 |
|
 |
| |
هل من نهاية بعد لاستنزاف أصول وموارد مصر الطبيعية والبشرية؟
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
.......................
دخلت مصر مرحلة أكثر تعقيدا، ليس بسبب الأزمة الاقتصادية
المحلية والعالمية بل بسبب ما يجري فيها من استنزاف منظم
لأصولها ومواردها الطبيعية والبشرية.
ونتيجة مخاطر التعاون المشترك بين شركاء الثروة
والحكم مع الدولة الصهيونية. فبعد الاستيلاء على أراضي
الدولة وتبديد القطاع العام استداروا إلى ما في أيدي
المواطنين وفي حوزتهم.. واتجهوا نحو أحيائهم البسيطة
ومناطقهم القديمة وعشوائياتهم الفقيرة.. بذريعة 'التطوير'.
وكانت يدهم قد امتدت إلى غيرها.. إما بسعر بخس أو انتزعوها
على سبيل الهبة، وأحدث ما علمناه هو آخر ما حصل عليه هشام
طلعت مصطفى، الرجل الثالث في لجنة مبارك الإبن والمقرب جدا
إلى 'العائلة الحاكمة'، ويواجه المحاكمة بتهمة التحريض على
قتل المطربة اللبنانية المغمورة سوزان تميم.. حصل على 33
مليون متر مربع مجانا، ليقيم عليها مشروعه الإسكاني المسمى
'مدينتي'، ولم يكن وحده المحظوظ. فزملاؤه في الحكومة
والحزب.. كل حصل على نصيبه. فعضو لجنة السياسات وعضو مجلس
الشعب حصل في صفقة واحدة على أكثر من ستة ملايين متر مربع في
مرسى علم، وكان الثمن دولارا واحدا لكل متر مربع، وفي صفقة
أخرى حصل عضو في لجنة السياسات على واحد وعشرين مليون متر
مربع، وبنفس الطريقة حصل زميل آخر.. عضو بلجنة السياسات! على
أربعة وثلاثين مليون متر مربع غرب خليج السويس، واتهم مؤخرا
برشوة قاض للتهرب من الضرائب.
اختصرت جريدة 'الطريق' الأسبوعية المسافة بين القول
والحقيقة، ونشرت قائمة من تسعة أسماء فقط من شركاء الحكم
والثروة، وكان إجمالي آخر ما حصلوا عليه مساحة تقدر بواحد
وسبعين ألفا و360 فدانا.. وهي مساحة أقل قليلا من 300 مليون
متر مربع. وبلغت قيمتها السوقية 114 مليار جنيه، وتضم قائمة
التسعة اثنين مقربين لـ 'العائلة الحاكمة'. كان نصيب أحدهما
أربعة وثلاثين ألف فدان.. أي 143 مليون متر مربع، ونصيب
الثاني ألفين ومئتين وخمسين فدانا. أي 9 ملايين و450 ألف متر
مربع، وهذه المساحة الأقل ذات قيمة عالية لموقعها في أغلى
منطقة بضاحية الشيخ زايد، القريبة من القاهرة، وأعطت الصحيفة
تفسيرا للحملة الجارية لاستعادة أراض 'مغتصبة' وأخرى لم
تستخدم في الغرض المحدد لها، وتقع على طريق القاهرة
الإسكندرية الصحراوي.. قالت بأنها استهدفت انتزاعها ونقل
ملكيتها إلى هذين الشخصين. وتضيع حقوق من اشتروا هذه الأراضي
وبنوا عليها المساكن والمنشآت. وامتدت الصفقات إلى المقربين
من الصحافيين والكتاب.. فرئيس مجلس إدارة مؤسسة صحافية كبرى
حصل على أكثر من ستة ملايين متر مربع.. باعها بالمليارات،
وهذه العينة تمثل قمة جبل الثلج العائم.. أخفت تحتها قائمة
طويلة من شركاء الحكم والثروة.. مسؤولين حزبيين وحكوميين..
يتربصون بالمناطق والأحياء السكنية الفقيرة والقديمة
والعشوائية.. بدأوا الزحف عليها، في الوقت الذي يعلمون فيه
أن الملايين لا تجد مأوى لها، لا فوق الأرض ولا في باطنها!
وليست المناطق التاريخية والقديمة.. بولاق أبو العلا وأحياء
الساحل وروض الفرج والفسطاط.. ليست استثناء. يتم الاستيلاء
عليها قطعة قطعة، فما أخذ من رملة بولاق ارتفعت عليه
الأبراج، ولحقتها أبراج المراكز التجارية والفنادق على مشارف
الساحل وروض الفرج، ولا حساب لسكانها الأحياء.. وحين تستعصي
مساحة أو منطقة على هؤلاء، لصدور قرارات وأحكام قضائية
لحماية المناطق الأثرية أو الحفاظ على المحميات الطبيعية،
تتغير اللغة، ويبدأ الحديث عن أهمية تحويلها إلى متنزهات
وحدائق عامة، وبمجرد نقل ملكيتها إلى هيئة المجتمعات
العمرانية.. التابعة لزميلهم رجل الأعمال ووزير الإسكان
ينقضون عليها وتتحول إلى غابات من الأسمنت المسلح، في مدينة
شديدة الازدحام، تحتاج إلى أكثر من رئة ومن مساحة خضراء
تتنفس منها، وأصبحت القاهرة.. التي كانت واحدة من أجمل مدن
العرب والشرق.. المدينة الأكثر ازدحاما وفوضى وتلوثا..
والحدائق العامة القائمة بالفعل معرضة للسطو، فمن التربص
بحديقة الحيوان بالقاهرة إلى حديقة الإسكندرية، التي بيعت
وحلت محلها مشروعات استثمارية ومجمعات تجارية.. وامتدت
الصفقات والسمسرة إلى الجامعات، وهذا يعيد إلى الذهن مشروع
بيع مباني جامعة الاسكندرية وهدم مستشفى الشاطبي أكبر
مستشفياتها، وتم الزحف على جامعة حلوان هي الأخرى، وتحولت
بعض قاعات الدرس فيها إلى معارض للأزياء والعطور، والتعامل
بهذا المنطق مع الصروح الأكاديمية والطبية يؤكد ما نكرره
مرارا عن الأمية الغالبة على شركاء الحكم والثروة... أمية
ثقافية وسياسية وتاريخية.. لا تمحوها الدرجات العلمية ولا
الشهادات الدراسية.. ثقافتهم لا تتعدى 'ثقافة' المال
والسمسرة والسطو على حقوق وممتلكات المواطنين.. وقد صدر يوم
الثلاثاء الماضي حكم القضاء الإداري بوقف قرار بيع الجامعة و
نقل مقرها من وسط مدينة الإسكندرية إلى قرية أبيس!!
ومن المعروف عن من هم في قمة السلطة والمسؤولية أنهم يستدعون
أصحاب المشروعات الكبرى، ويضعونهم أمام أحد خيارين: التنازل
عن نصف المشروع، أو الموافقة على دفع 'إتاوة' شهرية تعادل
عشرة في المئة من إجمالي العائد، والقبول بالخيار الأول
يترجم لإجراءات قانونية تؤكد الملكية المشتركة، ومن يقبل
الخيار الثاني عليه إيداع 'الإتاوة' الشهرية في حساب مصرفي
لجمعية أهلية يديرها المسؤول المعني، وهي بدورها تتكفل
بإخراج الأموال من مصر!! وآخر ما عندنا هو قيام شركاء الثروة
والحكم بإعداد قوائم بأسماء موتى تباع لهم صكوك الخصخصة
الجديدة، ثم يبيعونها لأنفسهم!! ولا يتورع من استولوا على
حصيلة التأمينات الاجتماعية عن فعل ذلك، وفضيحة التأمينات
كشفها كهل في الثمانين من عمره.. هو النقابي شكري عازر، أول
من كشف الغطاء عن الذين استولوا على 300 مليار جنيه من
ودائعها، وخاض حربا ضروسا نبهت الرأي العام إلى الكارثة التي
حطت على رأس المواطنين المحالين إلى التقاعد، ونتجت عن تبديد
هذه المبالغ في تسديد عجز الميزانية وتعويض تراجع موارد
الدولة، وقد كرمت حركة 'مصريون ضد الفساد' شكري عازر ومنحته
جائزتها الأولى، وجوائز أخرى كانت من نصيب كريمة سرحان..
موظفة شهر عقاري تحدت تهديدات أمن الدولة بالاسكندرية،
واعتمدت توكيلات مرشحي الإخوان المسلمين في الانتخابات
الماضية، ومنحت الجائزة كذلك لأهالي قرية في أقصى الصعيد..
قاوموا شركاء الحكم والثروة ومنعوهم من الاستيلاء علي
أراضيهم، ولم يمكنوهم من طردهم منها لإقامة فنادق وشاليهات
عليها.
ولا يقف المواطنون مكتوفي الأيدي، وقد اتخذت تحركاتهم أكثر
من وسيلة.. الإضراب والعصيان والوقفات الاحتجاجية ومقاضاة
المسؤولين المنحرفين في المحاكم. وصدرت عدة أحكام أعطت
المشروعية السياسية والقانونية لهذه التحركات.. ونذكر هذا
وفي اعتبارنا أن الحكومة لا تقيم وزنا لأحكام القضاء ولا
للاحتجاجات، ولا لمن يقدم مشروعات للتخفيف أو للتطوير
الحقيقي.. ومنذ سنوات قدم عالم الجيولوجيا المصري القدير
رشدي سعيد مشروعا لتطوير مصر بكاملها، وجعل له عنوانا هو
'مصر المستقبل'، ونشرته سلسلة كتب 'دار الهلال' في أذار
(مارس) 2004، ويسعى المشروع إلى فك مصر لحصارها عن نفسها،
ونشر سكانها على كامل مساحتها، بدلا من الازدحام في الوادي
الضيق والدلتا، معتمدا على استغلال موارد مصر الطبيعية.. من
مياه وطاقة وصحراء وبشر وخبرة ويد عاملة، الاستغلال الأمثل..
ولأن هذا المشروع يقوم على العلم ويحتاج جهد العلماء
والخبراء والوطنيين ذوي الكفاءة.. لم ير النور، وليس رشدي
سعيد هو الذي يطرح هكذا مشروعات ويتبناها.. هناك غيره..
أخيرهم وليس آخرهم المهندس الاستشاري، ممدوح حمزة، الذي تقدم
بمشروع تطوير حقيقي لأرض مطار امبابة.. في محاولة منه لمنع
وقوعها في أيدي السماسرة، وسبق له أن اقترح تطوير الريف وكان
عداء وزير الإسكان السابق له مستحكما بسبب جدية هذا
الاقتراح.
وليسمح لي أستاذ الهندسة المرموق أن أبدي ملاحظة على
مشروعه.. فمعرفتي الوثيقة به وثقتي في وطنيته وحسه
الاجتماعي، يشجعني على إبداء الملاحظة.. فمشروعه بدا وكأنه
لحل مشاكل المناطق الغنية والراقية ويغفل المنطقة المحيطة
بمطار امبابة، وقد خرجت بانطباع من الاطلاع على المشروع أنه
يهدف إلى التخفيف عن مناطق الزمالك والعجوزة والدقي
والمهندسين.. بسبب ما فيها من مبان إدارية ومدارس.. تشغل
قصورا وفيللات بعضها أثرى، مع أن الأولوية، في هذه المرحلة،
يجب أن تعطى للتخفيف عن المناطق العشوائية المكدسة بالسكان
والمحرومة من الخدمات!! من هنا ركز على إمكانية ترميم مبان
الأحياء الراقية والغنية وتحويلها إلى متاحف ومكتبات وبيع
أراضيها، و إعادة معنى كلمة ' منطقة سكنية ' إلى مدلولها
الأول بعد أن فقدت تلك المناطق الكثير من معاني السكن ، حسب
نص ما ورد في المشروع. و هدفه هو أن يتمتع أبناء المصريين من
الطلاب بفرص دراسة بمدارس على أعلى مستوى، واستخدام تلك
المدارس فى المساء للتعليم الحر للكبار.. راغبي تعلم الطهي
واللغات والكمبيوتر والمهارات الأخرى . بدا مشروعه متجاهلا
السكان المحرومين من أبسط إمكانيات الحياة الآدمية.
ألا يرى معي أن الأثرياء يكفيهم، في هذه المرحلة، ما حصلوا عليه، وكثير منه
غير مشروع ودون وجه حق قانوني أو أخلاقي.. وقد تبادلت الرأي
معه في زيارتي الأخيرة للقاهرة حول محاولة من جانبي لتأسيس
عمل أهلي وخيري.. يرفع مستوى الأداء المهني والحرفي للفقراء
والعاطلين في المنطقة القريبة من مطار امبابة، وكان معه أحد
أساتذة كلية الهندسة.. وبينما تحمس هو للفكرة كان رأي زميله
أن الجامعة هي المنوط بها هذا الدور، وتوقف الحديث عند هذا
الحد على أن يستأنف مرة أخرى.
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|