في ضوء إجراءات عزل الرئيس الباكستاني برويز مشرف
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
.........................
العالم وهو يشهد الدورة الأولمبية في العاصمة الصينية بكين
بما فيها من إبهار وتنظيم ونجاح، يجد أن الإعلام الغربي يصر
على تسييس الرياضة للتقليل من شأن الصين والصينيين. فالإبهار
والتنظيم والنجاح يجب أن يبقى حكرا للغرب، والبلاد غير
الغربية عليها ألا تفكر في المتعة أو البهجة ولو لأيام
معدودة. في نفس الوقت صحا العالم على حرب بين جورجيا وروسيا.
مني فيها الجيش الجورجي بهزيمة قاسية، بدت وكأنها هزيمة
للغرب، وللرئيس الأمريكي تحديدا، في شهوره الأخيرة قبل
الرحيل، أما صورة العالم الإسلامي، بما فيه الوطن العربي
تختلف. وبعيدا عن القلب، أي بعيدا عن الشرق الأوسط، وتجاوزا
لما يجري في فلسطين والعراق ولبنان، يعيش هذا العالم متغيرين
مهمين، من المتوقع أن تكون لهما تداعيات خلال الشهور
والسنوات القادمة، وتأثير بالغ على الأوضاع الداخلية
العربية، خاصة في بلد مثل مصر.
المتغير الأول يتمثل فيما قامت به القوى السياسية
الباكستانية، ونجاح الكتل الكبرى فيها من اتخاذ الإجراءات
التي تمكنها من عزل رئيس الدولة وطرده من منصبه، وهذا
المتغير جاء نتاجا لتداعيات اغتيال بنظير علي بوتو، زعيمة
حزب الشعب المعارض، إثر عودتها من المنفى، بجهود أمريكية
أوروبية سعودية، وكان الهدف استعادة التوازن الداخلي لصالح
خط إسلام أباد واشنطن مرورا بدول 'الاعتدال العربي'، نظرا
لأهمية هذا الخط في الحرب العالمية ضد 'الإرهاب'، وذلك
بتقاسم السلطة بين حزب مشرف وحزب بوتو، وتسبب حادث الاغتيال
في تغيير المعادلة، ونقل العلاقة التقليدية بين حزب الرابطة
الإسلامية (نواز شريف) وحزب الشعب من الخصومة إلى العمل
المشترك بهدف الثأر من الجنرال الباكستاني، وانتهى بهما
الأمر إلى الاتفاق على عزله.
وقد كان تخلي مشرف عن قيادة الجيش جزءاً من ترتيبات ما قبل
الاغتيال، المهم أن انكسارا حدث في خط إسلام أباد واشنطن
وامتداداته، أدى إلى تراجع التأثير الخارجي، وتقدم المعادل
الداخلي، فابتعد حزب الشعب عن الجنرال، وأقام ائتلافا بينه
وبين حزب الرابطة الإسلامية. واتفقا على البدء في خطوات عزل
مشرف، وساعدهما ما بدا من إمكانية وقوف الجيش على الحياد،
فغلت يد الرئيس الباكستاني، حيث من الصعب أن يستخدم سلطاته
في إعلان الطوارئ أو حل الجمعية الوطنية (البرلمان) دون
تأييد من الجيش، وكان على طرفي الائتلاف تأمين أغلبية
الثلثين، من أصوات الجمعية الوطنية، البالغ عددها 439 نائبا.
أي تأمين 293 صوتا. إعمالا لنص الدستور الباكستاني لبدء
إجراءات العزل ثم المحاكمة. وهذا النصاب لا يتوفر لطرفي
الائتلاف، وكل ما لديهما هو 266 صوتا، بما فيها أصوات
الأحزاب الصغيرة المنضوية تحت رايتهما. إذن هناك حاجة إلى
عدد آخر من الأصوات. يمكن توفيرها من نواب القبائل وممثلي
مناطق الحدود مع أفغانستان، وعليه صارت إجراءات العزل ممكنة،
إلا إذا حدثت مفاجآت غير متوقعة، ومع ذلك جاءت تصريحات
الرئيس الباكستاني يوم الاثنين الماضي تعلن عدم تخليه عن
الحكم متجاهلا الإجراءات المتخذة ضده. التي إذا ما استكملت
تفرض عليه ترك منصبه خلال ثلاثة أيام، بعدها يعقد مجلسا
البرلمان جلسة مشتركة تحدد مصيره بإعمال نص المادة 47 من
دستور سنة 1973، وتقضي بالعزل في حالة العجز الجسدي أو
العقلي أو إذا ما ثبت إنتهاكه للدستور أو ارتكابه خطاً فادحا
يعاقب عليه القانون.
هذه هي باكستان وهي تسعى لحل أزمتها بالطريق الدستوري، أما
إذا انتقلنا إلى الوطن العربي نجد أن هناك ديمقراطية وليدة
في موريتانيا لم تتمكن من حل مشاكلها مع الرئيس المنتخب إلا
عبر الانقلاب العسكري، وكانت القوى السياسية الموريتانية قد
أخفقت في محاسبته على تهم وجهت إليه، لها علاقة بعدم نزاهة
الانتخابات وأشياء أخرى، وبدا الانقلاب بديلا عن المساءلة
والمحاسبة، ونال اللواء محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس
الرئاسي، وقائد الانقلاب، تأييد الأغلبية البرلمانية، وإعلان
أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان (107 من أصل 151) دعمهم له ولما
أسموه الحركة التصحيحية، في مؤتمر صحافي عقد الثلاثاء
الماضي، وأعطوا للانقلاب وجها دستوريا وشعبيا، قد يغير من
دور الجيش الموريتاني، استرشادا بتجارب دول أخرى تتولى
الجيوش فيها حماية الدستور وسلامة أداء سلطات الدولة، كما في
تركيا.
أي من الحلين يصلح لمصر؟ وأي من النموذجين يخرجها من النفق
المظلم الذي دخلته ولا تجد سبيلا للخروج منه؟ أم أنها تحتاج
إلى حل من نوع آخر؟ وإذا ما استعدنا قراءة خريطة الحكم في
مصر نجدها صارت بدائية للغاية وشديدة التخلف، بشكل لا يليق
بمصر، فالحكم تحول إلى غنيمة توزعت على عائلة مبارك. الوالد
والزوجة والابن، فمبارك الأب له المنصب الرسمي وأبهته
وفخفخته، ولا يعني أنه رئيس شرعي، فمن استمر وجدد لنفسه
بالتزوير والبلطجة والعنف وقانون الطوارئ والتعذيب وانتهاك
الأعراض لا شرعية له. تشاركه زوجة حصلت على نصيبها من الحكم
والنفوذ والثروة، عبر فرضها على سلطات ومؤسسات الدولة،
وتساوت في كثير من الصلاحيات مع الأب، وكثيرا ما تفوقت عليه
وتجاوزته في النفوذ والقسوة والاستعلاء والتسلط، والابن حصل
على نصيب الأسد بعدما صار الحاكم الفعلي للبلاد، بقرارات
ومراسيم سيادية ورئاسية، بدأت بتوليه بيع ديون مصر، وتطورت
فاحتل مكانه المتقدم وسط كبار رجال المال، ويشق طريقه نحو
وراثة الحكم خطوة خطوة، وبدأها بإدارة اقتصاد الدولة، وعمل
مستشارا اقتصاديا لدى والده، بدرجة وزير، في تسعينات القرن
الماضي، ونجح في تخفيض العملة المصرية وتحويل اقتصاد الدولة
إلى اقتصاد شركة مملوكة للعائلة، وكان لا بد من اقتران ما
حسب نجاحا عائليا بتعزيز دوره السياسي. فكافأه والده وعينه
عضوا في الأمانة العامة للحزب الحاكم، وشكل له لجنة سياسات،
وأنشأ له منصبا على مقاسه، كأمين عام مساعد للحزب الحاكم
لشؤون السياسات، واحتل المركز الثالث في تسلسل إدارة الحزب
والدولة، وهو فعليا يحتل المركز الأول، ونتعرف على ذلك من
تعيينه رئيسا للمجلس الأعلى للسياسات، ويجمع تحت رئاسته أمين
عام الحزب الحاكم، ورئيس مجلس الشورى ورئيس مجلس الشعب،
ورئيس الوزراء، وعدداً من الوزراء والمسؤولين في قمة هرم
الدولة والحزب.
وبدا الابن كأخطبوط له الف ذراع ممتدة. تضرب في كل موقع وإدارة ومؤسسة.
وعندما استقر الوضع على هذه الصورة قبل الأب بدور 'المحلل'
من أجل تثبيت زواج الابن غير الشرعي من الحكم والسلطة
والدعوة لعزل وإقالة حسني مبارك ليست جديدة، وهي مطروحة من
سنوات، ومن أكثر من شخص وجهة، في الداخل والخارج، والدستور
يكفل ذلك ومع ذلك يبدو التنفيذ صعبا، وارتفعت مؤخرا أصوات من
داخل مجلس الشعب، مثل صوت النائب المستقل جمال زهران تطالب
بإصدار قانون لمحاكمة الرئيس والوزراء وهم في مناصبهم، وبدا
مطلبه غريبا، وكأن القانون المصري يخلو من نص بهذا الخصوص مع
أن النص واضح في دستور 1971 حيث ورد في المادة رقم 85 'يكون
إتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى أو بإرتكاب جريمة
جنائية بناء على إقتراح مقدم من ثلث أعضاء مجلس الشعب على
الأقل، ولا يصدر قرار الإتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء
المجلس، ويوقف رئيس الجمهورية عن عمله بمجرد صدور قرار
الإتهام، ويتولى نائب رئيس الجمهورية الرئاسة مؤقتا لحين
الفصل فى الإتهام، وتكون محاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة
خاصة ينظم القانون تشكيلها وإجراءات المحاكمة أمامها ويحدد
العقاب، وإذا حكم بإدانته أعفي من منصبه مع عدم الإخلال
بالعقوبات الأخرى'. ولماذا لا يتم إعمال هذا النص إذن، هنا
تثور حجة أن الدستور يحيل نظام المحاكمة لقانون لم يصدر بعد،
وطلب إصدار قانون لمحاكمة الرئيس والوزراء يعني أن الوضع في
حاجة إلى قانون يحدد الخطوات والإجراءات اللازمة اذا ما
استوجب الأمر عزل رئيس الجمهورية ومحاكمته. ومن وجهة نظري
حتى مع عدم وجود القانون المطلوب فإن المشكلة في نواب مجلسي
الشعب والشورى، وهم أعجز من أن يقوموا بشيء من هذا القبيل،
ولو كانوا قادرين لاستطاعوا فرض هذا القانون، ثم اتخذوا
إجراءات العزل والمحاكمة. ومن لا يعول على المولاة، الذين
نالوا مقاعدهم بالتزوير والعنف والبلطجة والرشوة وشراء
الأصوات، يجد من الصعب التعويل على المستقلين، وعددهم 112
عضوا، والسبب أن منهم 86 يمثلون جماعة الإخوان المسلمين،
وجميعهم، إخوان وغير إخوان، لا تتجاوز نسبتهم العشرين في
المئة من جملة الأعضاء، ومجموعة الإخوان ترى من مصلحتها عدم
الولوج من هذا الباب، وهم يتعاملون مع حسني مبارك على مبدأ
المشاركة لا المغالبة. وهذا يغلق باب العزل والمحاكمة
بالطريق الدستوري. مع أن قوائم الاتهام معدة وجاهزة من أكثر
من شخص وجهة، ومن مدة طويلة. وهل معنى هذا صلاحية النموذج
الموريتاني؟ وما رأيكم لو طلب منا أن نبدي رأيا في طبيعة
الأحكام المراد إصدارها، وماذا لو منحنا خيالنا فرصة في
ماهية الأحكام الرادعة. لنفترض أن هناك من تمكن من عزل حسني
مبارك، وتقديمه للمحاكمة، وإذا ما أدين، علينا أن نبادر
باقتراح الأحكام التي تحقق العدالة وتسعد الشعب! أول ما
نطلبه هو اشتراط ألا تكون الأحكام تقليدية، وفق نص القانون،
ونطالب باستلهام روح القانون، وعدم صدور أحكام بالسجن أو
النفي أو الموت، وعلى القاضي أن يصدر حكمه بمساواة المدان
ببقية الشعب، ونطلب منه أن يحكم عليه بالوقوف يوميا في طابور
العيش (الخبز) لمدة شهر، والذهاب إلى الجزار لشراء بقايا
عظام الماشية وأرجل وأمعاء الطيور، وشراء ماء الفسيخ ليكون
غموسه عند الأكل، على أن يتضمن الحكم استخدام واحدة من
الحافلات الصغيرة، المعروفة باسم الميكروباص، من ذلك النوع
المنتشر في العشوائيات المحيطة بالقاهرة الكبرى، وذلك لمدة
اسبوع فقط، وأن يحكم عليه بالسير يوميا في الشارع لمدة ساعة،
وأن يسكن في عشوائية من العشوائيات، التي لم يصلها الماء أو
الصرف الصحي أو الكهرباء، لمدة سنة، ويقضي سنة ثانية في
المقابر. ويشاهد التليفزيون المصري لمدة ثلاثة أسابيع فقط،
وهذه أحكام رادعة تذيق المدان بعضا مما أذاقه للشعب، والردع
فيها أنها أكثر إيلاماً من الموت، فالبشر في غير مصر يموتون
مرة واحدة أما في مصر يموت الإنسان في اليوم الواحد ألف مرة.