سبع صور تكشف بعض ما يجري ويحدث في مصر
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
..............................
مصر وهي تمر
بمرحلة مخاض. تتعدد فيها الأسئلة والآراء عن الوليد المنتظر.
هل سيخرج سليما، أم مبتسرا، وهذه المرحلة أتت مصحوبة بخلاف
واضح في الرؤي وبقلق ملحوظ من النتائج، وعرض عدد من الصور
الفلمية الملتقطة في الأيام الأخيرة، أثناء زيارة القاهرة،
قد تعكس طبيعة المرحلة وعقدها.
الصورة الأولي عن اقتصاد مرتبك. لعبت فيه أزمة الخبز وفوضي
وعشوائية السوق دورا كبيرا في زيادة هذا الارتباك، وفيها
اهتم خبراء وعلماء الاقتصاد الوطنيين ببيان مستوي كفاءة
النظام الاقتصادي، ومدي شرعيته، متجاوزين الحديث عن عدالته،
وأغلبهم يري أن البحث في كفاءة النظام الاقتصادي لم ينل
الاهتمام إلا عرضا، وضمن دائرة ضيقة من الاقتصاديين، وبقي
الوضع أسير خطاب حكومي يشكو عبء الدعم، ويزهو بإنجازات لا
يشعر بها أحد. يقابله خطاب مناهض يئن من إلغاء الدعم، ويسخر
من الانجازات المدعاة، وكلا الخطابين أكد ضياع الأمان
الاقتصادي، وكشف عن مصادرة المهيمنين علي القرار لأي توجه
يسعي لإحياء التصنيع وتحديث البلاد وتأهيل الثروة البشرية،
وبدلا من بذل الجهد المطلوب لذلك ما زالت مصر تفضل تصدير
العمالة دون الاهتمام برفع كفاءتها، فتدني مستواها، وعجزت عن
المنافسة.وجاء الاحتكار ليقضي علي القدرة التنافسية لمنتجات
وسلع لها أهمية حيوية واستراتيجية، كالحديد والأسمنت والمواد
الغذائية، وشل يد الدولة عن التدخل لضبط فوضي السوق وعشوائية
الأداء الاقتصادي والتصدي للاحتكار، ولذلك غابت العدالة
والرعاية الاجتماعية عن الفكر الاقتصادي الرسمي، فدهس
الفقراء والضعفاء وظهر هذا الفكر غير قادر علي مواجهة
المفاجآت الداخلية والصدمات ومخاطر التهديدات الاقتصادية
الخارجية، ولم يبق له إلا المضاربة علي الأراضي والمساكن
والاستيراد علي حساب الصناعة والزراعة، وقلل ذلك من الادخار
اللازم للنمو. وهذا الفكر وهو يفخر بزيادة الصادرات أخفي
حقيقة زيادة الواردات إلي حد الخطر، وعمد إلي نشر ثقافة
النفور من الاكتفاء الذاتي، وتولي تيسير نقل ملكية الأصول
المالية والاقتصادية إلي الأجانب وعرضها للاختراق الصهيوني،
وكفاءة الأداء الاقتصادي لها علاقة بالعدل الاجتماعي، وترتبط
بالتصنيع والتحديث، وهذا تؤكده اقتصاديات ناجحة في الصين
والهند وكوريا وماليزيا، وكان ممكنا لهذه البلاد أن تعتمد،
مثل مصر، علي تصدير العمالة، لكنها رفضت هذا الطريق وارتقت
بأدائها الاقتصادي، فاحدثت التقدم وحققت النفوذ السياسي.
الصورة الثانية: صورة مصر مع الطوارئ المستمرة لمدة سبعة
وعشرين عاما، وامتدت لعامين أخريين. بدا مد الطوارئ وكأنه
فاجأ لجنة جمال مبارك، المعروفة بلجنة السياسات. ألقي بعض
أعضائها باللوم علي غياب الحوار داخل الحزب الحاكم، وكأنهم
ليسوا منه ولا متحكمين فيه. وكشفت مصادرهم مبررات تمديد
الطوارئ ولخصوها بأنها لمواجهة عمليات حفر الأنفاق. المنسوبة
إلي حماس والجهاد الإسلامي وجيش الإسلام، علي الحدود المصرية
الفلسطينية، وتحسبا لاحتمالات اجتياح إنساني فلسطيني آخر،
كالذي حدث من أهل غزة في كانون الثاني (يناير) الماضي، وترتب
عليه تقاطر قوي سياسية وأحزاب وطنية وقومية علي سيناء، تنادي
بزوال الحدود والحواجز بين مصر وفلسطين، مع مواجهة ما أسماه
عبد المنعم سعيد، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية
بصحيفة الأهرام في مقاله الاثنين الماضي عمليات الفرض
السياسي التي قامت بها جماعات أصولية مسلحة مثل حماس في
فلسطين وحزب الله في لبنان خروجا علي الشرعية والقانون وحرمة
الجماعة السياسية ، ومعني هذا أن تمديد الطوارئ جاء جزءا من
مجهود أمني مطلوب توفيره للدولة الصهيونية.
الصورة الثالثة، لها علاقة بموقف الإخوان المسلمين من
التوريث، وتتضح معالمها من خلال تصريح المرشد العام، محمد
مهدي عاكف، الذي نقلته صحيفة الدستور القاهرية في 1/ 6/ 80
عن موقع إسلام أون لاين . بقوله انه حين تم طرح اسم جمال
مبارك خلفا لوالده لم تمانع الجماعة من ترشيحه، ضمن مرشحين
آخرين، كمواطن مصري، علي حد ما جاء في التصريح. ويضيف المرشد
إلي ما حدث بعد ذلك من تعديل المادة 76 من الدستور وتكريسها
للتوريث أعلنت موقفي بوضوح، وهو رفض التوريث، لأن جمال
مبارك، كابن لرئيس الجمهورية له خصوصية، وعليه أن يترك قصر
الرئاسة وينزل الشارع ويرشح نفسه. من ناحية أخري، فأنا لا
أقبل بالسيد جمال مبارك رئيسا لأنه رئيس لجنة السياسات
بالحزب الوطني الحاكم. تلك اللجنة التي تقنن للاستبداد
وللفساد، فمستحيل أن أقبل برئيسها رئيسا لمصر ، والسؤال هل
هذا التحول من التأييد إلي الرفض في موضوع التوريث نهائي؟ أم
يعود إلي الأحكام العسكرية القاسية التي صدرت ضد قيادات
الجماعة التنظيمية والمالية الكبري؟ كيف قبل الإخوان
بالتوريث، في نظام كانت، وما زالت، انجازاته هي الاستبداد
والفساد والتبعية، وعدم الكف عن ملاحقة الإخوان تحديدا؟!
والصورة الرابعة هي صورة المؤسسات الدينية الرسمية، ودورها
الذي تلعبه، وما نتج عنه من انفصام سياسي وديني في مواقع
عديدة. هناك من يضع اللوم في ذلك علي الكنيسة، وآخرون يلقون
بالمسؤولية علي الأزهر. من ناحية كون الكنيسة أضعفت المشاركة
السياسية للأقباط، كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات،
حين حولت نفسها مرجعية سياسية وطائفية للمسيحيين، فبدت دولة
داخل الدولة. وإذا كانت الكنيسة كذلك فإن الأزهر مارس ما هو
أخطر، وكان آخر ذلك ما حدث يوم الإثنين الماضي وتوصية لجنة
البحوث الفقهية، بمجمع البحوث الإسلامية، في اجتماعها بتحصيل
زكاة الركاز، علي منتجات ومشتقات النفط، وقدرتها بـ20%
لصرفها فيما أسمته مصارفها الشرعية ، واستندت فتوي مجمع
البحوث الإسلامية التابع للأزهر في مطالبته بفرض هذه الزكاة
علي الدولة، علي ما يخرج من باطن الأرض، من نفط وغاز ومعادن
ومواد أولية. استندت علي هذه التوصية ومثل هذه الفتاوي تقوض
قواعد الدولة المدنية، وتزكي التمييز الديني والمذهبي، وإذا
كانت الكنيسة بتدخلها توصف بأنها دولة داخل الدولة، فإن
الأزهر بهذا النوع من الفتاوي تحول إلي دولة فوق الدولة،
وأبسط الأسئلة هي من يحصل هذه الزكاة؟ ومن المسؤول عن
مصارفها الشرعية ؟ وما هي المصلحة في أن تكون للدولة
ميزانيتان. إحداهما تصدر عن السلطة السياسية والأخري تحددها
المؤسسة الدينية؟!.
الصورة الخامسة يتصدرها عالم مصري جليل، من الأعلام في مجال
الصيدلة. إنه محمد رؤوف حامد، استاذ الصيدلة ورئيس شعبة
الفارماكولوجي بهيئة الرقابة علي الأدوية، تعرفت عليه من
سنوات، محاربا عنيدا للفساد، ورافضا للتبعية، ومناهضا
للتطبيع، ومع حق المواطن في العلاج المجاني والدواء الرخيص،
ومعاركه مشهودة في كل هذه الميادين. ويدفع الآن ثمن وقوفه ضد
الغش والسرقات العلمية، ويواجه اتهامات بالسب والقذف من
زميلين له في إدارة الشعبة، واستغل رجل الأعمال، وصاحب
مستشفي دار الفؤاد، ووزير الصحة، حاتم الجبلي هذا الاتهام
ليبعده عن عمله. ويؤكد العالم المصري أن رئيسة الهيئة حرضت
زميلاه لتحريك قضايا سب وقذف قديمة ضده لكسر شوكته، التي
رفعها لحماية أمانة البحث العلمي في مجال الأدوية. وهذا مصير
من يتصدي للفساد والانحرافات. أما من يتسببون في موت
المواطنين، وينشرون الأوبئة، ويستوردون المبيدات المسرطنة
ينعمون بالحماية والأمان من رأس الحكم!!
الصورة السادسة لواحد من كبار رجال الأعمال بدا مغردا خارج
السرب، وهو يرفض بيع أصول وثروات مصر الطبيعية. اسمه محمد
فريد خميس. منذ مدة تسيطر عليه مخاوف من حمي بيع مصر، وحين
يسيطر هذا الخوف علي رجل من الشريحة الأكثر ثراء، ونصير
للاقتصاد الحر، فإن صورته بدت مقلوبة كرجل يسبح ضد التيار
الرسمي، ويسعي لإحياء نزعة الاستقلال الاقتصادي، مقتديا
بشخصيات ظهرت إبان مرحلة مقاومة الاحتلال البريطاني، كطلعت
حرب، مؤسس بنك مصر وشركاته، ومحمد فرغلي، الملقب بملك القطن،
حذر خميس من بيع قطاع النفط والغاز. في عالم يشهد ارتفاعا
متصاعدا في أسعار الطاقة، وفي بلد شحت موارد الطاقة فيه. ومن
المتوقع أن تنضب خلال سنوات قليلة. هذا التحذير لن يجد صدي
من قطاع خاص متطرف، يجتهد في نقل ملكية الثروة المصرية إلي
أيدي الأجانب. ولن يجد قبولا من رجال أعمال شديدي التوحش،
وصورة خميس برزت أثناء مرافقته لوزير البترول المصري، في
زيارة حقول الغاز الطبيعي برشيد، وتفقد مصانع إسالته في
ادكو. وهناك أوصي، وهو رئيس لجنة الانتاج الصناعي والطاقة
بمجلس الشوري، بعدم خصخصة قطاع النفط والغاز، وقال إذا كان
الأمر ضروريا يمكن بيعه بطريق الأسهم، غير المسموح بتداولها
لغير المصريين. وهذه التوصية لن تلقي الاهتمام، لأن المصالح
الذاتية والاحتكارية والأجنبية الغالبة ستأبي ذلك؟!
الصورة السابعة سبق ونشرنا عنها، علي هذه الصفحة في 26/4.
تعقيبا علي رحلة حسني مبارك إلي فرنسا وألمانيا، وتأييده
لمشروع ساركوزي الاتحاد من أجل المتوسط ، كمشروع تحفظت عليه
أمريكا والدول الأوروبية وتركيا، وكانت أهم حوافزه التصدي
للهجرة الوافدة إلي أوروبا من دول المغرب العربي، بما تحمله
من مخاطر، حسب وجهة النظر الغربية، تؤدي لتسلل الإرهاب إلي
الضفة الشمالية للمتوسط، بجانب حافز إحياء النزعة
الاستعمارية الفرنسية، ولم تكن لمصر مصلحة في تأييد مشروع
يدمج الدولة الصهيونية فيه، ويقضي علي ما تبقي من النظام
العربي، وأضيف إلي الصورة ما قامت به أوساط غربية بإغراء
حسني مبارك، والتلويح بإمكانية رئاسته لهذه المنظمة المهمشة،
مع وعد بضخ دماء جديدة في شرايينها، في مؤتمر تموز (يوليو)
القادم. والصورة تقول ان فكرة الاتحاد من أجل المتوسط ما
زالت تستفز المستشارة الألمانية. تراها تقوي من النفوذ
الفرنسي، لكن بعيدا عن أوروبا، بشكل يضعف الوحدة الأوروبية
ويؤدي إلي عودة الصراعات إليها، من وجهة نظرها، وأوروبا
أجهضت مشروع ساكوزي، تقريبا، في اجتماع المجلس الأوربي في
بروكسل في آذار (مارس) الماضي، ووسعته، ليضم الدول السبع
والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، ووضعته ضمن مسار
برشلونة، وقبل ساركوزي بالصيغة المعدلة، ويبدو أن حسني مبارك
وجدها فرصة للتغطية علي غياب مصر العربي والإقليمي والدولي،
ويتصور أن في إمكانه تحويل فرنسا إلي ضرة سياسية لأمريكا،
حسب تعبير البعض، في وقت لا يستطيع فيه ساركوزي الاستقلال عن
أمريكا. وقد يري حسني مبارك في رئاسته للاتحاد تعويضا عن
رئاسة مصر، أمام احتمال ترك الحكم لإفساح الطريق لابنه.
وأخيرا هل من يفشل في حل مشاكل بلده وينحاز إلي أعدائها
يستطيع إدارة منظمة تحتاج إلي معجزة لتنشيطها؟!