 |
|
 |
| |
لماذا انهارت الدولة المصرية وأين اختفت؟
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
...................................
الكوارث التي حطت على رؤوس المصريين، في عصر مبارك ليست
بكوارث طبيعية ولا يمكن أن ننسبها إلى القضاء والقدر، اللهم
إذا استثنينا زلزال تشرين الأول (اكتوبر) 1992. كوارث مصر
تحدث بفعل فاعل.. معلوم غير
مجهول، تمثله منظومة كاملة متحكمة في شؤون البلد وأقدارها.
منظومة تأسست ووصلت إلى ما وصلت إليه على مراحل عدة. انتهت
بأن شهدت مؤخرا تكثيفا في عدد الكوارث وأحجامها، وشهدت أعلى
معدلاتها في هذه الحقبة التي يتولى أمرها جمال مبارك.
المتربع على الحكم بطريقة مقاول الباطن، حيث بدأ بالعمل
لحساب مقاول كبير، وإذا به يعمل لحساب نفسه، وأهم ما في
الوضع الحالي هو أن مبارك الابن انتقى مجموعة من ذوي العاهات
الاجتماعية والنفسية، تمتلك مهارات عالية في اللصوصية
والإجرام والتدليس، انخرطت بكاملها في لجنته (لجنة
السياسات)، وهذه اللجنة بدورها حقنتهم بأمصال حصنتهم ضد
العمل الوطني والإنساني والأخلاقي، وأهلتهم ليكونوا عبيدا من
عبيد التبعية، وبيادق على طاولة الأمركة، وانتهى هذا التحصين
إلى تحويل لجنة مبارك إلى تشكيل عصابي يغذي التشكيلات
الوزارية والبرلمانية والإدارات العليا، واختص بمهمة التدمير
والنهب والإجرام والقتل، ونقلت الدولة من وضع الجمود الذي
استقرت عليه إبان فترة حكم الأب مع بداية الألفية الثالثة،
حيث تمكن تشكيل جمال مبارك من التسلل إلى كل المواقع
والمسؤوليات التنفيذية والتشريعية والإدارية والمالية،
وتحققت له السيطرة عليها، وبهذا التسلل تكشفت رويدا رويدا
خطط إلغاء الدولة وتصفية نظامها السياسي، وقد تحقق له ذلك
بالفعل.
وهكذا يثبت نهج الجمود الذي اعتمده حسني مبارك، منذ يومه
الأول في الحكم أنه كان التمهيد المطلوب لتصفية دور الدولة
وإلغائه، وإن كانت الدولة العراقية قد دمرت بالغزو، واستبدلت
بكانتونات طائفية وعرقية ومناطقية، بمعنى أن مهمة الغزاة لم
تكن إزاحة صدام حسين، كما ادعوا، بل كانت شطب الدولة
العراقية من على الخريطة السياسية والجغرافية، وفي الحالة
المصرية وفرت 'عائلة مبارك' على الغزاة عناء الجهد والمال
والأرواح المطلوبة للمهمة، وهيأت لها جحافل من غزاة الداخل.
قادها التشكيل العصابي المشار إليه، وهكذا خلخل انتقال الحال
من الجمود إلى الإلغاء النظام السياسي وأصابه بالميوعة، ومن
ثم صارت المؤسسات التي تقوم عليها الدولة بلا رسالة أو
مرجعية، وعليه أزيح النظام الجمهوري وحل بدله 'النظام
العائلي' ومع مثل هذا النظام المنزلي فرض 'التوريث' نفسه،
كطريق لانتقال الحكم من الأب إلى الابن، وعندما يكون هناك
توريث فإن الحال اقتضى اختيار مؤيدين من بين الأفسد والأخون
والأكثر استكبارا واستعلاء من رجال الأعمال، مع الاستعانة
بالأشد توحشا والأكثر تحللا من أي التزام وطني وأخلاقي
وإنساني من بين رجال الأمن، وتكّون من هؤلاء وهؤلاء حلف يدير
المعركة الضارية ضد الشعب الأعزل، واستطاع هذا الحلف تغييب
القانون بكل معانيه، الوطنية والاجتماعية والسياسية، وهذا
الغياب هو الذي يهدد وحدة المجتمع وتماسكه، وجاء قانون آخر.
ذاتي وشخصي وعائلي عوضا عن الإرادة العامة، وإذا ما كان
القانون ذاتيا وشخصيا وعاليا تصير حماية السارق والمغتصب
والمحتكر والخائن تصير ممكنة، ويصبح منح هؤلاء الامتيازات
وتوفير مصادر الإثراء غير المشروع لهم شيئا عاديا!
ونستطيع أن نؤرخ لانسحاب الدولة من لحظة إعلان الطلاق البين
مع السياسة والسياسيين، بشكل أربك النظام السياسي ورمى به في
صحراء التيه. وأتيحت الفرصة ليأخذ 'الترست' المالي والتجاري
مكان الدولة، وآلت ملكية هذا 'الترست' إلى جمال مبارك وأعضاء
تشكيله العصابي، ومن بين تعريفات 'الترست'، التي اعتمدها
علماء السياسة والاقتصاد هو 'أنه كيان لتركيز الثروات ورؤوس
الأموال ودمج المؤسسات والمشروعات المتشابهة والمتنافسة في
مشروع موحد بإدارة واحدة تمكنها من السيطرة على الأسواق
والتحكم في الانتاج والاستهلاك'، وعن طريقه تم الاستيلاء على
الثروة العامة وممتلكات الدولة وأرصدتهما، وانتقلت إلى
أعضائه ملكية الأراضي والمصانع والشركات والمؤسسات، ومن
خلاله تحول أغوات وطواشية إلى مساهمين في شركات 'العائلة'
القابضة، ومكنتهم مساهمتهم من الحصول على أنصبتهم من غنيمة
الحكم والنفوذ والفساد والجريمة، ولما حلت الشركات القابضة
مكان المؤسسات السياسية والمالية والاقتصادية للمجتمع
والدولة!!، وجدت مصر نفسها تعيش تحت وطأة كيان متوحش بدائي،
أشبه بالديناصور التجاري والمالي والصناعي، الذي انقرض من
البلاد الرأسمالية، بما فيها الولايات المتحدة، باقتصادها
الأكثر تخلفا، على المستوى الاجتماعي والإنساني، مقارنة
باقتصاديات أوروبا الرأسمالية، التي حققت تقدما ملحوظا في
التوازن الاجتماعي ومجالات الخدمات العامة.
هذا اللانظام، عبر بصدق عن التكوين العشوائي وعن طبيعة
المجال الحيوي الذي يتحرك فيه جمال مبارك، وجعل منه راعيا
وحاميا لتشكيلات عصابية تستنسخ قيم وأساليب جماعات الجريمة
المنظمة، بأنشطتها الطفيلية والمجرّمة في تجارة المخدرات
والدعارة وغسيل الأموال والرشوة والتهريب والتعذيب والتحريض
على القتل والملاحقة، وكلها أنشطة كفيلة بهدم أي بناء سياسي
أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي مهما كانت درجة رسوخه. وثبت
أن التشكيل العصابي الذي يعتمد عليه جمال مبارك قد نشأ
وترعرع على قيم تحتقر الشعب وتستعلي على المواطنين، الذين
يوصفون من جانبهم بـ'البهايم'، أي الأنعام. وقد سجل مبارك
الابن على نفسه أنه أثناء إدارته للانتخابات التشريعية
الأخيرة كان يهدد من لا ينصاع لتعليماته بضرب 'الجزمة' أي
الحذاء!، وبعد ذلك يتطلع ليكون رئيسا رسميا لشعب من
'الأنعام' ومواطن لا يستطيع التعامل معه إلا بالحذاء، مع أنه
الآن هو الرئيس الفعلي للبلاد!.
التشكيل العصابي لمبارك الابن يمارس سلوكا وحشيا، وكثيرا ما
نخطئ نحن معشر الكتاب والصحافيين ونحن نشبه أساليب التعامل
بين الحاكم والمحكوم في مصر بأساليب الغابة، وأعتقد أن
التشبيه ليس في محله. لأن للغابة نظاما يصنعه الإدراك
الغريزي لمن يعيش فيها، وهو ما يبقيهم ويحافظ عليهم.
والمعروف أن نظام الغابة لا يقوم كله على التوحش، وليس
افتراسا طوال الوقت، على العكس من تعامل الحاكم والمحكوم في
مصر، وما زلنا نجد في مجتمع الغابة طيرا مغردا، وحيوانا
مسالما، وحشرة نافعة، ونبتة مفيدة. والإدراك الغريزي جعل
مخلوقات الغابة ترى في انتمائها للجماعة (القطيع) حماية
وأمنا، يمنحها القدرة على مواجهة الخطر.
وهذا الإدراك جعل القوي لا يناطح إلا قويا مثله، وحال دون
إذلال حيوان لآخر، ولم يتح لطائر خطف وليف غيره، وجعل كبير
الغابة ومليكها ذا كبرياء وأنفة. لا يقرب الجيفة، ولا يأكل
بقايا غيره، ولا يعتدي إلا دفاعا عن نفسه، ولا يطارد الفرائس
إلا في حالة الجوع، وتثبت الغابة أن الإدراك الغريزي..
المجرد من العقل والخبرة والعلم، أرقى من إدراك كائنات مصرية
تتخذ هيئة البشر، لكن مسلكهم أدنى من وحوش الغابة، ووجود
كائنات بهذا المستوى يفسر سر عشوائية الحكم ورجاله. الذين لا
يشبعون ولا يقنعون ولا يرحمون.
المواطن لديهم مجرد فريسة برسم النهش والتنكيل والقتل. ونقلت
إلينا كثير من كتب ومؤلفات الدين والفلسفة والأدب، على مر
العصور، الحكمة على لسان الحيوان والطير، وأحيانا الحشرات،
مثل النمل في قصة سليمان (عليه السلام)، وانتقلت المعارف
والقيم والخبرات إلى الأطفال بحكايات عن حياة الحيوان
والطير، أين منها قيم وادعاءات التشكيل العصابي الذي يحكم
مصر!.
الإنسان يكتب هذا والألم يعتصره على ما آل إليه حال بلد كان
منارة وشعب كان مبدعا ومكان كان محجا. وجاء الآخرون فداسوا
على كل هذا، ليثبتوا أنهم ليسوا صناع حياة أو حضارة، فصانع
الخراب وناشر الدمار يفلح فقط في صناعة الكوارث وتجارة
الموت. ومنهم من يتصور أن في ذلك حلا لمشكلة العشوائيات،
إعمالا لنظرية سوداوية يأخذون بها، فيما يعرف بـ'الفكر
الجديد'، وهي نظرية معروفة في علم السكان باسم نظرية
'مالتوس'.
ترى في النكبات والكوارث والحروب حلا لزيادة السكان. ولن
تكون كارثة عزبة بخيت بالدويقة، ووأد أهلها تحت كتل جبل
المقطم العملاقة وركامه. لن تكون الأخيرة، ويرى عدد من
الخبراء والمحللين أنها الكارثة الفاصلة في حياة 'عائلة
مبارك'، وما سيترتب على تداعياتها، من وجهة نظرهم، من تحولات
تحدد مستقبل مصر، وليس مستقبل 'عائلة مبارك' فقط.
والعشوائيات التي طفحت وانتشرت على تخوم المدن المصرية
وضواحيها. أصبحت من المكونات الأساسية في صياغة المستقبل،
فهي مأوى الفقراء ومحدودي الدخل ومتوسطي الحال، ويقدر عددهم
بالملايين، وسبق لها وكانت معامل لتفريخ العنف والجريمة
والتعصب، وهي مرشحة لاندلاع الفوضى أو الانتفاضة أو الثورة
المقبلة. فمن أزقتها وأحشائها خرجت حمم النار وانفجرت أنهار
الدم في المواجهة ما بين الدولة والجماعات الإسلامية في
التسعينات، ومن الصعب مقارنة ما حدث بهول ما هو قادم، ففي
التسعينات كانت هناك دولة أما الدولة الآن فقد انهارت وسقطت،
وبالعشوائيات مخزون هائل من الغضب والسخط والمذلة، فمن
المرجح أن يخرج من قمقمها المارد القادم، وأن تصبح حطب
الحريق المنتظر، وهو ليس في حاجة إلى شرار، 'فشرار الغضب منه
وفيه'.
قد يرى البعض أن في هذا القول تجاوزا على اعتبار أن مصر من
أول المجتمعات، إن لم تكن أولها، التي عرفت الدولة، طوال
تاريخ ممتد لآلاف السنين. ونقر بأن صفة القدم صحيحة، لكن
معايير الوجود المعاصر اختلفت، ومثلا عندما نتحدث عن وجود
الدولة المصرية الحديثة من قرنين نستثنيها من تقسيمات سايكس
بيكو، حتى لو كانت في القلب منها وتأثرت بها، فمنذ النشأة
وهي تنحو للاستقلال، وهذا أثر على عقل وتفكير بعض نخبها منذ
ظهورها وخروجها من رحم الامبراطورية العثمانية، وهذا المنحى
الاستقلالي، مع الضعف وضيق الأفق وطول أمد الاحتلال الأجنبي
تحول إلى نزوع انعزالي لدى هذا البعض، وعندما حاولت الدولة
أن تسترد عافيتها ودورها ووعيها بفعل ثورة 1919 لم تتمكن،
وحين وفرت لها ثورة 1952 الافق الأوسع والفضاء الارحب والوعي
الأفضل، تحولت إلى مركز الفعل في الوطن العربي، ومحور
الاستقطاب في إفريقيا والعالم الإسلامي والدول غير المنحازة،
وكان عليها أن تدفع الثمن.. ضربات متلاحقة، وكانت تتصدى
وتصمد وتقاوم، إلى أن جاء زمن الانحطاط الراهن وأحيا كل
المشروعات المعيقة لتقدم مصر ووحدة المنطقة، وكانت الدولة هي
الضحية. وهذا ما يجعل لحديثنا بقية.
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|