مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 ستعود مصر مبرأة من الفساد ورافضة لثقافته!
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
...........................


الحديث لا يتوقف عن الفساد في مصر، ومن الصعب استثناء مجال واحد لا ينخره الفساد، حتى استقر في الوجدان العام أن الفساد هو القاعدة وغيره أصبح استثناء، بعد أن صار متحكما في كل شيء، واعتاد الناس عليه ولم يبق مصدر خجل لدى كثيرين!.. يمارس في العلن أكثر مما يمارس في الخفاء، وخطورته هي فيما انتهى إليه وتحوله إلى ثقافة.. أثرت وطبعت تصرفات وسلوكيات قطاعات عريضة من الناس.

ومن المعروف أن أي ثقافة تعبر عنها منظومة من القيم والتقاليد والأنصار والمنظرين. وبدا الأمر وكأن من لا يمارس الفساد شخص غير طبيعي، وعندما يصل الأمر في مجتمع ما لهذا المستوى فمعناه أنه مهدد في استقراره ومستقبله، لأن الفساد يهلك الزرع والضرع، ويقضي على الأخضر واليابس. وحتى لو سلمنا بأن الفساد موجود بين الجماعات البشرية، لكنه يبقى محاصرا وسلوكا معيبا ومجرما، وعلينا أن نسرع في مواجهته والحد من مخاطره، فالجماعات والنظم الحية لا تجعل منه نمطا غالبا ومهيمنا، وتسعى بأن تبقيه مغلوبا وثانويا. والمجتمعات التي تتمتع بالصحة السياسية والنفسية.. المتماسكة اجتماعيا ووطنيا، يحكمها دائما اتفاق عام، يجد تعبيره في عقد اجتماعي، يكون أساسا لتأكيد القيم والتقاليد والمبادئ التي تحد من أثر الأمراض الاجتماعية، وأما المجتمعات المريضة فهي معرضة للوقوع في براثنه. والفساد فعل غير سوي، يستوجب التصدي والمقاومة، هنا تأتي مشكلة مصر..

الفساد فيها قاعدة للحكم وأساس للإدارة.. يطال مناحي السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية، فردية وجماعية.
وقد لا نستطيع حصر كل مظاهر الفساد وقوتها النافذة، فهي أكبر من أن تحصى في هذه المساحة المحدودة، لهذا نركز على أهمها، وفي مقدمتها الفساد السياسي، ونعني به فساد الخطاب الرسمي والحزبي، وفساد قرارات المسؤولين، وعلاقته بذلك الفساد الذي نتج عن العلاقة الحرام بين المال والسلطة، فتجاوزت السلطة حدود الاستبداد، أي حدود التحكم والتسلط والبطش، وبتأثير المال تخطت العلاقة السياسية تخوم التملك، بين مالك يستولي على كل شيء، ومملوك سلب منه كل حق.. والمالك محمي بالتشريعات وتزكيه القرارات السيادية والرئاسية. وهي نفس التشريعات والقرارات التي جعلت المملوك فقيرا ومشردا ومعدما.. ألقت به في مهب الريح. والفساد السياسي هو الأخطر، لتحكمه وتدخله في التشريعات والإجراءات والأحكام، وتفسد تبعا لذلك الإدارة، وتتغير طبيعتها المدنية إلى طبيعة أخرى، إقطاعية وشخصية. والفساد السياسي والإداري أفسد الاقتصاد والمال، وربط الكسب بالرشوة والأعمال الطفيلية والعمولات والممنوعات والعمل لحساب الوكالات الأجنبية وبيع وتصفية أصول الدولة، ونقل ملكيتها إلى الأجانب. وما يعنينا هنا هو ثقافة الفساد التي تقف وراء مجمل التصرفات الرسمية والحزبية.. الجماعية والفردية، بما أفرزت من قيم خادمة لها وداعمة لمنطقها ومعبرة عنها، ويتم تداولها في أوساط الحكام والمحكومين على حد سواء. وإذا ما أرخنا لقوة هذه الثقافة وسطوتها، فسوف نجد أنها أخذت دفعة قوية مع ظهور جمال مبارك على المسرح السياسي، منذ أكثر من عشر سنوات، وتأسيسه جمعية 'شباب المستقبل' ومع تفكيره في إنشاء حزب باسم 'المستقبل' كذلك، وفكرته لم تر النور، وقد تلحقها عملية 'التوريث' التي تبدو أنها ماتت داخل الرحم الذي حملها، وأهم قيم أتى بها 'الفكر الجديد'

وأسست لثقافة الفساد ثلاث نعرضها في السطور التالية:

أولا: نبدأ باللصوصية كقيمة تحتل الصدارة في ثقافة الفساد، تستحل الرشوة، وتسمح بالاستيلاء على الممتلكات العامة، وتمثل أهم شروط تقلد كثير من المناصب الرسمية والحزبية، وعلى من يتقلد هذه المناصب أن يكون متمرسا في تكوين الثروات الخفية، إما من الموقع الوظيفي، أو من النهب والسلب المنظم، أو من خدمة الاحتكارات أو من ثمن التبعية ومقابل 'الصهينة'. وهذه القيمة عززت مبدأ تنصيب المسؤول الذي أثرى، وذلك تحت تأثير وهم أنه اكتفى بما جمع من ثروة، فلا حاجة له إلى المزيد، وهذا رسخ في الذهن العام وكأن الأصل في السلوك والتصرف السياسي والإداري هو اللصوصية، وأن الحكم يجب أن يكون من نصيب أصحابها، واعتبارهم الأجدر به، والأولى في الاستيلاء على الأرض والمال والبشر والمستقبل، من ناحية أخرى فإن ناشر هذه القيمة ومتبنيها يعلم تماما أنها تكافئ الناهب والسارق، وتعاقب الباني والمنتج، وعليه أضحت قيمة هادية ومرشدة لاختيار المسؤولين، وتشكيل أجهزة الحكم، فالحكومة الحالية دخلها رجال أعمال، ليس بينهم صانع أو منتج أو عصامي واحد، يكون قد اقتدى بالرواد الأوائل لصناعة الغزل والنسج والبلور والزجاج والسينما.

ثانيا.. ننتقل إلى بدعة 'اللياقة الاجتماعية' كقيمة تستهدف القضاء على أي توجه نحو المساوة السياسية والعدل الاجتماعي والفرص المتكافئة، وهي بدعة تصادر حرية الإنسان في حياته وفي اختياراته، وتقوم على التفرقة بين الناس، مهما اختلفت قدراتهم ومشاربهم، على أساس العصبية والثروة، وليس الكفاءة أو العلم والخبرة، وعلى أساسها يتم تبرير النشر المتعمد للشقاء والتعاسة، وحصر نطاق الرفاهية والسعادة في قلة محظوظة. وتأكيد هذا استلزم خطابا سياسيا مزيفا مادته كذب وأساسه مراوغة.. يعكس طريقة توزيع الأدوار.. كذب بواح مزين بالوهم في خطب وتصريحات المسؤولين الحزبيين والرسميين من جانب، وانتزاع الحقوق من يد أصحابها على الجانب الآخر. إنها بدعة شقت طريقها إلى الدبلوماسية والبعثات الخارجية ومؤسسات الإعلام والقضاء والطب والعمل الأكاديمي، وإلى الكليات والأكاديميات العسكرية والأمنية، فالمجالات الأولى يتم التعيين فيها على قاعدة الوراثة والقرابة وغنى الأهل والأسرة، والثانية يتم القبول فيها على أساس الثروة وحجم الملكية، وهذا حرم المتميزين والمتفوقين والأذكياء من أبناء الفلاحين والعمال والعاملين وصغار ومتوسطي الكسبة من هذه الوظائف، وأصبحت من أهم عوامل التوحش والسعار الذي أصاب أجهزة الدولة في التعامل مع المواطن، وإذلاله واحتقاره.

ثالثا.. الشَّبع كقيمة لتحصين المدللين والمنحرفين، ورجال المال والأعمال.. تبرر اضطهاد الفقراء وحرمانهم من نصيب عادل من ثروة بلدهم، وتحصرهم في عشوائيات بعيدة عن الأحياء والمستعمرات الراقية، والحيلولة بينهم وبين الاستفادة من الحراك الاجتماعي الذي كان يوفره التعليم في السابق، والمجتهد والعبقري الجائع يحكم عليه بالعزل والموت والحرمان، أما الكسول المتخم فيكرم ويدلل. ولست من المقتنعين بأن نشر الجوع في مصر أتى عفوا، إنما يتم وفق مخطط يفسح المجال أمام الكسالى والمدللين للاستيلاء على حقوق المواطنين ومصادرة عرقهم وجهدهم، والغريب في مصر أن أغلب مبدعيها وعباقرتها من بين الفقراء ومحدودي الدخل والبسطاء.. في الشعر والأدب والثقافة والعلوم، أما 'الشبعانين' فهم منغمسون في الجنس والجريمة والجهل والتعصب. وهذه القيم هي الحبل السُّري المغذي لثقافة الفساد، ولا علاقة لها بالتصرفات السوية والسلوك القويم، ولا ترتبط بمثل عليا اعتاد عليها الأصحاء عقليا ونفسيا، بكل مللهم ونحلهم. وشيوع ثقافة الفساد جعل العشوائية فلسفة حكم، والفوضى أسلوب حياة، ففسد الذوق العام، حتى اعتاد الناس على القبح والفوضى والضجيج. ونرى انعكاسات ثقافة الفساد في مظاهر السعار والإسراف المستفز، في بلد يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، وفي إفساد المهن والخبرات، واحلال 'الفهلوة' محل الاتقان، وفي تشويه الهوية، بالتقسيم الاجتماعي والاقتصادي، الذي أخذ منحى دينيا وطائفيا متعصبا، يحقر من شأن اللغة والثقافة الوطنية والقومية، ويلغي الذاكرة التاريخية.

علينا أن نعترف بأن مقاومة ثقافة من هذا النوع ليست سهلة، ومواجهتها شيء بالغ الصعوبة بسبب نشر الفقر والجهل والمرض، وإلغاء الرقابة الشعبية، وشل أجهزة الرقابة الرسمية، وتماهي السلوك العام فيها. وإذا كانت الإرادة السياسية في محاربة الفساد قد غابت فإن الأكثر غيابا هو الرغبة في محاربته. فقد جلب لرجال الحكم والمال منافع لا حصر لها. وهذا أغراهم، فأغمضوا عيونهم.. وفي بداية عهد مبارك، عام 1981 بلغت جرائم الرشوة المسجلة 91 جريمة، ولم تتجاوز جرائم الاختلاس 54، وآخر الأرقام تقول بأن جرائم الاختلاس وصلت إلى سبعة آلاف، وهذا وضع مصر على قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم. ومع ذلك برزت في السنوات الأخيرة تيارات واسعة تعمل على مقاومة هذه الثقافة، وتواجه بحرب ضروس من النظام. وهذه التيارات استقطبت قطاعات عريضة من الناس، وتشق طريقها عنوة رغم ما يوجه إليها من عنف وتوحش، ولسوف تنتصر، وتعيد مصر كما كانت بلدا نظيفا مبرأ من أدران الفساد ومتحديا لثقافته المدمرة.


12/02/2011

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................