 |
|
 |
| |
مصر: سكان العشوائيات يواجهون التهجير بدل التطوير
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
........................
ملف التعامل مع المنتجين والعاملين ومحدودي الدخل والفقراء
والمهمشين زاد تخمة على تخمته، ولا يجد من يفتحه ويدرس ما
بداخله بصورة جادة.. فالحكم المصري أسقطهم من حسابه، على
الرغم من غالبيتهم الكاسحة، وفي عصر 'عائلة مبارك' زاد الفقر
والفقراء واتسعت دائرة المهمشين، وازداد الأغنياء غنى واتسعت
معهم دائرة الفجور والجريمة.. وما بين التهميش والجريمة تضيع
حقوق الكثرة المحرومة ويكثر نهب القلة المتخمة، ويقول
التاريخ ان نيرون، الامبراطور الروماني، حرق روما، وكانت أحب
المدن إلى نفسه.. بينما 'نيرون المصري' يحرق مصر ويميت أهلها
ويفرض الفقر والتخلف عليها، لأنها الأكثر كراهة إليه..
وهناك روايات تنفي عن نيرون الروماني سوء المقصد، وقيل انه
لم يكن ينوي حرق روما، وكان مقصده حرق أكواخ الفقراء البائسة
في محيط المدينة العظيمة.. وتطويرها والارتقاء بها، وهو ما
حدا بمفكر عربي راحل في الاعتماد على هذه الرواية كمادة لعمل
مسرحي وحيد له.. خرج عام 1974 بعنوان 'محاكمة نيرون'، وكان
الظرف التاريخي وقتها يشهد تكثيفا في الحملة على عبد الناصر
بعد حرب 1973، مما سمح بتأويل ذلك النص باعتباره محاكمة
للزعيم العربي الكبير، وشفع للمؤلف أنه كان وحدويا ولم يكن
معاديا لتجربة عبد الناصر وكان نصيرا لتوجهه الوحدوي، وإن
اختلف معه في تفاصيل أخرى، وكتبت وقتها نقدا لهذه المسرحية،
وما يبعث على التقدير لهذا المفكر الراحل أن ما كتبته لم
يترك أثرا سلبيا في نفسه، ولا على علاقته بي، بل زادت هذه
العلاقة قوة إلى أبعد الحدود، وكان له رأي أفصح عنه كثيرا عن
أهمية الجيل الذي أنتمي إليه ودوره، ولهذا أحمل له جميل
تيسير مهمة عودتي إلى مصر، بعد نفي دام سبعة عشر عاما، وكم
كان سعيدا وهو يتابع خطوات العودة، ومع أنني تحفظت على رأيه
لقناعة عندي بأن التغيير مهمة الشباب وليس عمل الشيوخ
والكهول، فهم من جيل غير الجيل، ولزمان غير الزمان، كما قال
سيدنا علي، كرم الله وجهه، ويكفي أبناء جيلي ما يستطيعون
ويطيقون، وهو في مثل حالتي الكتابة والمساهمة في كشف رزايا
وبلايا الاستبداد والفساد والتبعية، وهذا ما التزمت به،
ووجدت في صحيفة 'القدس العربي' منبرا يسمح بذلك، ولهذا تشبثت
بها وتشبثت بي.
أقول هذا وأنا عائد لتوي من رحلة طويلة نسبيا في مصر، اكتشفت
فيها أكثر من نيرون، لا يرحمونها ولا يتركونها لرحمة الله،
وعلى رأسهم 'نيرون' أكبر، بسياساته التي حرقت مصر على مراحل
وقتلت شعبها ببطء، على مدى سبعة وعشرين عاما، وها هي تدخل
العام الثامن والعشرين تحت وطأة الحكم متوحش ومفترس.. والشعب
الأعزل يقاوم مقاومة عنيدة من أجل أن تتجنب مصر المصير الذي
ينتظرها، لكن الرأي العام، خارج مصر، لا يشعر بهذه المقاومة
بالدرجة الكافية، فقد تمكن النظام العربي بفساده وتهافته من
ترويض أجهزة الإعلام والفضائيات، فحجب عن الناس حجم وطبيعة
ما يجري فيها. و'نيرون المصري' ليس بمستوى نيرون الروماني،
ولا يشبهه إلا في الحكم المطلق، وإن كان التاريخ قد وصم
الثاني بالجنون لكنه لم يصفه بالغباء ولا بمحدودية الذكاء،
ولم يشر إلى إصابته بسعار المال والثروة، ولم يتطرق إلى
معاناته من شبق التحكم والتسلط، ولم يضعه في عداد المفتقرين
إلى المعرفة والثقافة، لذا كان جنونه في حدود ما أوقعه بنفسه
من أذى وضر، و'نيرون المصري' ورث دولة ذات مكانة متميزة،
إقليميا ودوليا.. تحولت على يديه إلى 'ملطشة'، يهينها كل من
هب ودب، ويستأسد حكمها على من تعلقوا بها وكانوا في حاجة إلى
مظلتها، فأضحت خادمة لا مخدومة.. تابعة لا مستقلة. وكانت
روما عاصمة عظيمة، أما عاصمة مصر في عصرها الراهن انتقلت إلى
منتجع على الحدود مع الدولة الصهيونية.. لأن من يحكمها افتقد
الأمان في القاهرة وبحث عنه فوجده في شرم الشيخ، فهي الأقرب
إلى تل أبيب، وهو يتطلع إليها سندا وملاذات وملجأً، بعيدا عن
سخط الشعب وغضبه!!، وهذه القرية السياحية الحدودية تصلح
منتجعا لسائح أو مقرا لناظر عزبة أو سكنا لوكيل شركة سياحية،
وطال أذى'نيرون المصري' كل بيت ولحق ضرره كل مواطن، وامتد
ذلك إلى خارج الحدود السياسية لمصر، ونموذج غزة واضح وفاضح
في هذا الخصوص.
وقبل التعرض للمخططات النيرونية الجديدة أبدأ بحال مطار
القاهرة، وهو البوابة التي تعطي القادم الانطباعة الأولى عن
البلد الذي يدخله، ولن أحكي إلا ما حدث معي، وليس مع غيري،
ولدي منه الكثير، خاصة ما رأيته يحدث للفلسطينيين
والعراقيين.. وإني وإن كنت قد تعودت على مضايقات مسؤوليه
ورجال أمنه، إلا أن الوضع هذه المرة اختلف وتجاوز حد
التحمل.. سحبوا جواز السفر، وجاءني من يحمل معه أوراقا ويطلب
أن أتبعه.. فوجئت به يقودني إلي غرفة حجز، أشبه بـ'تخشيبة'
قذرة في قسم أو مركز للشرطة، وما كان مني إلا أن تركته
واندفعت مسرعا ودخلت مكتب مدير مباحث أمن الدولة، بينما
الشرطي يجري ورائي يريد اللحاق بي لوضعي في الحجز عنوة، وقلت
لمدير المباحث إنه يدفع بي إلى الحجز؟، فرد أنه لم يطلب ذلك
من أحد، واستقر الأمر على أن أجلس على مقعد بالقرب من مكتبه
إلى أن استدعيت إلى مكتب آخر، وطال الانتظار، وعند الاستفسار
أبلغت بأن 'أمن الدولة' انتهى من إجراءاته وأخلى سبيلي.. أما
هذا الانتظار الطويل كان لحساب جهة أخرى.. هي 'هيئة الأمن
القومي'.. أي جهاز المخابرات العامة، فزاد استغرابي، خاصة أن
هذه الهيئة لها تقدير عند كثيرين، في داخل مصر وخارجها،
لدورها في مساعدة حركات التحرير العربية والافريقية
والآسيوية واللاتينية، وسألت نفسي لماذا تدخل هذه الهيئة
طرفا في شأن ليس من اختصاصها؟، ولماذا تشتبك مع قضايا
السياسة والرأي لكاتب أو صحافي أعزل، يرى من حقه المشروع
التعبير عن رفض 'عائلة مبارك' وطلب إبعادها عن الحكم، ولن
يحيد عن هذا، إلا بحلول أحد الأجلين.. أجل 'العائلة' وحكمها
أو أجله، وما عهدته وعهده غيري في هذا الجهاز أنه لا يدخل
طرفا في أمر رأي وفكر، ويحسب له أنه استوعب درس محاكمات
قادته الشهيرة بعد 1967.. لهذا أتوجه إلى رئيس المخابرات،
عمر سليمان، لتفسير ما حدث في مطار القاهرة منسوبا إلى جهاز
يتبعه مباشرة، والذي آمل أن يبقى بمنأى عما يحدث للكتاب
والصحافيين والمفكرين والمثقفين والأكاديميين والنشطاء من
ملاحقة وبطش، فما يجري لهم سجله التاريخ كوصمة في جبين
'عائلة مبارك'، وفي جبين وزارة الداخلية و'جهاز أمن
الدولة'.. ولا نريد لهذه العدوى أن تنتقل إلى جهاز وطني ما
زلنا نكن له الاحترام والتقدير.
وإلى أن يأتي رد رئيس المخابرات العامة نعود إلى 'نيرون
المصري'، فبعد أن جعل من مصر بلدا طاردا ومتوحشا على أبنائه
وأشقائه.. نجح في نشر الموت، فمن لا يموت حرقا، كما حدث في
قطار الصعيد ومسرح بني سويف.. يموت غرقا، كما كان وما زال
عليه الأمر مع عبارات البحر الأحمر، وقوارب الهجرة غير
الشرعية في البحر الأبيض، أو يموت جوعا أو طعنا أو إرهاقا
أمام مخبز أو في طابور للمعاشات، وتحصده الأمراض المتوطنة
وأهمها طاعون عصر 'عائلة مبارك'.. مرض الكبد الوبائي، وبعده
الفشل الكلوي ثم السرطان، وكلها استوطنت وترعرعت برعاية
رسمية وحكومية، فالنيل والترع والجداول المائية تحولت إلى
مجار للصرف الصحي ومرمى للفضلات ونفايات الحيوانات والمنازل،
وبدلا من أن تكون مصدر جمال وصحة استقرت مزارع وحضانات
للأوبئة والموت، وقد تفخر 'عائلة مبارك' بما أنجزت من قصور
وقلاع ومنتجعات وفنادق ومستوطنات، وهذا ليس مقياسا للتقدم..
التقدم يصنعه رقي المجتع، ومهارات أبنائه وقدراتهم، وارتفاع
مستوى معيشتهم، وما حجم ما يقدم لهم من خدمات، ودرجة الكفاية
والرفاهية المتحققة لهم، أما أن يتكرم حسني على الاغنياء
ويشح ويبخل على الفقراء ومحدودي الدخل، ويركز جهده على طردهم
وتهجيرهم من أحيائهم ومساكنهم، فهذا يدينه ويبرر الخروج
عليه، ولم يسجل عليه أنه رعى أي حملة للحد من الأمراض
والأوبئة القاتلة، أو لنشر النظافة وتطهير المجاري المائية..
مصدر الأمراض والأوبئة، وكل الشواهد تقول بأنه وعائلته سعداء
بهذا الوضع المزري للمواطنين ليتخلصوا من عبئهم بعد أن صبروا
على 'العائلة الحاكمة' أكثر من اللازم.
وأعلن في القاهرة يوم الأربعاء قبل الماضي (الثالث من كانون
الاول/ديسمبر) عما وصف بأنه خطة حكومية لإخلاء القاهرة من
العشوائيات والأحياء الفقيرة والتاريخية خلال السنوات
القادمة، ونشرته الصحف اليومية المستقلة.. وتتلخص الخطة التي
أعدتها وزارة الإسكان لنموذج القاهرة سنة 2020 ويبدأ تنفيذ
مرحلته الأولى في آذار/مارس القادم بإزالة مقابر القاهرة،
ومساحتها أكثر من مليوني وخمسمئة ألف متر مربع، فعين رجال
المال والأعمال كانت عليها من زمن، لموقعها المتميز.. والحل
هو التخلص من ساكنيها وإبعادهم عن منطقة شديدة الإغراء
للمستثمرين، ويشمل المخطط إزالة منطقة الدويقة، التي شهدت
مأساة انهيار جبل المقطم ودفن أغلب أهلها تحت أنقاضه، وعزبة
خير الله القريبة منها واسطبل عنتر، خلال مدة تقدر من خمس
إلى سبع سنوات، على نفس قاعدة التهجير لا التطوير، وبدلا من
الارتقاء بهذه المناطق ونقلها من حالتها العشوائية المتدنية
إلى حالة إنسانية وآدمية حقيقية، كان القرار بأن قيمة هذه
المناطق المالية والتجارية أعلى من قيمة ساكنيها وأهلها
الإنسانية والآدمية، ومثلهم لا يجد حلا إلا في التهجير
والطرد، مثلما تفعل الدولة الصهيونية تماما مع أشقائنا
الفلسطينيين.. وعلى الضفة الأخرى من النيل تقع منطقة بولاق
الدكرور بالجيزة.. وإزالة المناطق العشوائية وغير الآمنة بها
تعني إزالتها بالكامل، فهي تقع على مرمى حجر من الطريق إلى
قصور ومستوطنات الوزراء ورجال الأعمال وعدد من أعضاء أمانة
جمال مبارك.. المعروفة باسم لجنة السياسات، وبالقرب من
المحور المؤدي إلي طريق مصر الإسكندرية الصحراوي. ومن
المتوقع أن تمتد قريبا يد الاقتلاع والطرد إلى منطقة المطرية
في شرق القاهرة، بدعوى اكتشاف مدينة أثرية تحت ميدان المسلة
القريب منها. وبدأ العمل فعلا في المشروع المعروف بمشروع
تطوير شمال الجيزة، ويقوم على تهجير وطرد أعداد كبيرة من
أّهل هذه المنطقة، والسبب هو وجود أرض مطار امبابة في قلبها،
وهي صيد سمين استطاعت لجنة جمال مبارك افتراسه. وهذا ما يبقي
الملف مفتوحا في الأسبوع القادم.
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|