مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 مبادرة 'إسراطين': هل تقدر على معاندة الجغرافيا وعداء التاريخ؟
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
..............................


من توابع محرقة غزة أنها أعادت طرح أفكار ومبادرات ومشروعات لتسوية الصراع العربي الصهيوني.. ومنها ما سبق طرحه، وما يوصف بالجديد ليس فيه من الجدة إلا التوصيف.. وهذا ما يحكم نظرتنا إلى فكرة دولة 'إسراطين'. المطروحة من قبل الزعيم الليبي معمر القذافي في السنوات الأخيرة..
ومع ما في الكتابة'عن أي فكرة تصدر عن القيادة الليبية من إشكاليات كثيرا ما تفتح أبوابا لسوء الفهم. هناك من يؤثر السلامة ويرى أنه في غنى عن الدخول إلى هذا المعترك.. الفكرة مثيرة للجدل، وهذه سمة طبعت أفكار الزعيم الليبي منذ أن ظهر على مسرح السياسة العربية، لمدة قاربت الأربعين عاما. وكثيرا ما وصف مؤيدو هذه الأفكار بأنها آخر ما توصل إليه الفكر الإنساني، أو أنها خلاصة الفكر البشري!!. بمعنى أنها ليست اجتهادا يخضع للصواب والخطأ. وفي مثل هذا الوضع تصبح هذه الأفكار غير قابلة للنقاش أو النقد.

وأمام الراغب في التعامل معها أن يسلم بها أو يتحلى بفضيلة الصمت المطبق أو يبتعد وينسحب في هدوء. وأذكر أن الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، حين تابع جهدا مكثفا في سبعينات القرن الماضي من أجل صياغة ما عرف بعد ذلك بـ'النظرية العالمية الثالثة' رأى إمكانية توفير هذا الجهد وتوجيهه وجهة أخرى. فقد سبقته جهود من رواد التحرر والاستقلال الوطني والقومي وبلوروا ما عرف بـ'الطريق الثالث'، والذي على أساسه شقت الحركات والثورات والدول المناهضة للاستعمار والامبريالية، التي لم تكن منضوية تحت لواء الحركة الشيوعية.. في خمسينات وستينات القرن الماضي. شقت طريقها وتمكنت من تحرير كثير من دول وشعوب العالم وحققت لها الاستقلال.. ويبدو أن هيكل بنى رأيه على قاعدة معروفة تقول بأن المجدد هو من يبدأ من حيث انتهى أسلافه.. وقتها قال قولا، أْعتقد أن الذاكرة لن تخونني إذا ما ذكرته وهو: 'إذا كان غيرنا قد اخترع الكهرباء فلماذا نعيد اختراعها من جديد' ومن وقتها صار الكاتب الكبير من غير المرغوب فيهم في الأوساط الرسمية وغير الرسمية الليبية.

وحين تسكت المدافع وتنحسر النيران وتتوقف آلة القتل تعلن حروب من نوع آخر.. هي حروب الأُفكار والعقائد والأيديولوجيات، ومن خلالها أطلت أفكار ومشروعات برأسها من جديد، كفكرة 'إسراطين'، وكانت قد بدأت إرهاصاتها في السنوات الأخيرة.. وتبعها صدور 'الكتاب الأبيض' شارحا لها ومفسرا، وكان موجها إلى الرأي العام الفلسطيني والعربي. وجاءت المحرقة لتدفع بالفكرة إلى الأفق الأمريكي والغربي.. واختيرت صحيفة 'نيويورك تايمز' في الثالث والعشرين من هذا الشهر لتنفذ منها إلى الرأي العام هناك. ونشر عنها معمر القذافي مقالا بقلمه.. واتخاذ هذه الخطوة المتقدمة من قبل الزعيم الليبي تستوجب إعادة الطرح على الرأي العام العربي.. على قاعدة 'الأقربون أولى بالمعروف'.. وقد تكون هذ محاولة لتخطي تقليد متفش بين ملوك ورؤساء وأمراء وشيوخ العرب.. معتدليهم وممانعيهم.. تقليد دأب على أمركة وتدويل وصهينة المشاكل المحلية والقومية والإقليمية، في إعلان صريح عن أن هذه المنطقة لا تملك من أمر نفسها شيئا!!. لهذا غابت المشروعات العربية أو الإقليمية.'وتم الاكتفاء بإعادة انتاج وصياغة صيغ أمريكية وأوروبية تتبنى الحل الصهيوني للمشكلة الفلسطينية والقضايا ذات الصلة.

وفكرة 'إسراطين' تقوم على لاجدوى حل الدولتين.. الصهيونية وفيها يتحول المستوطن اليهودي إلى مواطن 'إسراطيني'، والفلسطينية المفترض أن تقام على ما تبقى من أرض فلسطين.. وهي في حدود 18'. والفكرة في جوهرها بدت تجديدا لما كان يعرف في أدبيات 'فتح' ومنظمة التحرير، فيما بعد، بالدولة الديمقراطية العلمانية، التي تجمع العرب واليهود معا.. دولة مكونة من عنصرين.. عرب ويهود. وتحكمها ثقافتان.. عربية إسلامية وأخرى توراتية صهيونية. وبها ثلاثة أديان.. إسلام ومسيحية ويهودية.. وتلك الفكرة نبتت في رعاية حركة التحرير الوطني الفلسطينية 'فتح'، وبدأت تشق طريقها حثيثا بعد حرب 1967، واستمرت حاضرة حتى انتهاء الحرب الباردة واستقرار نهج التفاوض المباشر بديلا عن المقاومة.. وهنا بدأ الحديث عن مشروع الدولتين، الذي لم ير النور بعد، ومن المتوقع ألا يراه، لأن الاستيطان وبناء دولة نازية ومجتمع تمييز عنصري يقوم على الإبادة والتطهير العرقي والتهجير للقضاء على السكان الأصليين.. كل هذا لا يسمح بذلك.. أمريكا نفسها صنعتها الإبادة والتطهير العرقي.. وبعد أن أضحت أقوى دولة في العالم لم تفكر يوما في رد الاعتبار لأصحاب الأرض من الهنود الحمر!

ويبدو أن فكرة 'إسراطين' أغرت'كاتبا مثل 'توماس فريدمان'، المقرب من البيت الأبيض، فبعد ثمان وأربعين ساعة من نشر مقال القذافي كتب في نفس الصحيفة عن صعوبة حل الدولتين، وأورد أسبابا تكاد تتطابق مع ما جاء في مقال 'إسراطين'.

المهم أن ما جاء في مقال القائد الليبي انطلق مما أسماه الأهمية البالغة للتوصل إلى 'حل نهائي' لما يسمى بأزمة الشرق الأوسط. وإيقاف دورة التدمير والظلم، وحرمان المتطرفين الدينيين في المنطقة.. 'الذين يتغذون على الصراع لتقديم قضاياهم'.. وقال بأن التوصل إلى سلام كامل كامن في تاريخ شعب هذه الأرض المتنازع عليها (يقصد اليهود والعرب).. وأشار إلى أن حالة الحرب لم تكن موجودة على الدوام بين اليهود والفلسطينيين.. وأن اليهود والمسلمين أبناء عمومة منحدرون من نسل إبراهيم، (ملاحظة: الصفة تنطبق على العرب وليس المسلمين) وأحيانا كانوا يلوذون ببعضهم البعض في أوقات الاضطهاد، وحمى العرب اليهود من اضطهاد الرومان وبعد طردهم من أسبانيا في العصور الوسطى، وأن 'الكيان الصهيوني/ فلسطين' دولة يسكنها أناس مختلفون، والأمر يصبح معقدا عندما يدعي أي فريق أنه صاحب الحق في الأرض!!

وورد في المقال أن أساس دولة إسرائيل الحديثة هو اضطهاد الشعب اليهودي، وهو يريد أرضه، وأنه يستحق ذلك (!!). في الوقت الذي حصر الفلسطينيين في سكان المدن الساحلية.. حيفا ويافا ومدن أخرى 'يعتبرونها أرض أجدادهم الأوائل. تناقلتها الأجيال حتى وقت قريب'(!!) والفلسطينيون يرون الدولة الصهيونية جزءا من وطنهم، في الوقت الذي يعتقد فيه مستوطنو الدولة الصهيونية، من وجهة النظر هذه أن الضفة وغزة جزءان من وطنهم، ويرون في حل الدولتين تهديدا أمنيا غير مقبول منهم. والدولة الفلسطينية - إذا ما قامت - لن تحل مشكلة اللاجئين، والحل هو إقامة 'إسراطين'.

وورد في المقال أن الدافع لفرار الفلسطينيين من أرضهم عام 1948 لم يكن تعرضهم للعنف، وعزاه إلى الشائعات، وقال ان 'اليهود لم يطردوا الفلسطينيين بالقوة. ولم يكن الفلسطينيون أبدا غير مرحب بهم'، وأن الامتزاج قائم بالفعل على شكل وجود ما يزيد على مليون عربي مسلم يحملون الجنسية الإسرائيلية، ووجود مستوطنات صهيونية في الضفة الغربية. واعتماد المصانع الإسرائيلية على العمالة الفلسطينية، وتبادل السلع والخدمات.

ووُصِف ذلك الامتزاج بالناجح،'ويصلح نموذجا لـ'إسراطين'.. وانتهى إلى تزكية الاعتماد المتبادل الراهن، والتأكيد على حقيقة التعايش اليهودي الفلسطيني التاريخية بعيدا عن أعمال العنف وشهوة الانتقام، مما يجعلهم يتطلعون إلى العيش تحت سقف واحد. إنه الخيار الوحيد لتحقيق سلام دائم! ومن السهل على أي كاتب أو محلل أن يصف الفكرة بعدم الواقعية وانها تجنح نحو الخيال.

وهذه أحكام لا تتناسب مع صاحب الفكرة.. إنه مخضرم ومتمرس.. عمل'على أكثر من صعيد فكري وأيديولوجي.. قومي عربي ناصري.. ثائر عالمي.. يساري إسلامي.. إفريقي تحرري.. ليبي قبلي. بما يسمح بالتعامل مع الفكرة بصورة جدية، والتوقف أمام منطلقات بعينها احتوت عليها، ونبدأ بوصفها للكيان الصهيوني وفلسطين بدولة يسكنها أناس مختلفون. وفق منطق يساوي مستوطنا اغتصب أرضا عنوة وبالقوة.. يساويه بفلسطيني فقد وطنه تحت وطأة الإبادة والتطهير العرقي والتهجير. وفي هذا، من وجهة نظرنا عناد مع الجغرافيا وصدام مع التاريخ، وفيه تجاوز لما استقرت عليه التجربة الإنسانية، وقفز على قيم ومثل عليا أستقرت أساسا لبناء المجتمعات والأمم. وهنا لا أعني القيم العربية والتراث الإسلامي فحسب بل أعني القيم الإنسانية والتراث البشري، منذ بدء وجود الإنسان على الأرض.

وقيام كيانات على الاستيطان والاغتصاب والتطهير العرقي والتهجير، وآخر هذه الكيانات هو الكيان الصهيوني ومساواته بفلسطين.. على الرغم مما جرى وحدث.. يتناقض مع قيم ومثل ينادي بها معمر القذافي، وبنى على أساسها نظرته لنفسه.. كامتداد لمجاهدين ليبيين عظام، ولنتصور معا أن المجاهد الشهيد عمر المختار تبنى فكرة كهذه في مواجهته للمستوطنين الإيطاليين، هل كان من الممكن أن يرى الحل في الجمع بين الليبيين والفاشست الإيطاليين تحت مسمى 'ليبطاليا' مثلا؟. هل كانوا يقنعون بذلك ويتخلون طوعا عن استيطانهم وفاشيتهم ويتوقفون عن'إبادة الليبيين؟
نفس الشيء يمكن قياسه على الجزائر مع الاستيطان الفرنسي، الذي جعل منها جزءا من 'فرنسا ما وراء البحار' ولنسأل الزعيم التاريخي للثورة الجزائرية، أحمد بن بيلا، أطال الله عمره، وهل لو كان الثوار قد صاغوا اسما مركبا من الجزائر وفرنسا وليكن 'جزارنسا' هل كان في ذلك تحرير لذلك البلد العربي المجاهد من الاستيطان الفرنسي؟ ولو سألنا الزعيم الافريقي العظيم نيلسون مانديلا هل كان الحل في إقامة علاقة بين المستوطنين البيض والمستعبَدين السود والملونين دون تحطيم نظام التمييز العنصري، الذي فرض نفسه على المستوطنين البيض؟ وحين قبلوا بذلك استقر هذا الخيار وجرت المصالحة. لو قامت فكرة 'إسراطين' على مثل هذا التصور لاتخذ حديثنا منحى آخر.

فكرة 'إسراطين' سلمت بالاستيطان وكافأته لمجرد أنه أصبح أمرا واقعا.. وهذا تحول يتناقض مع ما نادى به صاحب الفكرة نفسه وعمل'من أجله،
 

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................