسي وجهلها بحقائق التاريخ، وإلا كانت قد عرفت أن
السياسة لا تستقيم بالاغتيالات. وأحداث التاريخ غير قابلة
للتكرار، حتي لو تشابهت الحقب والأحداث والشخوص. ولو تمت
ترجمة فكرة الحرس الحديدي إلي واقع عملي، فذلك يمثل جريمة
مكتملة الأركان. تضاف إلي سجل الجرائم، المقترفة في حق
المواطنين علي مدي العقود الثلاثة الماضية. من طرف الحكم
ولجنة السياسات، وسيطرة هذا النوع من التفكير يعري قصورها
الذاتي، الذي تعاني منه، وما ترتب عليه من قطع جسور التواصل
وسد قنوات التعبير وعجز الاستجابة للمطالب المشروعة، في
الحياة الحرة والكريمة. والقصور الذاتي انتهي بوضع حكم مبارك
رهين محبسين: أحدهما محبس الرشوة و البقشيش ، هروبا من
مسؤولية التغيير، والمحبس الثاني هو الترويع بعصا الأمن
الغليظة ويده الباطشة، وقدرته علي القمع وتكميم الأفواه، ومع
ذلك لم يحل أي منهما، أو كلاهما، دون غوص أقدام القابضين علي
زمام السلطة والثروة والنفوذ في الرمال المتحركة للمشاكل
والأزمات المستعصية. وانتهي بهم الحال إلي الشلل والعجز عن
التصرف، وإذا ما أقدمت لجنة السياسات علي تنفيذ هذه الفكرة
الفاشية، فذلك نهايتها، ومن المتوقع أن يكون إحياء نموذج
الحرس الحديدي المسمار الأخير في نعش العابثين بمصير مصر،
والمستهترين بوزن شعبها، والمفرطين في حق مواطنيها في حياة
حرة وعيش كريم.
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|