 |
|
 |
| |
وضع مصر العشوائي جاء نتيجة تراجع وغياب دور الدولة
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
............................
نعيش في مصر مرحلة بائسة. بدأت مع حكم حسني مبارك، في بداية
الثمانينات، واستقرت ملامحها في التسعينات.. سقط فيها
الاتحاد السوفييتي، وشهدت تغييرات فاصلة وحادة، وكانت كلها
معاكسة لما اعتاد عليه العالم من قبل. فيها تمكنت الولايات
المتحدة من الانفراد وامتلاك ناصية التأثير الكوني.. تارة
باسم العولمة، وأخرى باسم ما بعد العولمة، وثالثة بنت
استراتيجيتها على إشاعة الفوضى الخلاقة، وكلها شهدت تكثيفا
شديدا للعنف والحروب والإبادة الجماعية، ووصلت إلى عودة
الغزو المباشر، في وضع أشبه بأوضاع القرنين الثامن عشر
والتاسع عشر. وكان أعنفها هو ما تلى أحداث الحادي عشر من
ايلول/سبتمبر 2001. استدارت الإدارة الأمريكية، بمساعدة أغلب
دول المنظومة الغربية، والنظم التابعة لها شرقا وغربا، إلى
الوطن العربي والعالم الإسلامي تعمل فيه تقطيعا وتقسيما،
وكانت قد حققت نجاحات على هذا الصعيد في يوغوسلافيا السابقة،
ودول شرق أوروبا، بما فيها الاتحاد السوفييتي السابق.
وكانت جميعها مثالا واضحا وفاضحا للانتقام التاريخي والسياسي
من دول وسياسات وقفت يوما ضد الغرب وسطوته، وعملت على التصدي
لغزواته واستعماره لدول آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية،
ولولا الصحوة الأخيرة لروسيا الاتحادية، لواجهت نفس مصير
يوغوسلافيا والعراق.. كانت روسيا برسم التفكيك والتقسيم،
وأفاقت من سباتها على صوت الدبابات والمصفحات الجورجية وهي
تتوغل في أوسيتيا الجنوبية، وكانت مشاعر الخطر قد خيمت على
الكرملين، منذ غزو العراق، وعبر فلاديمير بوتين، رئيس الدولة
السابق ورئيس الوزراء الحالي لروسيا الاتحادية، عن ذلك منذ
أكثر من عام، وكان وقتها يدافع عن سياساته لاستعادة القوة
الروسية، قائلا لمواطنيه: 'أتريدون أن يحدث لنا ما حدث
للعراق'؟!، وظهرت بوادر الإفاقة الروسية في اعتراضها على
الموقف الغربي وتأييده لاستقلال كوسوفا.. هذه المرحلة نفسها
شهد فيها الوطن العربي، ومنه مصر، حالة من الضعف والتمزق
الشديد تعيد الذاكرة إلى فترة الحرب الأولى في عشرينات القرن
الماضي.
أخطر ما أصاب مصر هو ما أصاب الدولة، التي دفعت من قوتها ومن
وجودها ورصيدها ثمنا باهظا. انتهى بها لأن تصبح رجل العرب
المريض، وصار الحجم والدور والإمكانيات الكامنة فيها، والغنى
البشري والاستراتيجي، عبئا بعد أن كان ميزة وقدرا، والدول
التي عانت من حالة كهذه احتاجت شخصيات غير عادية استطاعت
إعادة التوازن إليها، ودرأت المخاطر عنها. وفي مصر حدث
العكس، واستفادت 'عائلة مبارك' من هذا الوضع ووظفته للثراء
والاستحواذ على كافة الثروات، وفردت أجنحتها السوداء على كل
منافذ الضوء، وغرست مخالبها تنهش في كل شيء، بدءا من جسد
المواطن وانتهاء بمستقبل الوطن. أهدرت إمكانيات القوة، وفرطت
فيها عامدة متعمدة، وتحولت الدولة المصرية على يديها إلى
أنقاض وأطلال وأشلاء.. غاب الضابط والرابط، وضاعت المرجعية،
وتلاشى القانون، وتحطمت السلطات، وانتهت المؤسسات. وبقي
الأمن، وتركزت مهمته في أمن 'العائلة الحاكمة' وزبانيتها،
واختزلت الدولة لشكل أقرب إلى السلطة التي أقامها المحتل في
العراق، أو تلك التي سمح بها اتفاق أوسلو في فلسطين، وأضحى
التطابق كبيرا بين المنطقة الخضراء في بغداد، والمقاطعة في
رام الله، وقصر الرئاسة بمصر الجديدة، في هذا المواقع تجد
سلطات بلا دولة، وعصابات تجلس على أطلال أوطانها وجماجم
مواطنيها!!
وهنا ونحن نركز على مصر نأمل أن تأتي فرصة للتفصيل في
النموذجين العراقي والفلسطيني. ونبدأ بالقول بأن الدولة تعرف
بنظامها السياسي والاجتماعي، والمدقق في وضع مصر من الصعب
عليه أن يرى فيها نظاما حقيقيا، بالمعنى السياسي، أو
التاريخي والاجتماعي، ونظامها ليس رأسماليا ولا اشتراكيا ولا
مختلطا. وإذا كان مشروع السادات قد استهدف تصفية البنية
الاشتراكية أتت 'عائلة مبارك' وعجزت عن إقامة البديل
الرأسمالي.. لم تحذ حذو النمور الآسيوية، ولا استفادت من
النظم المختلطة، فلا النظام البريطاني المختلط، في مرحلة من
مراحله، شد انتباهها. ولا النموذج الصيني، في العقود
الأخيرة، نبهها إلى شيء. وهنا ننوه إلى أن مارغريت ثاتشر حين
أرادت أن تقضي على الاشتراكية في النظام البريطاني، لم تمنح
الشركات العامة والمؤسسات الحكومية لأفراد بعينهم، أو
'مستثمرين رئيسيين، (الاسم الحركي الذي يطلقه جمال مبارك على
لصوص الخصخصة من المصريين والأجانب). إنما وسعت من دائرة
الملكية، وطرحت الأسهم للاكتتاب العام، ووضعت سقفا للشراء لا
يتعدى الخَمَسْمئة جنيه استرليني للفرد، وانتقلت الملكية
العامة لأيدي ملايين البريطانيين، ولهذا أطلق عليها البعض
'الرأسمالية الشعبية'. لم تقم بتصفية الشركات والمؤسسات ولا
عطلت وظائفها الانتاجية أو الاقتصادية والاجتماعية.. أبقت
على وجودها وهياكلها والعاملين فيها وعلى دورها في النمو
والدخل القومي، وحين حل 'العمال الجدد' محل المحافظين في
1997 لم يعيدوا تأميم الشركات والمؤسسات المخصخصة، لكنهم
الزموها بدفع ما يمكن ترجمته عن الانكليزية ضريبة الكسب
الزائد (Windfall Tax)، وفرت هذه الضريبة عشرات المليارات من
الجنيهات الاسترلينية ضختها الحكومة لدعم التعليم والصحة
والرعاية الاجتماعية.
وليس هناك من يصدق أن للاقتصاد المصري أو السياسة المصرية
شبيها أو هوية. لا في الكينونة، ولا في الزمان، ولا في
المكان. ولو كان له شبيه أو هوية ما كان قد دعم حيتان ولصوص
الخصخصة من قوت الفقراء، وما كان قد حرم غير القادرين
ومحدودي الدخل ومتوسطي الحال من حصيلة عرقهم وجهدهم، ولاستمر
بعجلة التنمية دائرة وما أخرج عاملا من وظيفته، ولا أوقف
مصنعا عن الانتاج، وما أفسح الطريق للشركات والاحتكارات
الأجنبية لتهدم صروح الصناعة المصرية، وأحل محلها الوكالات
الأجنبية، وما ألغى الخدمات التعليمية والصحية وغيرها.
والنظم المعروفة، رأسمالية واشتراكية ومختلطة، تتوجه
باستمرار إلى الناس وبوصلتها تتجه دائما إلى الرأي العام،
ويوم تفشل في الاستجابة لمطالب، تفقد مبرر وجودها، وتزاح من
الحكم فورا.
في ظل هذا الوضع تعيش مصر حالة اللانظام، وهي حالة عشوائية،
أضحت أساسا لكل ما هو عشوائي في كل المجالات والميادين،
وكانت أهم أدوات تدمير الدولة وانهيار النظام السياسي. وكل
ذلك لم يحدث بين يوم وليلة، وتم على مدى سنوات.. أخطرها
السنوات العشر الأخيرة.. سنوات مشروع 'التوريث'، بما ترتب
عليها من ترسيخ 'العشوائية'، والإبقاء عليها كحل وحيد يهيئ
الظروف لتمريره، ومشروع 'التوريث' الصعب. الأقرب إلى
المستحيل، لا يمكن أن يمر إلا خارج نطاق القواعد الشرعية..
السياسية والقانونية والأخلاقية، وإشاعة العشوائية كفيل
بالقضاء على أي جهد مشروع أو ديمقراطي يبذل لترسيخ قاعدة، أو
عمل ملزم، أو قانون يحظى يالاحترام.
والعشوائية تبدو في أوضح صورها في الحزب الوطني الحاكم..
بقيت فيه هياكل كانت قائمة في النظام الاشتراكي الجماهيري،
الذي كان مفتوحا لعموم المواطنين من محدودي الدخل ومتوسطي
الحال، وحين يدعي القادة الجدد الانتماء لليبرالية الجديدة
نجد أن ليبراليتهم لا تقترب من التعرف على مواءمة الأحزاب
للنظم التي تتبناها وتدعو لها.. ولأن الجهل سمة غالبة بينهم
لم يفقهوا أن العمل الحزبي الجماهيري المفتوح لا يلائم العمل
الليبرالي النخبوي. وكما ورثوا كل شيء ورثوا صيغة وهيكل
الاتحاد الاشتراكي العربي. (التنظيم السياسي الذي كان قائما
حتى 1977)، و استنسخوا منه حزبهم، وهم لا يدرون أن استنساخ
هياكل أحزاب وتنظيمات جماهيرية مفتوحة لعمل ليبرالي نخبوي
يحوله إلى عمل فاشي، حيث تحل الغوغائية محل الأيديولوجية،
وهكذا كانت تجربة هتلر وموسوليني وفرانكو وحديثا التجربة
الصهيونية (وهي بالمناسبة تجربة ليبرالية). ونحن ممن يرون أن
فاشية 'عائلة مبارك' هي الأخطر لاعتمادها على نهجين مغايرين
للفاشيات القديمة.. الأول هو قيامها على هدم مؤسسات الدولة،
والثاني أنها ترسخ الانعزالية، مما جعل فاشية هتلر وموسوليني
وفرانكو، بكل سوءاتها وجرائمها أخف وطأة من فاشية 'عائلة
مبارك'، فالأولى أقامت دولا عظمى ومتقدمة، ولم تسقط إلا بفعل
الهزيمة العسكرية، وتحالف باقي المنظومة الرأسمالية التي
رعتها ضدها. بعد أن شعرت بالخطر منها. ومع حرص جمال مبارك
على حضور المؤتمرات الحزبية البريطانية، لم يكتشف الفروق بين
أحزاب اليمين والوسط واليسار في أوروبا الغربية حتى الآن..
ولم ير أنها لا تأخذ بالعشوائية ولا تستنسخ صيغا وهياكل لا
تلائمها.
وتعتمد نظام اللجان المحلية والمناطقية، وفي الغالب لا تقر
بنظام الهيكلة الرأسية، وأحزاب غرب أوروبا، سواء في المعارضة
أو الحكم، تشكل مجالس وزارية. تكون في الظل عند المعارضة،
وفي الصدارة عند الوصول إلى الحكم، وليست فيها أمانة أو أمين
للتنظيم، له جبروت أحمد عز في الحزب الحاكم، والعلاقات
الداخلية في الأحزاب الغربية يتولاها ما يعرف بالداعي أو
المنسق (الويب). وفي صيغة الاتحاد الاشتراكي العربي كانت
الأصول الفلاحية والعمالية والمتوسطة مصدر فخر لأعضائه
وقياداته، وكان النص الدستوري على وجود 50' من العمال
والفلاحين على الأقل، في المجالس التشريعية والشعبية
المنتخبة تطورا سياسيا وإنسانيا وأخلاقيا، وحتى ديمقراطيا،
لأنه يحمي مصالح فئات طال حرمانها، أما الآن فهذه الأصول
صارت سبة، وتتحين 'عائلة مبارك' الفرصة لإلغاء هذه النسبة،
وقد أبقتها حتى انجاز 'التوريث'. ومن الملاحظ أن ثقافة
احتقار المواطن سادت تبعا لذلك، مع أن الغالبية العظمى من
المواطنين من هذه الأصول.
وسيطرت هذه الثقافة المتخلفة على 'عائلة مبارك'، بصورة غير
عادية. وبدلا من أن تكون أصولها الريفية المكافحة مصدر فخر
لها أصيبت بعقدة منها، وقد اطلعني مصدر موثوق على عملية
تزوير حدثت في بيانات المهنة بملف والد حسني مبارك الراحل،
المحفوظ بسجلات قلعة محمد علي، وتم تغيير المهنة من كاتب
محكمة (مُحْضَر) إلى خبير بوزارة العدل، ومن يتنكر لأصوله
فإنه يتنكر لانتمائه لوطنه، الذي شاء له حظه أن تكون غالبيته
من محدودي الدخل ومتوسطي الحال، لكنهم مبدعون وأذكياء،
ويتفوقون على جلاديهم، وفي مصر يرتبط الفقر الثقافي وانعدام
الوعي الوطني والسياسي والغباء الفطري بالغنى والثروة.. وهذا
يؤكده ما يرد على لسان رجال المال والأعمال، ويردده حسني
مبارك 'أجيب لكم منين.. ما انتم بتخلفوا كثير' فهو يريد حكم
شعب من العبيد والخصيان.، وكان رد فعل المصريين على ذلك هو
تحويل حياة 'عائلة مبارك' إلى جحيم لا يطاق!!
27/09/2008
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|