مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 علة مصر في وجود حالة اللاجمود واللاتغيير
...............................................................

بقلم : محمد عبد الحكم دياب
............................


نتحدث ونكتب ونعلن كثيرا نحن الكتاب وأصحاب الرأي من المصريين عن موقفنا من الاستبداد والفساد والتبعية وصناعة الجوع وكأننا لا نساهم في صناعة أي منها. وكأن محيطنا مبرأ منها أو أننا نعيش في معزل عنها، وهي وإن مورست بيننا فكأنها تمارس سهوا، متسللة من بيننا دون أن ننتبه لها، وإذا ما تأملنا أوضاعنا وجدنا أن بعضنا مساهم نشط في هذه الممارسات ويبز في ذلك الحكام وأصحاب القرار، وليس في هذا إبراء لذمة ممن يدعون أنهم حملة لواء التنوير والتغيير. وعلينا ألا نستثني ذاتنا من عيوب وعلل تسري في عروق البعض منا مسري الدم. فيساهمون، بشكل أو آخر، في صناعة ما يجري، إن لم يكن بالفعل أو القبول فبالصمت والسلبية أو العجز، ولا يجب عل أي منا أن يجعل من دوره، مهما كان صغيرا أو كبيرا، مبررا للتنصل من المسؤولية، فكما أن التقدم والبناء مسؤولية مشتركة فإن التراجع والهدم تقع مسؤوليته عل الجميع، وهذه السلوكيات قد تفسر حالة الانتظار التي تطبع موقف غالبية الناس من الأحداث، وأصبحت السمة الأساسية أن أيا منا ينتظر ذلك الآخر الذي ينوب عنه في التحرك من أجل إنجاز مهمة التغيير، حت طال الانتظار لتغيير متوقع لكنه لم يأت بعد، هذا مع وجود مؤشرات عديدة تقول بأن مصر ليست حبل بالتغيير فقط إنما من المفترض أن تكون قد وضعت وليدها، وعليها رعايته وكفالة شأنه حت يشب عن الطوق. وأكثر من هذا أن ثمرها قد استوى وجهز للقطاف، ووجود حالة يمكن وصفها باللاتغيير واللاجمود جعلت عناصر قادرة عل استغلال هذا الوضع في التغطية عل العجز بتجريح وسب الجموع والكتل والجماعات السياسية والشعبية بلا استثناء، واتهامها بالتواطؤ وضعف قدرتها عل المواجهة، وكثير من هذه الاتهامات صحيح، إلا أنه لا يعطي صكا ببراءة أحد، خاصة لهؤلاء المسؤولين السياسيين الموزعين بين الموالاة والمعارضة الرسمية. فالمفترض فيهم أنهم أدوات لتحريك الجموع والفعاليات في اتجاهات تعين على حل المشاكل ولا تزيد في تعقيدها.

وحالة اللاتغيير واللاجمود مكنت نظاما ميتا. لم يتبق منه إلا بعض خلاياه الأمنية والعدوانية النشطة في أجهزة أمن الدولة والأمن المركزي وفرق البلطجة التابعة للحزب الحاكم، وهذا جعلها تبث روح التشكيك في جدو التصدي والاحتجاج والتظاهر والمقاومة، وزادت تبعا لذلك مساحة التهميش وكثر المهمشون، والغريب أن نظاما بهذا الموات اختزل نفسه في عائلة مبارك التي تعد على أصابع اليد الواحدة، ومجموع الدائرين في فلكها. يقاسمونها الغنائم والمغانم. هذا النظام نحمله المسؤولية الأولى والكبرى فيما آلت إليه أحوال العباد والبلاد، ومصدر الغرابة يتمثل في أن القوي التي نزلت للشارع سجلت أدوارا جسورة وبطولية، ومنها ما ارتق الى المستو الفدائي، في السنوات الثلاث الأخيرة، وعلي الرغم من تلك الأدوار ما زالت عوامل التعويق والتيه تؤثر سلبا عل قدرة قوي التغيير، حت أن أجهزة ذلك النظام الميت وخلاياه المتوحشة ما زالت قادرة عل الإبقاء عليه، حتى ولو كان عل شكل خيال المآتة.
وإذا كان من غير الطبيعي أن يستمر حكم بهذه الحالة المتردية، فإن استمراره يمثل حالة مََرَضية. عانت منها مجتمعات وشعوب كانت فتية وعفية الى وقت قريب، والمجتمع المصري أصبح واحدا منها. وفي مبحثنا نسع للتعرف عل مسببات هذه الحالة وإمكانية الشفاء منها. وقد أضيفت رصيدا أبق نظاما ميتا، وسخر له من يحتفظ به محنطا، بلا روح أو حياة. وبدا وكأنه قادر عل مواجهة غضب وسخط بلد اقترب عدد سكانه من ثمانين مليون نسمة. والحالة المرضية التي نقصدها ليس شرطا فيها أن تكون بمعناها العضوي والبدني، والأقرب أنها تحمل معنى نفسيا واجتماعيا، ولهذا تشخيصه لدى المتخصصين. فالشعوب والجماعات تعاني وتمرض مثلها مثل الأفراد تماما. وحين تكون العلة شخصية وفردية تجد علاجها في العيادات والمستشفيات، أما علاج علل الشعوب والجماعات فله طرق أخر.

وهذا النوع من العلل تتسبب فيه عوامل وضغوط جماعية واجتماعية. منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اقتصادي. والجماعات والشعوب تعاني من العلل والأمراض النفسية الاجتماعية، تصيب الأفراد فيه حتى لو لم يكونوا عل علاقة مباشرة أو غير مباشرة بهذه المجالات، وأذكر أثناء الدراسة الجامعية أننا كنا ندرس ظاهرة تعرف في مجال الأمراض النفسية الاجتماعية بالقطبية، تنجم عن تناقض حاد بين حاجتين أو رغبتين يصنع خللا نفسيا يمثل ظاهرة عامة في المجتمع. وكانت نسبة هؤلاء واحدة، في كل من مصر والولايات المتحدة الأمريكية، في ذلك الوقت رغم الاختلاف الثقافي والبيئي، وفيما بين المستوى الاجتماعي والمعيشي. ومصر تعاني الآن من خلل شبيه، فأغلبنا يقع تحت طائلة عذابات الحياة، من لحظة اليقظة في الصباح حتى موعد النوم في المساء، بجانب ما يشاهد ويعاني من بطش وما يحيطه من ضيق فرص الرزق وانتشار البطالة والجمود السياسي والفساد الطويل وعند المواجهه يجنح ال السلبية والهروب الداخلي أو الخارجي، وحين تحين اللحظة وتنضج الظروف المواتية نجد أن كثيرا منا يتطلع نحو الغير، وكأن مسؤولية التغيير ليست مسؤولية الجميع، وبين قبوع وقعود، ورغبة عارمة في استعجال التغيير يكتفي هؤلاء بالقول عوضا عن الفعل، وبالتفسير والتأويل بدلا من الرأي والموقف، ومع شيوع الحراك الذي حرر الناس من الخوف استقر سقف المطالب عند الحدود الفئوية والمحلية والطائفية، وهذا سهل اصطياد كل فئة أو جماعة عل حدة. بالترغيب أو التعذيب أو بالتجاهل أو الترويض، وحين ظهرت كفاية كحركة جامعة، بقيت عنصر تحفيز وتحريض وقيدتها العلل ولم تمكنها من الانتقال الى أداة للتغيير المادي والسياسي المطلوب.

هناك علل أخرى تسبب فيها ما استقر في الوجدان الوطني عن التعليم. كاساس للحراك الاجتماعي والانتقال من حالة اجتماعية أدنى الى حالة أعلى، وسبب هذه العلل هو الاندفاع الشديد نحو جمع المال بكل السبل، بعد أن حل محل التعليم كأساس لحراك جديد. ولما كان التعليم يتحقق بالاجتهاد والمثابرة فإن الثروة في مصر تتحق بالعنف والنفوذ، ونحن لا ننكر السعي الى الكسب الطيب والمشروع، والإنكار يتعلق بذلك السعار المحموم في جمع المال والحصول عل الثروة وبدلا من أن تكون السياسة كابحا وعلاجا له، انتقل السعار الى رجال الحكم والإدارة، فاستثمروا قراراتهم ومواقعهم السياسية والتنفيذية في جلب الثروة والاستئثار بها، وفسد التعليم بفعل هذا السعار، وبعد أن كان التعليم مصدرا للمكانة والوقار والحكمة صار طريقا للادعاء والمظهرية. وقد كان خدمة فتحول ال سلعة، وكان مشاعا فصار احتكارا، وبعد أن كان الزاما لغير القادرين أصبح امتيازا للقادرين، وبدلا من الإبداع والتفوق حلت السمسرة والمضاربة. وراجت سوق بيع الدرجات العلمية. وفتحت الجامعات الخاصة أبوابها لمن يدفع، لتخريج طبيب لا علاقة له بالطب، والترخيص لمهندس لا يعرف الهندسة، وهكذا في باقي مجالات العلوم والثقافة والآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية، وترتب عل ذلك علل أخرى تمثلت في الاستحواذ على كل شيء، وحمل الأثرياء ألقابا أكاديمية وعلمية استكمالا للوجاهة، وأغلب المليارديرات المصريين يحملون درجة الدكتوراه، وليس بينهم صاحب إنجاز علمي أو أكاديمي، وقد ذكرت على هذه الصفحة من أكثر من سنة قصة إعلان تهنئة في جريدة الأهرام المصرية لواحد من رجال الأعمال والمناسبة كانت حصوله عل درجة الدكتوراه، وأشار الإعلان الى الكلية التي منحته الدرجة، ولما كنت أعرف صديقا يحاضر فيها، وعلمت منه أن أعلى الدرجات العلمية عندهم هي الماجستير، واتصلت به مرة أخر فأكد لي أنهم ما زالوا لا يمنحون درجات الدكتوراه، إلا أن الإعلان سيكون هو الدليل الوحيد الذي يسوغ لهذا الثري حمل لقب دكتور!

ورغم الفوارق الكبيرة بين مصر والغرب، من حيث أن تكوين الثروات في الغرب تطور الى صناعة تتولاها المؤسسات المالية والمصرفية، وفي مصر تعتمد النهب والنفوذ والصلة بالعائلة الحاكمة، وقد تابعت من عدة سنوات برنامجا من برامج الدردشة في إذاعة لندنية، أثناء رحلة طويلة نسبيا بالسيارة، يكون فيها المذياع هو الرفيق الذي يسهل طول المسافة، وكان البرنامج عما يمكن ترجمته ال العربية بأعراض الثروة المفاجئة، وعرض حالة شاب أمريكي في مطلع العشرينات كون ثروة طائلة في غضون سنتين عن طريق الانترنت. قدرت وقتها بمئتين وخمسين مليون دولار، وهذا الثراء المفاجئ أصاب صاحبه بالانهيار النفسي، فذهب لطبيب يطلب مشورته، واستقدم البرنامج ذلك الطبيب ليعرض عل الهواء أصل الحكاية وتطورها، وتمكن الطبيب من علاجه حين أقنعه بإمكانية مشاركة آخرين سعادتهم إذا ما قدم لهم بعض ما يملك، ويستطيع أن يستعيد توازنه النفسي إذا ما شارك هؤلاء سعادتهم. وبالفعل تنازل الشاب عن نصف الثروة لأحد الجمعيات الخيرية المختصة في مساعدة الفقراء وذوي الحاجة. وكان هذا علاجا غربيا لعلة نفسية تسببت فيها الثروة المفاجئة. أما في مصر أصابت الثروات المفاجئة الكثيرين بالسعار، وانتشرت عدواه التي لا تجد علاجا، حت طالت من لم يصل ال مستو الثراء بعد، وهو ير نتاج علاقة السفاح بين المال والحكم. وما يحدث عل مستو المال والثروة يحدث في السياسة والثقافة والفكر والعمل العام والخاص، وهذا حديث قادم بإذن الله.


 

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................