مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 سجن مجدي حسين لأنه لم يستخدم معبر رفح المغلق!
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
...........................

   

مجدي حسين

   
     
   

أحمد حسين

   

صدر الحكم العسكري بسجن مجدي أحمد حسين سنتين مع الشغل وغرامة عشرين ألف جنيه.. ولن نتوقف كثيرا أمام المحكمة التي أصدرت الحكم.. هل هي عسكرية أو مدنية؟.. فقد تشابه علينا البقر كما يقول المثل.. ضاعت الفروق بين القضاء المدني والعسكري. ودليلنا مصيبة حكم المحكمة الإدارية العليا، التي ألغت أحكاما تمنع تصدير الغاز للدولة الصهيونية، وتحرر الجامعات من الوجود الأمني والبوليسي، وتسمح بتقديم المساعدات والعون لأهل غزة.. والمحنة التي تواجه القضاة المصري، بعد الذي عرف عنه من شموخ وشرف وكبرياء وقدرة على إحقاق الحق. صنعتها سلطات مطلقة لرأس الحكم، وفاقم منها توغل الأمن والشرطة في كل المجالات، فتم شراء ولاء البعض ورشوة البعض الآخر.. والطريق معروف.. الندب للعمل في رئاسة الجمهورية والوزارات والإدارات العليا، مقابل أجور مجزية ومكافآت شديدة الإغراء، وتحويل الأمين العام لحزب العمل المجمد مجدي أحمد حسين إلى محكمة عسكرية وصدور هذا الحكم القاسي.. هذا الإجراء يدخل في باب محنة العدالة المصرية. ويأتي ضمن توابع محرقة غزة.. والمحنة في حقيقتها مزدوجة، حيث وضعت النظام القانوني برمته في مواجهة المواطن وفي اتجاه معاكس لإرادة الشعب، ولذا جاء الحكم رسالة واضحة إلى المصريين، وإلى من يهمه الأمر من الوطنيين والأحرار والمؤيدين للحق الفلسطيني في التحرير والعودة. يعلن فيها حسني مبارك الانحياز المطلق للدولة الصهيونية.. كأمر مفروغ منه.. لا جدال فيه ولا تراجع. وأشير هنا إلى أن هذا الحكم فرض نفسه علينا هذا الاسبوع، وترتب عليه تأجيل الوفاء بوعد قطعته بفتح ملف المساعدات العربية لمصر.. في مواجهة الحملات المسعورة ضد العرب من قبل رأس النظام وأجهزة الإعلام والصحافة التابعة له.

لم تكن هذه الرسالة الوحيدة صحبتها رسالة أخرى تعلن استئناف تصفية الحسابات مع القوى الرافضة للنهج الحالي وسياساته. وأن فرصة الانتقام والتأديب قد حانت.. ومجدي حسين احد أكثر الخصوم سفورا وصلابة في موقفه.. لا يزحزحه اضطهاد.. ولا تثنيه ملاحقة.. ولا يغريه منصب.. ولا يشتريه مال. وهو الرافض لحسني مبارك.. شخصا ورمزا.. يرى في مبارك الشخص العناد والتهافت وعدم الرحمة، ويرى الرمز مثبطا للهمم، ومعاديا للوطن، وناشرا للهوان. وحاميا للفساد، ومدافعا عن المفسدين.. وقد اصطفاه الغرب مؤخرا مكافأة له على ما صنع بأهل غزة.. وتوظيفا له في التخفيف من المأزق الذي يواجه المشروع الصهيوني وأنصاره في معسكر 'الاعتدال العربي' ومروره بمرحلة حاسمة قد تحول دون اكتماله.. بعد أن اختفت الكيانات العنصرية تباعا، ولم يتبق منها غير الدولة الصهيونية.. موصومة ومدموغة بطبيعتها العنصرية غير الإنسانية!! ويسعى الغرب إلى التغلب على هذه التطورات بتخفيف الضغط على حسني مبارك وضمان بقائه في الحكم لأطول فترة ممكنة، وجعلوا منه الركيزة الأهم في معركة التصدي للمخاطر التي تحيق بالمشروع الصهيوني. ُمنح الدعم الكامل، وأوكلت إليه مهمة 'المحرقة السياسية'.. المكملة للمحرقة العسكرية، وتقوم على تصفية المقاومة سياسيا وشعبيا ونزع سلاحها عسكريا، وتكليفه وحده ليكون أداة الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والدولة الصهيونية لانجاز 'المحرقة السياسية'. وفي المقابل تمت الاستجابة لطلبه بألا يضغط عليه البيت الأبيض بالمعونة، وألا يقف الغرب عقبة أمام مشروع التوريث، وهو في مراحله الأخيرة. وقد استقر لديه أن اللعب في فريق الدولة الصهيونية يغري الغرب في عصره الصهيوني الراهن، ويريحه في سعيه التوسعي الجديد.. تولت فرنسا مهمة الغواية.. وضمنت بذلك الرصيد الرسمي المصري لصالحها، واستغلت قدرة الإدارة المصرية الفائقة في بذر الشقاق والفتنة بين المصريين وبين العرب.. وهي قدرة يحتاجها الغرب لضمان استقرار وجوده في المنطقة، وتمكنه من كبح جماح قوى إقليمية صاعدة مثل إيران!!
أما الرسالة الأهم هي تأكيد حصوله على الغطاء اللازم في مواجهة أي ضغوط تنشأ عن مشاركته في محرقة غزة وعن موقفه الصارم من رفض فتح معبر رفح.

من هنا تستمد ظاهرة مجدي أحمد حسين وأمثاله قيمتها الكبرى في وقت تتصاعد فيه المقاومة الداخلية ضد نظام مبارك. وعلاقة الصداقة والمودة التي تربطني بالرجل تسمح لي بالإدلاء بشهادتي عنه. وأشهد أنه كان صاحب الفضل فيها. فما أن علم بوجودي في القاهرة منذ سنوات حتى بادر بزيارتي، ومن يومها توطدت العلاقة وتمكنت من التعرف عليه عن قرب، وأستطيع القول بأن الإنسان قد يختلف معه في منطلقاته وآرائه، إلا أن الشيء الذي لا يمكن الاختلاف عليه هو تلك الصلابة الهادئة التي يتحلى بها.. هادئ ينساب مثل مياه نهر عذب، وصلب صلابة الفولاذ.. ورقيق مثل نسمة في يوم قائظ، وقوي قوة طود شامخ.. من يلقاه للمرة الأولى يتصوره على غير هذه الهيئة، وكثيرا ما دعاني لإلقاء محاضرة أو مشاركا في حوار أو حضور لقاء، في شقة متواضعة في حي المنيل القاهري.. تبدو الشيء الباقي من حزب العمل المجمد.. يشغلها مركز الدراسات السياسية، وهو ملتقى للرموز وأصحاب القامات العالية..
مفكرين وسياسيين وأكاديميين وخبراء وإعلاميين وصحافيين.. من يذهب إليه يلتقي بهؤلاء.. ومع حفظ الألقاب.. عبد الجليل مصطفى.. محمد شرف.. يحيى القزاز.. مجدي قرقر.. محفوظ عزام.. جورج اسحق.. عبد الحميد بركات.. محمد السخاوي.. أحمد شرف (أحد قادة الحزب الشيوعي المصري، ولم أكن قد رأيته منذ ما يزيد على ثلاثين عاما).. محمد سيف الدولة.. عبد الحليم قنديل.. عبد العال الباقوري.. أبو العلا ماضي، وغيرهم من أجيال الشباب والطلاب. ولو استمر العد ما بقيت مساحة.. وذكر الأسماء يساعد في التعرف على شخصيته ونهجه ولغته الجامعة.. أغلب هؤلاء من غير المحسوبين على الإسلام السياسي الذي ينتمي إليه مجدي حسين. إنهم كل ألوان الطيف السياسي والاجتماعي والفكري والديني.. يمينا ويسارا ووسطا.. مسلمين ومسيحيين.

وإن كنا في 'القدس العربي' نعتز بأننا أول من فتح ملف التوريث في مصر من عشر سنوات.. يوم أن كان الحديث عنه أكثر غرابة ولا معقولية واستبعادا.. وثبتت صحته وأقر به من لم يكن يتصوره أو يخطر له على بال، إذا كنا كذلك فإن جريدة 'الشعب' التي رأس تحريرها مجدي حسين كانت أول من طالب بعزل حسني مبارك، وجمعت التوقيعات المطالبة بذلك، وكشفت بشكل عملي حجم الرفض الكامن في اللاشعور المصري لنظام حكمه، واستمر في المقاومة بعد إغلاق الصحيفة. فبادر وأعد عريضة اتهام قانونية وجنائية، وعلى أساسها طالب بمحاكمة حسني مبارك، وهذا مكمن الخطورة التي يراها النظام فيه.. ووزنه استمده من جرأته وفدائيته وتواصله مع الناس وعدم المساومة على موقف الدعوة لتغيير الحكم. وهو من النماذج الكاشفة للتدليس الحكومي، والقادرة على تعرية ادعاءات رجال الأمن وأبواق الإعلام وأقلام الفتنة في وصفها لعصر مبارك بأنه لم يشهد إغلاقا لصحيفة أو قصفا لقلم. وبعد قرار إغلاق مجلة 'الموقف العربي' وصحيفة 'صوت العرب' العروبيتين، وكسر أقلام العديد من الكتاب في الثمانينات.. أغلقت صحيفة 'الشعب'، مع بداية الألفية الجديدة، لتؤكد استمرار نهج المصادرة وقصف الأقلام. ومنذئذ لجأ الرجل إلى الشارع.. يتعامل مع الناس بشكل مباشر.. إذا تظاهروا كان في أول الصفوف، وإذا اعتصموا كان في المقدمة، وإذا أعلنوا العصيان كان على مستوى المسؤولية.. واستمرار المطاردة والملاحقة لم ينل من صلابته ولا أوهن عزيمته.

واستطيع القول بأن الحياة في عصر مبارك لديه سيان.. تتساوى داخل السجن وخارجه، بعد أن تحول الوطن إلى سجن كبير، ويرى في ظل وضع كهذا أن السجن الصغير قد يكون أخف وطأة، ومن جعلوا الوطن سجنا هم الذين صاغوا حيثيات الحكم الصادر ضد مجدي حسين، وقالوا ان عقابه جاء جزاء لسلوك الطريق غير الشرعي في الدخول إلى غزة.. وكأن الطريق الشرعي كان متاحا وقائما، وحين خير مجدي حسين اختار الطريق الآخر، فاستحق السجن والغرامة!!، وهذا الحكم تقليد لما كانت تصدره سلطات الاستيطان الصهيوني في الماضي ضد الفدائيين، الذين يدخلون غزة. وأطلقت عليهم وقتها 'المتسللين' أو المخربين.. يصدر الحكم العسكري ضد 'متسللين' منعوا من العبور من معبر لا يعبره أحد لأنه مغلق!! و'التسلل' في هذه الحالة عمل مشروع في العرف الوطني والإنساني ومقتضيات الضرورة.. يرفع من قدر صاحبه ويعلي من شأنه، ويحط من قدر من يمالئ العدو، ويفرض الحصار على المصريين والفلسطينيين، ويمنعهم من التواصل فيما بينهم، وغزة تتعرض للقصف والحصار وتواجه أكبر محرقة شهدها القرن الواحد والعشرين.. لو كانت مصر هي التي تعرضت لهكذا محرقة هل كان فيها من يقبل ما فعله مبارك بأهل غزة؟

الأحكام العسكرية التي صدرت لم تكن قاصرة على مجدي أحمد حسين.. طالت آخرين: منهم المدون أحمد سعد دومة، طالب من الفيوم، وأحمد كمال عبد العال طالب من سوهاج.. أصدرت ضدهما نفس المحكمة حكما بالسجن سنة وغرامة 2000 جنيه لكل منهما، جزاء لهما على الوصول إلى غزة للانضمام إلى صفوف المقاومة.. هذه الأوضاع الشاذة نتاج طبيعي لحلف الشيطان الذي يجمع حكام القاهرة وتل أبيب. ونرجح أن مجدي حسين سيقضي مدة العقوبة الباطلة كاملة، ويخرج بعدها مرفوع الرأس، ولا يتوقع منه أن يقدم التماسا أو استرحاما. طمعا في عفو حسني مبارك، لأنه يعلم أن مثل هذا الطلب يعني إقرارا بتجريم الفعل الوطني والإنساني الذي مارسه، والذي سيبقى وساما على صدره، وقد سبق لغيره رفض هذا السلوك.. محمد فائق وزير الإعلام الأسبق.. فريد عبد الكريم الزعيم السياسي الراحل.. علي صبري النائب الراحل لرئيس الجمهورية.. وسامي شرف الوزير الأسبق وسكرتير الرئيس عبد الناصر.. خرجوا جميعا من السجن بعد رحيل السادات بكل شموخ وعزة.. لم تؤد بهم عذابات السجن إلى إحناء الرأس أو توسل العفو ممن نكل بهم وظلمهم. وكان آخر هؤلاء الفريق سعد الدين الشاذلي، بطل العبور، الذي قضى مدة العقوبة التي حكم بها حسني مبارك عليه كاملة، ورفض طلب العفو، وبقي شامخا، ومن أمر بسجنه لا يعرف لنفسه مقرا ولا مستقرا، فقد أذل الحرص أعناق الرجال، ولن يكون مجدي أحمد حسين أقل كبرياء من كل هؤلاء.
 

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................