مؤتمر الحزب الحاكم في مصر يعزز الوريث ويقدس الرأسمالية
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
.......................
في الفترة الأخيرة وجدنا فقراء قد
سعدوا بفقرهم وشقي أغنياء بغناهم، بسبب الإعصار الاقتصادي
الذي اكتسح العالم. وبالنسبة لمصر فقد كشف هذا الإعصار عن
ازدياد معدل السعار المالي بين معظم أثرياء وحكام مصر.. وهم
يرفعون شعار 'البلطجة هي الحل'، وهذا الشعار، غير المعلن،
أصبح مفتاحا لفهم عُقد أهل الحكم والثروة.. كانت البلطجة
عرفا مع بداية حكم حسني مبارك، وحتى منتصف تسعينات القرن
الماضي..
وعلى مدى السنوات العشر الماضية صارت سياسة ومنهاجا وقانونا،
تضاءلت أمامها أفعال الشياطين.. وهذا الوضع الشاذ أدى بنا
إلى استحضار النموذج الصهيوني، الذي يستمد قوته من ضعف
الآخرين. وهم هنا العرب والمسلمون، وقوى التحرر والسلام
الوطنية والقومية والعالمية.. النظام العربي،على المستويين
الفردي والجماعي، ضعيف بفعل الحصار والاستنزاف والتقسيم،
وكثير من الدول الاسلامية في حالة تهافت يدفعها إلى التعامل
معه اقتصاديا وعسكريا والاعتراف به سياسيا، ونفس المنطق يحكم
حركة البلطجة.. مصدر قوتها يعود للحصار المضروب حول المواطن،
وتبعية النظام الحاكم وتخاذله، وتواطؤ المسؤولين وفسادهم،
وإن كانت العشوائية أساسا للحكم تطورت البلطجة لتصبح منطلقا
للنشاط المالي والاقتصادي، ونهجا للعمل السياسي والاجتماعي،
واستقر ذلك وترسخ في السنوات الأخيرة، ويعود ذلك إلى تضخم
دور جمال مبارك ودور لجنة سياساته.. النبتة الشيطانية في حقل
السياسة، والكيان الديناصوري في أوساط رجال المال والأْعمال.
والأزمة المالية والمصرفية العالمية، ثم انعقاد الدورة
الأخيرة لمؤتمر الحزب الوطني الحاكم، أكدا طبيعة مبارك الابن
كظاهرة، يمكن ضمها لباقي الظواهر العشوائية التي لها الغلبة
في الحياة المصرية. فبتأثير الأزمة انطلق مدافعا بشراسة عن
الرأسمالية وسلامة مسارها، وتكرر ذلك في أعمال مؤتمر الحزب
الوطني الحاكم.. وكان واضحا أن الهدف الأول للمؤتمر هو تعزيز
دور ونفوذ الابن، والسير قدما في طريق 'التوريث'، والملفت
للنظر كان تخلي مبارك الأب عن خطابه التقليدي.. تحدث لأول
مرة بلسان لجنة السياسات.. كلجنة مكلفة بإنجاز مهمة
التوريث.. مشيدا بـ'الفكر الجديد'.. ونسب إلى الشباب، وهو
يقصد ابنه وأعضاء لجنة سياساته، ما سماه انجازات الحزب، وقال
عنهم انهم قادوا انطلاقة الحزب وعملية تطويره منذ عام 2002،
على حد قوله في خطابه يوم السبت الماضي.. ادعى أنه يطرح فكرا
جديدا 'يتفق وروح العصر'! ورؤية واضحة تتعامل مع مشكلات
وتحديات المجتمع وتتجاوب مع طموحات وتطلعات المواطنين، وهو
كلام عتيق وعقيم وقديم.. قدم حركة الكشوف الجغرافية، وما
تلاها من انهيار الاقطاع الأوروبي واندلاع الثورة الفرنسية
وانطلاق الثورة الصناعية، ونشأة الظاهرة الاستعمارية، وأرجح
أنه لا يعرف أنه كلام عفا عليه الزمن، ويبدو أن من صاغه أحد
عتاة اليمين من الليبراليين الجدد الملتفين حول الابن، ومن
حملة الأفكار الموغلة في التخلف والتعصب، وضمن هذا السياق
ذكر 'أن هناك من يتذرع بالأزمة الراهنة ليروج لدعاوى الرجوع
إلى الوراء'، واعتبر لجوء العديد من الدول إلى التدخل
لاحتواء تداعيات الأزمة ليس رجوعا عن اقتصاد السوق وآلياتها،
ولا هو عودة لنظم ونظريات تجاوزها العصر.. واعتبر تدخل الدول
لمواجهة الأزمة المالية العالمية إجراءات ذات طبيعة وقتية
واستثنائية إلى حين تراجع الأزمة!! وهي حكمة جاءت متأخرة عدة
قرون. وادعى أن الدولة لم تغب، وقال عنها أنها ما زالت
قائمة، مطالبا بإعادة تعريفها 'وفق منظور عصري متطور.. يحتفظ
لها بدورها الاجتماعي'، والقاصي والداني يعلم أن الدولة لا
وجود لها فعليا.. حلت محلها سلطة الأمن، وسطوة شركاء المال
والاقتصاد، و'ترست' ينظم العلاقة بين أصحاب الثروة وأصحاب
القرار.
في اليوم التالي (الأحد الماضي) أعلن الابن أنه لا يريد دولة
معوقة مسيطرة، إنما يريد دولة محفزة.. فالدولة القوية
الراعية صفيت لإفساح الطريق أمام دولة وهمية ضعيفة.. ضعيفة
ورخوة وتابعة وملحقة، وهو ما يطلق عليه دولة محفزة. وأمام
المؤتمر أصدر قرارا بعدم العودة إلى الماضي! وكأن 'فكره
الجديد'.. المستعار من ابنه.. ليس عودة إلى الماضي! وكأن
اختراع اقتصاد السوق وآلياته قد سجله باسم ابنه، في دائرة
براءات الاختراع من عدة قرون.. منذ أن أطلقت الثورة الفرنسية
شعار 'دعه يعمل دعه يمر' في النصف الثاني من القرن الثامن
عشر.. هذا غياب الوعي يتدفق مياها غزيرة في انهار الدنيا
خلال القرون الماضية، يعبر عن الإصابة المزمنة برهاب (فوبيا)
التغيير، الذي لاح في أفق العالم وأدى إلى وصول باراك أوباما
إلى البيت الأبيض، ومن أعراضه تخصص 'عائلة مبارك' في قتل حلم
التغيير، وإجهاض السعي نحو العدالة الاجتماعية والديمقراطية
السياسية، والتركيز على غلق الأبواب أمام المبادرات والجهود
عند مواجهة الصعوبات والتحديات، ومنها جهود البحث عن حل
للأزمة المالية الراهنة، خاصة أن تقارير المصرف المركزي
المصري تؤكد وصول التضخم إلى أكثر من 23' وهي نسبة خطرة بكل
المقاييس.
وجمال مبارك، كحاكم فعلي، أصبح في وضعه الراهن ظاهرة تمثل
خطرا بالغا على حاضر مصر ومستقبلها، وبالتبعية على حاضر
المنطقة ومستقبلها، والذي يتحمل المسؤولية المباشرة في ظهور
وتوحش هذه الظاهرة.. هو حسني مبارك، بقراراته الرئاسية
والحزبية، وتسخير إمكانيات المجتمع له، وبذلك صنع من ابنه
حوتا ضخما وأخطبوطا متشعبا، مع أنه يعلم أن قدرات ابنه
محدودة للغاية، وأنه غير مؤهل للعمل العام ولا يحمل صفة
واحدة من صفات القيادة، لم يتميز يوما في شيء. وقياسا على
نموذج بوش، نجد أن ذكاءه المحدود أغرق العالم في بحر من
الدماء والنار.. نشأ مبارك الابن في بيئة كانت الإمكانيات
فيها مسخرة له.. طوعا أو كرها. حتى تعود على الاستحواذ على
ما للغير دون اكتراث. والأب هو مصدر ما جرى ويجري لابنه، هو
من وضعه في هذا الموقف الصعب، وهناك أبناء رؤساء ومسؤولين
كبار سبقوه.. منهم من لم يتمكن من الحصول على القسط الكافي
من التعليم، فلم يتعال على الحياة، ولم تتحكم فيه شهوة
السلطة ولا سعار الثروة، عاش مثل باقي المواطنين، وعمل سائقا
لسيارة أجرة، وكسب رزقه بعرقه وجهده، أما المتفوق منهم فشق
طريقه الأكاديمي والمهني بجدارة، فاحتل مكانة مرموقة. وجمال
مبارك أهم إخفاقاته هو فشله الذريع في كسب ثقة المواطنين،
إلا أنه يجد من يصور فشله وإخفاقاته بأنها ذرى النجاح،
فالمعيار المعتمد عند هؤلاء للنجاح هو الأرصدة المالية،
السرية والعلنية.. وهو نجاح مسموم.. يدين ولا يزكي.. يخفض
ولا يرفع.
ولسنا مع من يقدمون الأعذار له اعتمادا على ما يردده البعض
من أن الذنب ليس ذنبه، حيث تعود على ان طاقم الرئاسة رهن
إشارته، وعلى الحراسة المشددة وهي تحيطه دائما وتعزله عن
الناس، مع أن هناك من الآباء من فطن لأثر المنصب والوضع
الوظيفي على الأبناء، فدفعوا بهم إلى حياة تصقلهم وتصلب
عودهم وتقوي شوكتهم.. أشركوهم في معسكرات ومخيمات كشفية
ورياضية، وشجعوهم على ممارسة أعمال الخدمة العامة، والالتحاق
بالفرق الرياضية وفرق الكشافة والكليات العسكرية، طلبا
للخشونة وصقلا للقدرات. ونتابع أخبار أسر مالكة وحاكمة، في
الشرق والغرب، شجعت أولادها على ذلك، فأبناء ملكة بريطانيا
وأحفادها انخرطوا في السلك العسكري، بما فيهم ابنتها الكبرى،
وشارك ابن الملكة، الأمير أندرو، في الحملة على جزر
المالفيناس (الفوكلاند)، وذهب حفيدها، الأمير هاري، مقاتلا
على الجبهة الأفغانية. وتقررت عودته فور أن تسربت أخباره.
وإذا كان الأب والأم والابن والحزب والحكومة ولجنة السياسات،
قد فشلوا في انقاذ ضحايا وشهداء دفنوا أحياء تحت أنقاض وصخور
هضبة المقطم المنهارة في منطقة الدويقة، وأمام العجز قرر كل
هؤلاء تحويل موقع الكارثة إلى مقبرة جماعية.. فلم تكن أي جهة
تملك آلات أو معدات متقدمة لتفتيت الصخور، وكان ذلك إعلانا
واضحا بالإفلاس والعجز التنظيمي والفني في مواجهة كارثة وقعت
في حيز محدود وصغير، فما بالنا بالكوارث الأكبر. وهل يقدر
هؤلاء على التعامل مع الأزمة المالية الخانقة على غير طريقة
الدويقة؟! مع أن كثيرا منهم يدعي بأنهم ينقلون النموذج
الأمريكي في إدارة الاقتصاد والسياسة، وهم في الحقيقة ينقلون
الاستغلال والعنف والسمسرة والمضاربة والعلاقات العامة
وتحسين الأشكال والصور (نيو لوك)، ويتجاهلون الوجه الآخر،
لنظام يخضع لمنظومة قانونية ومؤسسات تشريعية ورأي عام، أما
في مصر فالقانون شخصي والمؤسسات مزورة، والرأي العام محاصر
ومحارب ومجهض، ولو أن واحدا على المليون من الجرائم والفضائح
التي تنشرها الصحف ووسائل الإعلام المصرية نشرت في
أمريكا،لاستقالت حكومات وتغيرت نظم وحوكم رؤساء وعزل مسؤولون
وسجنوا وصودرت ممتلكاتهم وسرقاتهم.
الأزمات تزداد في مصر تعقيدا، ومن المتوقع أن تكون الأزمة
المالية الحالية هي الأكثر وطأة، وقد تكون المسمار الأخير في
نعش الحكم، ومن يريد التأكد عليه الاطلاع على أوراق وخطب
وتصريحات ومناقشات مؤتمر الحزب الوطني الحاكم، الذي وضع
أوزاره يوم الاثنين الماضي.