مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 تحولات وأدت الدولة المصرية وقضت عليها
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
...........................


سجل التاريخ لمحمد علي الكبير أنه أول من بنى دولة عربية حديثة كانت مصر مركزها، في القرن التاسع عشر. امتدت إلى الشام والجزيرة العربية ومنابع النيل، والتاريخ نفسه سجل لجمال عبد الناصر إعادة إحيائها في النصف الثاني من القرن العشرين، بنفس وحدوي عروبي جعل منها نواة لمشروع الوحدة العربية، الذي وجد ترجمته في قيام الجمهورية العربية المتحدة، وكانت ذكرى إنفصالها ورحيل زعيمها يوم الأحد الماضي، وتلك الدولة، في مرحلتيها، حولت مصر إلى مركز استقطاب عربي وإقليمي وإنساني فريد، وجاء السادات بمشروعه المعاكس فاختزلها وسلم بتبعيتها للغرب، بكل ما ترتب على ذلك من تنازل طوعي عن مكامن القوة ومرتكزات النهضة، واستعداده للتماهي في المشروع الصهيوني، وها هو التاريخ يسجل على حسني مبارك أنه هو الذي فرط في الدولة وأجهز عليها، وحين نقل الحكم إلى ابنه أعطاه شكلا وهيكلا واسم دولة، بلا دور ولا تأثير ولا روح.

والحديث عن الدولة، ليس حديثا عن كيان وهمي، ولا عن كتلة هلامية بلا معالم. إنه تناول لكيان قانوني وسياسي، ولكتلة اجتماعية رضيت بالانضواء ضمن كيانها لتشق طريقها نحو العصر، بما يفرض من حقوق والتزامات. وجاء احتكاك مصر المبكر بالعالم الخارجي فوضعها في طليعة الولايات العثمانية المؤثرة والمتأثرة بمحيطها وبما هو أبعد منه. تحتفظ بطبيعة وهوية ثرية وغنية مرت بمراحل مختلفة من المد والجزر. من تطلع إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية، في مطلع القرن التاسع عشر، إلى وقوعها في هوة الانعزالية والتقوقع حول مبدأ 'مصر للمصريين'، الذي صيغ لمحو الآثار التي خلفتها ثورة عرابي، ومحاصرة دعوة الجامعة الاسلامية وهي تنتشر مؤكدة انتماء مصر إلى الشرق وارتباطها به فهو محيطها الإقليمي وعمقها الحيوي، وكان الفضل في انتشار هذه الدعوة لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومن بعدهما مصطفى كامل ومحمد فريد، مؤسسا الحزب الوطني (القديم)، ورغم ضعف وسوء أحوال مصر في ظل الاحتلال، إلا أن عشرينات وثلاثينات القرن الماضي شهدت حراكا ثقافيا وفكريا متميزا بتأثير ثورة 1919، وهو حراك استمر ممتدا إلى ما بعد ظهور جمال عبد الناصر، بمشروعه التحرري الاشتراكي الوحدوي.

وتراجع دور الدولة وإن كان قد بدأ مع أنور السادات، لكن لم يعرف عن السادات أنه كان مع تصفية دورها. وقد يكمن السبب في حاجته إلى توظيفها في اتجاه مشروعه المضاد. ومع حسني مبارك عاش المصريون واقعا مختلفا، انتهى بإصابة الدولة في مقتل.. وبذلك انفتح الباب على مصراعيه أمام 'الترست' المالي والتجاري الحاكم ليكون بديلا للسلطة التنفيذية، ويفرد أجنحته على كل شيء. (كنا قد عرضنا لهذا 'الترست' ونظام عمله على هذه الصفحة من اسبوعين)، والدولة تقوم على سلطات. وبدونها تبقى بلا قيمة. وفي وجودها يوكل أمر قيادها للسياسيين، وقد ترافقت عملية وأد الدولة مع إعادة جمال مبارك ترتيب أوضاعه بعيدا عنها، بعد أن استغلها للحصول على شرعية مزيفة، يتصور أنها تمكنه من حكم مصر!. وقد لا يتصور البعض حدوث ذلك، والتعرف على ما جرى قد يؤكد صحة هذا الادعاء من عدمه.

للدولة بمعناها الحديث قوائم وأعمدة هي سلطاتها الثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية.. تتعاون وتتوازى، بما لا يسمح بسيطرة سلطة على أخرى، وما حدث للدولة المصرية أصاب الدور والوظيفة والتأثير، وانتقلت السلطة التنفيذية إلى 'الترست' المذكور، فحصر وظيفتها في تنظيم وترتيب عملية التصفية، وفي نقل أصول الدولة إلى المستثمرين والسماسرة ووكلاء الاحتكارات الأجنبية،وأصبح جمال مبارك، كمفوض لإدارة 'الترست' المتصرف الرئيسي في شؤون السلطة التنفيذية. يعاونه فريق من موظف بدرجة رئيس وزراء، والبقية سماسرة ومأموري تفليسات وجباة ومهربين وبلطجية وقتلة ومخبرين ومتواطئين. يعملون وزراء ومسؤولين، رسميين وحزبيين.

هذه الحالة الموصوفة في مقالنا السابق بالعشوائية ليست في حاجة إلى وزراء سياسيين أو برلمانيين، ولا إلى محافظين ومسؤولين منتخبين، فالانتخابات محرمة ومجرمة، وإذا تمت فهي مزورة، ويستعاض عنها بتوزيع المناصب، كغنائم، على ضباط الشرطة (غالبا من أمن الدولة) والأقارب والمحاسيب، وتم تجنيد كل هؤلاء لإنجاز 'التوريث'، وهم لا يتحركون إلا بأوامر وتوجيهات ثالوث الحكم، وتبعا لذلك تغيرت طبيعة السلطة التنفيذية من خدمة المواطن إلى العمل في 'البلاط العائلي' في قصر الرئاسة. وانتقلت وظيفتها، بالنسبة للمواطنين من التيسير والرعاية إلى الترويع والجباية، وتراجعت مساعي المساواة وغلبت عليها نوازع التمييز، وعوضا من أن تكون السلطة التنفيذية، بمعناها الجديد عونا للناس أضحت عبئا عليهم.

كان الاختبار الأول لـ'الترست'، في الانفراد بالعمل بعيدا عن الدولة وخارج القانون، حين تولي جمال مبارك إدارة الانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية، وتمويلها من أحد أعضائه الكبار، بمبلغ ثلاثين مليون جنيه مصري،حصل في مقابلها على ثلاثة مليارات، في صورة تسهيلات وامتيازات ودعم. بنص ما صرح به رئيس الديوان الرئاسي، وهنا يحق لأعضاء 'الترست' اعتبار حسني مبارك رئيسهم وحدهم. عليه تلبية مطالبهم، وحماية مصالحهم، وقد كان. اختار منهم وزراء يشرفون على مجالات مناظرة لأنشطتهم المالية والتجارية. وبذلك وضع المسمار الأخير في نعش السلطة التنفيذية!
وبعد السلطة التنفيذية يطول الحديث عن السلطة التشريعية، وقد اعتمد تشكيلها على تدخل سافر من الشرطة والأمن وبلطجية الحزب الحاكم وأرباب السوابق، وفضلا عن مهمتهم هي التزوير فإن لهم دورا في الحيلولة دون وصول المعارضة والمستقلين إلى مقاعد البرلمان، فيشاركون في منع الناخبين من الوصول إلى لجان الانتخاب للإدلاء بأصواتهم، وتتولى مباحث أمن الدولة مهمة الانتخاب نيابة عن المواطنين، وتسويد بطاقاتهم والتأشير على الكشوف وتسجيل حضورهم. واعتاد الحزب الحاكم والشرطة إطلاق هؤلاء أثناء العملية الانتخابية، لترويع النساء والرجال ومراقبي اللجان، والمشرفين من القضاة، بالضرب وهتك الأعراض وتلفيق التهم والاعتقال، والناخب معذور وهو يؤثر السلامة ويحجم عن التصويت أصلا، وتقارير وشهادات المراقبين والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية مليئة بتجاوزات ومخالفات وجرائم يندى لها الجبين، واستقرار هذه الأساليب الفاسدة أدى إلى تسلل تجار مخدرات إلى البرلمان.. تمتعوا بحصانته، وتسلل معهم نواب عرفوا بنواب القروض، ممن استولوا على أموال المصارف، وفي معيتهم دخل نواب من زبائن الغانيات وفتيات الليل، ووصل إلى المجلسين، بالتعيين والتزوير، نواب (أي مشرعون) متهمون ومدانون بارتكاب جرائم جسيمة، فيهم من أغرق المئات في البحر، ومن تسبب في موت العشرات بتوريد مرشحات (فلاتر) لنقل الدم غير مطابقة للمواصفات، وآخرهم متهم بالتحريض على قتل فنانة لبنانية والتخلص منها، وهو عضو في مجلس الشورى وأكبر أباطرة المساكن والعقارات، ويشغل وكيل اللجنة الاقتصادية بنفس المجلس. ومن حل محله في إدارة الامبراطورية برلماني آخر، هو شقيقه الأكبر، ويرأس لجنة الإسكان بمجلس الشعب.. هؤلاء هم من 'المشرعين الجدد'. يوجههم محتكر الحديد. رئيس لجنة الميزانية بمجلس الشعب، بصفته أمينا للتنظيم في الحزب الحاكم، ومسؤول عن حشد وتحريك كل هؤلاء. أما رئيس لجنة الصناعة فهو ملياردير آخر في مجال السيراميك، واللجنة الاقتصادية بمجلس الشورى يتولاها ملياردير، اتهم مؤخرا بالرشوة. وضاعت سلطة أخرى من سلطات الدولة، وصارت مجرد إدارة قانونية تابعة لحيتان المال والأعمال.. تقنن وتسن قوانين ترعى فسادهم، وتحمي أنشطتهم غير المشروعة.

ومن الطبيعي أن تصدر تشريعات لحساب جمال مبارك، منها سلب رئيس مجلس الشعب حقه في ملء الفراغ الدستوري إذا ما غاب رئيس الدولة بسبب العجز أو الاستقالة أو الوفاة، وُمنح هذا الحق لرئيس الوزراء، قطعا للطريق على فتحي سرور رئيس المجلس الحالي، كواحد من الحرس القديم، واحتمال أن يستعمل حقه هذا لصالح مرشح آخر غير ابن مبارك، وهنا اتضحت أهمية هذا التغيير ودلالة اختيار رئيس الوزراء من بين خدم 'عائلة مبارك'. فمطلوب منه أن يقبل بدور 'المحلل'، لتسويغ زواجه الباطل من منصب الأب. ومن أجله صدرت تشريعات تلغي إشراف القضاء على الانتخابات، وقصر الإشراف القضائي على اللجان العامة دون الفرعية، وإلغاء مسؤوليتهم عن سلامة فرز الأصوات، وهنا يصبح التزوير مسموحا به بنص القانون، وهذا ما قامت به سلطة تشريعية فاسدة فضلا عن أنها ميتة، وهذه نماذج لتشريعات صدرت للحيلولة دون تكرار تجربة الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وتمكن أكثر من مئة عضو من الإخوان المسلمين والمستقلين من الوصول إلى مقاعد مجلس الشعب، لوجود الإشراف القضائي، وبلاء الناخبين الحسن، وتحملهم وحشية واعتداءات الأمن الصارخة، وضاع التشريع وانتهى كسلطة من سلطات الدولة! وننتقل إلى السلطة القضائية وما جرى لها لا يمكن تصوره أو تحمله. قضاة تسحلهم الشرطة في الشوارع، والثالوث الحاكم يفرض إرادته عليهم، ويلغي الهامش المحدود لاستقلالهم، ويتولى تقطيع أوصال هيئاتهم، ويمنح وزير العدل سلطات ليست له، ويعطي المجلس الأعلى للقضاء ولاية ليست من حقه، كمجلس يعينه رئيس الدولة، وهو في نفس الوقت رئيس السلطة التنفيذية،ويفصم عرى العلاقة بين الهيئات القضائية.. ويوزعها على 'كانتونات' منعزلة.. تتناقض في المصالح، وتتفاوت في مستويات الحوافز والبدلات. وتم حصار النادي المنتخب للقضاة والتضييق عليه نقابيا وماليا، وزاد التوسع في انتداب القضاء ليكونوا تحت وطأة إغراء ذهب المعز أو الخوف من سيفه، وأصبح الاعتداء المتعمد على القضاة، من طرف الشرطة، عملا شبه يومي إمعانا في إهدار كرامتهم داخل المحاكم، وإسقاط هيبتهم بين الناس.

و'الكانتونات القضائية' مكنت الثالوث الحاكم من خصخصة قضاة للعمل لحسابه، يوكل إليهم قضايا بعينها لتبرئة المتهمين فيها، ولأول مرة، في حدود علمي، تواجه سلطة من سلطات الدولة عداء شديدا من حاكم من المفترض فيه أنه مسؤول عن إدارة الدولة وملتزم بحماية سلطاتها وضمان استقلال هذه السلطات، وهو هنا كمن يعالج شوكة في قدمه ببتر الساق كاملة. والسؤال الملح الآن هو هل من طريق لعودة الدولة لتلعب دورها المفتقد؟، فغيابها مزق النسيج الوطني وأضعف البنيان الاجتماعي، إلا أن الأساليب التقليدية تبدو غير ناجعة ولا مؤهلة لمثل هذه المهمة الصعبة، وقد يترتب على ذلك أن تصبح الثورة حلا وفرض عين لإزاحة أعداء الحياة وجند الشيطان، الذين 'خربوها وقعدوا على تلها'، كما نقول في مصر، ودون إزاحتهم فلا أمل من الدعوة لبناء الدولة من جديد.


04/10/2008

 

.....................................................................................

 


 

 
 


تصــــــــــــدر كل يوم أحــــــــد
 رئيس التحرير: غريب المنسى
مديــــــر التحرير: مسعد غنيم
 

الأعمدة الثابته

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
دعاة أم نسونجيه ؟
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  
مقالات سعد الدين الشاذلى
خطاب أوباما فى القاهرة
خلافات حول مياه النيل؟
رجال فى مهب التاريخ
عن الجيش المصرى
حكاية المشير عامر كاملة
جمال حمدان الراهب
فؤاد حداد
  أبطال حرب أكتوبر 
الجمسي.. النحيف المخيف
لقاءات صحفية
 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
شعر ممنوع
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟
...................
الصفحة الرئيسية
 

 

 


 


 
...............................................................................................................................................