مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 مؤسسات مصرية معيقة للتغيير وغير مؤهلة لحل الأزمة
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
............................

 لايعبدون إلا المال، وتجرد أغلبهم من كل ما هو إنساني وأخلاقي. لم يعوا بعد أن العالم يمر بمنعطف خطير يؤثر عليهم وعلى وجودهم ذاته. فمع مطلع عام 2009 يدخل رئيس أمريكي جديد البيت الأبيض بكل ما يترتب على ذلك من تغييرات في عالم يعج بالفوضى وغير آمن. وقد تحد هذه التغييرات من قدرة سادة ورعاة الحكم في القاهرة، ومن وزن معسكر 'الاعتدال' العربي، والمركزان الرئيسيان الحاميان لحكم مصر، سواء في تل أبيب أو واشنطن تشغلهما أوضاعهما المعقدة على أكثر من صعيد. ففشل الحرب العالمية ضد 'الإرهاب' تزيد أوضاع هذين المركزين تعقيدا، فاعتدال الموازين في أفغانستان وضع قوات حلف شمال الأطلسي قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة النهائية.

وها هي الأوضاع في العراق واستمرار المقاومة فيه وصمودها تمهد لهزيمة أخرى ونقطة تحول كتلك التي حدثت بعد دحر العدوان الثلاثي في 1956.. ألا يهدد ذلك استمرار النظم العربية، المستبدة والفاسدة والتابعة، والعاملة على نشر التطبيع، وفي مقدمتها 'الثالوث الحاكم' في مصر، والمراقب المدقق يرى في الانتصارات التي أنجزتها المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق على الجيوش الكبرى المدججة بالسلاح والتقانة حتى العظم، تحدث خللا في مستوى التفوق العسكري والتقني الأمريكي البريطاني، ومعهما قوات حلف شمال الأطلسي ومرتزقة الدولة الصهيونية، ويجعل من الأزمة التي يواجهها الفكر العسكري الغربي المهزوم جزءا من مجمع الأزمات التي حلت بالعالم، بسبب التصرفات الأمريكية الرعناء. وعند البحث عن حل أي أزمة ينحو التفكير الرسمي الغربي دوما إلى حلها على حساب الغير، وهذه المرة من المتوقع أن يكون الحل من رصيد العرب وعلى حساب المسلمين، ولهذا يكثف الغرب في دفع الأوضاع نحو حرب مذهبية، فمن ناحية يمتص الفوائض الخليجية والنفطية، ومن ناحية ثانية ينعش صناعة السلاح وتجارته، ويزيد من نشاط الإعمار بعد الخراب الجديد المتوقع.

من أجل ذلك ضاقت مساحة الخلاف بين الدولة الصهيونية و'المعتدلين العرب'، ممن لا يمانعون من رعاية تل أبيب لشؤون المنطقة، اعتمادا على 'المبادرة العربية' في ترويض من لم يروض بعد، وهي في الأصل مبادرة سعودية يدعمها مال وفير ونفوذ مذهبي مؤثر، وجسر علاقة ممتد بين المملكة منذ نشأتها والغرب.
وقد لا تكون الحرب المذهبية باليسر الذي يتصوره 'المعتدلون العرب'. لأن الحروب المذهبية والطائفية والمناطقية تندلع لإضعاف أطرافها، الذين يواجهون بعضهم بالسلاح، وهي دائما لفائدة الطرف أو الأطراف المحرضة. ولا يستوعب 'الثالوث الحاكم' في مصر كل هذه التعقيدات، على مستوى الصراعات السياسية والعسكرية، أو على مستوى الأزمة المالية الحالية، فماذا تعني لديه دلالة دخول تعبير التأميم إلى القاموس الاقتصادي والسياسي الأمريكي..
في بلد بنى كل مجده وجبروته على إدانة الملكية العامة ومنع الدولة من التدخل، ودفع بمؤسساته المالية لتفرض شروطها التعسفية على كثير من حكومات العالم، ومن رضخ وقام بتصفية مشروعاته العامة وممتلكات شعبه بقي تحت رحمة معوناتها وابتزازها، وهي التي صبت في شرايين شريحة طفيلية متوحشة، أخذت على عاتقها تخريب البلاد وإفساد الذمم، وأحكمت قبضتها على شعبها.

وفي نفس الوقت فإن التأميم عاد كإجراء إلى البرامج البريطانية مجددا، ومنها إلى باقي أوروبا، بعد أن شطب منها في العقود الثلاثة الأخيرة، بداية من حكم المحافظين بزعامة مارغريت ثاتشر ثم جون ميجور، وبعده حكم 'العمال الجدد' بقيادة توني بلير، فساروا على النهج التاتشري، وقد هام مبارك الابن غراما في 'البليرية' (نسبة إلى توني بلير)، وهو هيام ليس له أساس، فمؤسس 'البليرية'، بغض النظر عن توجهاته العنصرية وانحيازاته الصهيونية، امتلك رؤية سياسية واجتماعية متكاملة، وهي وإن كانت يمينية إلا أنها محصلة علمه وتمرسه السياسي، منذ أن كان طالبا. ولأنه ابن مجتمع ما زالت الثقافة الاستعمارية مؤثرة على تصرفات كثير من مسؤوليه وأحكامهم.

انحاز لهذه الثقافة، وزكاه تميزه كقانوني ضليع، توفرت له شروط الزعامة وانعقدت له سبل النجاح.. صاحب حضور (كاريزما) وخطيب مفوه، وقادر على التواصل مع الناس، ومع ذلك صعقه انحيازه، وانفض عنه شعبه، لتأييده ومشاركته في غزو العراق، ولولا ذلك لدخل التاريخ من باب أفضل.. لم تكن لرؤيته وقدراته علاقة بالوراثة أو القرابة، مثل صاحبنا في مصر، ولم يصل لمنصبه لأن له أبا يشغل منصبا رفيعا، ولديه الاستعداد لنقل صلاحيات منصبه إلى ابنه، وعنده القابلية لفرض ابنه على الناس بوطأة الخوف وسلاح الجوع، وهما أكثر ما يقهر الإنسان ويذله.. لم يكن ممثلا لمضاربين في أسواق المال، ولا سمسارا للمصارف أو في البورصات، ولم ينزل على المناصب العليا بـ'البراشوت' من أعلى، كالقضاء المستعجل، كما نقول في مصر، لهذا من حقنا أن نسأله ماهي الفائدة من حضور مؤتمرات حزب ليس فيه سمسرة، ولا بين أعضائه من يقبل العمولات والرشاوى، ولم يتاجر قيادي فيه في ديون بلده، ولا يسمح ببيع أرض الدولة برخص التراب لـ'تصقيعها' وكسب المليارات من وراء بيعها بأسعار السوق!، ولا يأخذ بنظام 'الترست' الذي تمثلة لجنة السياسات، وهي تضم كما من رجال مال وأعمال وسماسرة تحيط بهم الشبهات من كل جانب، ومن حقنا أن نشك في أنه يعرف الفرق بين حزب عريق مثل حزب العمال البريطاني، وسوق للتجارة وتبادل المنافع يسمونه مؤتمر الحزب الوطني الحاكم، وتبدأ أعماله اليوم السبت.

حزب العمال البريطاني، المصنف في يمين الوسط، تجده وهو يواجه الأزمة الحالية يتخذ موقفا واضحا من سماسرة المصارف والبورصات وتأثيرهم السلبي، بسبب تقاضيهم لأموال ومبالغ ضخمة، وهذا أدى بغوردون براون للدعوة إلى التخلي عما يعرف بـ'ثقافة البونص'، وهي تسمح بصرف مبالغ فلكية لهؤلاء.. قدرت في العام الماضي بأكثر من ملياري دولار أمريكي.. وفي المقابل نجد أن حزب حسني مبارك وولده، وما فيه من 'فكر جديد' أعمته المصالح الخاصة عن قراءة الواقع والتعرف على مشاكله، فيعجز عن اتخاذ موقف مشابه بالدعوة إلى التخلص من ثقافة النهب، ودعوة نفسه أولا وجماعته ثانيا للإقلاع عنها. وعلى العموم فإن 'عائلة مبارك' تجني ثمار ما زرعت.. ليست هناك دولة تتدخل، فقد قايضوا سلطاتها بسلطة 'العائلة'، وإذا كانت 'العائلة' غير قادرة على إنقاذ نفسها فهل يمكنها إنقاذ مصر؟. إنها مشغولة بالبحث عن مخرج ينقذ ثرواتها وأموال المقربين منها المبعثرة في مصارف أوروبا وأمريكا المفلسة. ومن الطبيعي فإن الدولة حين تغيب تغيب معها الخبرة والأفق الواسع والفكر القادر على المفاضلة بين اختيارات عدة، إن لم يختر الأفضل فليؤخذ بالأقل ضررا، وبهذا تدار الأزمات وتحل المشاكل، وأم الأزمات هي وجود 'الثالوث العائلي' في الحكم، الموزع على ثلاث مؤسسات لها طابعها الخاص والفردي.

المؤسسة الأولى هي مؤسسة الرئاسة، ويصح تسميتها 'مؤسسة الأب'، وليس لها من المؤسسة إلا الاسم. وتحولت إلى كيان ديناصوري، متخلف وباطش.. غير قادر على التكيف مع مقتضيات الحكم، ومعروف عنها غباؤها الذي يحسدها عليه أكثر الناس جهالة وتخلفا، ولا تستعين هذه المؤسسة إلا بمن يوفر لها الأمن والمال، ومن أجل الأمن اتخذت من البلطجة سياسة وثقافة، ولجمع الثروة قننت الجريمة وحصنت المجرمين، وهي لا تتقن غير القمع والاعتقال والملاحقة والتزوير وتوزيع الإكراميات على الموالين وذوي النفوذ.

والمؤسسة الثانية يمكن وصفها بـ'مؤسسة الوراثة' لأنها نشأت خصيصا لغرض 'التوريث'، وأداتها السياسية والتنظيمية، جاءت على هيئة 'ترست'، تتولاه لجنة السياسات، وتضم نفايات من الصعب أن تجد لها نظيرا في مجتمع آخر، وامتدت بمصالحها ونهبها إلى الأصهار والأقارب. ولا يوجد غيرها مدافع وحيد عن كل ما هو عشوائي وفوضوي، بدءا من عشوائية السوق والمباني إلى فوضى الشوارع والمواصلات. وتلعب بورقة جمال مبارك في مواجهة الأب، لأنها بدونه لا تساوي شيئا.

 والمؤسسة الثالثة هي 'مؤسسة الأم'.. مؤسسة خاصة بالسيدة سوزان مبارك، وكثيرا ما يفوق نفوذها نفوذ المؤسستين الأخريين، ولها تعلق بوهم العالمية ومشدودة إلى سراب نوبل، لذا وجهت جهودها نحو الخارج، لنيل رضى المؤسسات الغربية والصهيونية، فركزت على 'التطبيع' عن طريق نشر ما تسميه ثقافة السلام، وقضايا المرأة والإسكان والصحة والزراعة والإعلام والثقافة والتعليم والآثار، وتولت مؤخرا أمر الإشراف على مشروع 'ذاكرة مصر المعاصرة' (أهرام 29/10/2008) لإعادة كتابة تاريخ مصر من محمد علي حتى السادات، وهو دور ليس لها، إنما للمتخصصين والعلماء والمؤرخين، ولأن المطلوب هو إفراغ الذاكرة الوطنية، وحشوها بما يتلاءم مع مطلب التطبيع، صنعوا لها هذه المهمة على أمل أن تحل 'عقدة نوبل'، ويعيب هذه المؤسسة أنها تركز على النشاط المظهري، وعلى سيدات المجتمع ونساء المال والأعمال والوصيفات، وتعتمد عليهن، مع رجال الأعمال في تمويل أنشطتها، وتتغذى بالكوارث والفضائح، وتحتضن صناعها وأبطالها، من وزير الإسكان والتعمير السابق، صانع العشوائيات وانهيار الأبراج والعمارات، والوزير الحالي، المبدد لأراضي الدولة ومانحها لأهل الحكم والثروة، ووزير الثقافة ورجاله بثرواتهم غير المشروعة واختلاساتهم وتهريبهم للآثار وحرائقهم للمسارح وبيوت الثقافة، ووزير الإعلام الذي يحمل رخصة تحويل الإعلام المصري إلى إعلام عائلي، فوضعه في ذيل الإعلام العربي.

ولكن رب ضارة نافعة، كما يقولون، فقد أفاد حكم مبارك الابن الحركة الوطنية فائدة جمة.. كشف متسللي الداخل واختراقات الخارج، ولولاه ما تعرى ذلك بهذه الصورة، وهذا جاء نتاج تربية وبيئة وتأهيل، فمثله نشأ وتربى في عزله عن الناس، وسط بيئة تزرع الخوف وتقوم على عدم الثقة، وتأهل لشيء ليس له عن طريق الأمن والسماسرة وبعض العسكر، ففقد الثقة في نفسه أولا، وطبيعي أن يفقد الثقة في الناس ويكرههم، وهم في موقفهم منه يبادلونه نفس المشاعر، ولهذا تجد الناس.. رجالا ونساء.. في الطرق العامة والأماكن الخاصة، يجهرون بالدعاء عليه، ويتمنون له الأذى لما أصابهم في عصره من أضرار وما ذاقوه من علقم لم يعهدوه في عصر سابق، ولهذا حديث آخر.

 

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................