 |
|
 |
| |
لو قامت محكمة العدل العربية لكان الموقف من السودان مختلفا!
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
.......................
ظاهرة إنقسام الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي واضحة
فيما يتعلق بقرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن محاكمة
الرئيس السوداني عمر البشير.. ولن نتوقف كثيرا أمام الجوانب
القانونية ولا أمام تأثير عدم توقيع السودان على اتفاقية
إنشاء المحكمة، ولا الفرق بين هذه المحكمة ومحكمة العدل
الدولية، فكل هذه الجوانب قتلت بحثا من المختصين وغير
المختصين، وهدفنا هو التركيز على نقطتين أساسيتين، إحداهما
لها علاقة بالخلط بين رأس الدولة السودانية والسودان،
والثانية تتعلق بإشكالية الاستقلال الوطني في ظل الاستبداد
السياسي. وللبشير أخطاء وخطايا مثله مثل باقي حكام العرب.
ولا يجب أن يعاقب السودان بخطايا نظامه، ولا يعني هذا تسليم
الرئيس السوداني للمحكمة، فهذا ما لا يقبل تحت أي ظرف. وقرار
المحكمة الجنائية الدولية لم يصدر رأفة بالسودانيين ولا من
أجل سواد عيونهم، أو لحماية استقلال بلادهم ووحدتها السياسية
والوطنية ، فقد اعتاد الغرب وعوّده أغلب حكامنا على استغلال
أخطائهم وتجاوزاتهم لحساباته الصرفة، ولم بعوّدوه أو يعوّدوا
أنفسهم على وضع المصالح الوطنية على رأس أولوياتهم في
تعاملهم معه. وإذا كان القرار له علاقة بالاستبداد فليس
البشير هو المستبد الأوحد في المنطقة. فمبارك - الفرد
والعائلة - بز الجميع عددا وعدة في هذا المضمار.. فاق نوري
السعيد، وتجاوز ساموزا، وغلب باتيستا، وتخطى باقي المستبدين
في العالم، وإذا كان السبب هو تعامل البشير مع القوى
السياسية السودانية. فمتى كان لهذه القوى شأن عند المحرضين
على استصدار قرار المحاكمة؟ أسئلة عديدة نطرحها تبحث عن
إجابة ولن نجد من يجيب.
المهم أن المنطقة دخلت جولة جديدة من المواجهة مع الغرب
وامتداده الصهيوني، ومسرحها المختار هو السودان، وذريعتها
المنتقاة احداث دارفور، ونتوقف هنا عند النقطة الأولى ذات
العلاقة بالخلط بين رأس الدولة السودانية والسودان، ولا
يعنينا كثيرا ما تبثه الدعاية الداخلية المكثفة وبعضها يختزل
السودان في شخص البشير، وهو تقليد عربي حكومي راسخ. إنما
نراقب اختزالا من نوع مختلف.. يعمل على التضحية بالسودان
ثمنا للتخلص من رئيسه ونظامه السياسي.. وبدت كراهية البشير
طريقا واضحا للتنازل الطوعي عن السيادة الوطنية وتسليم أمر
السودان برمته للمنظومة الغربية، وتعليق مصيره على إرادتها
ومشيئتها، ويأتي هذا في ظروف مواتية لها. حيث تعمل أغلب
البلاد العربية رديفا حاميا ومدافعا عن مصالحها وامتدادها
الصهيوني. وهذه الجولة لا تختلف كثيرا عما جرى للعراق..
الحصار الطويل والقتل العمد والتجويع المستمر، والتجريد
الممنهج من السيادة.. بدايه بثلثه الكردي الشمالي ثم ثلثه
العربي الجنوبي، ثم ما تلا ذلك من غزو واحتلال حتى حانت لحظة
إسقاط النظام وإعدام رئيسه، الذي كان أسيرا وموضوعا في حماية
قوات الاحتلال، وكذا عدد من رموزه السابقين، وبهذا أكدت قوة
الغزو والاحتلال أن القوة فوق العدالة.. ذلك لا يعني تبرئة
أحد، إنما لبيان واقع العدالة التي لها شروط أهمها أنها يجب
أن تكون فوق القوة، وإسقاط هذا الشرط حول العالم إلى غابة،
وساسة المنظومة الغربية إلى وحوش كاسرة.. تتحين الفرصة
لافتراس الضعيف والعاجز والمستسلم. وسيرا على النسق العراقي
تعج عديد من العواصم بمتحمسين. يحرضون على افتراس السودان،
وبينهم رفاق سابقون للبشير وشركاء له في الانقلاب العسكري في
1989.. هذا إضافة إلى أن النظام العربي الرسمي لن يتوانى عن
تقديم البشير قربانا انتقاما من انقلابيته وعسكريته وتوجهه
السياسي الإسلامي، وليذهب السودان إلى الجحيم كما ذهب غيره.
ونأتي إلى النقطة الثانية وهي إشكالية السيادة الوطنية في ظل
الاستبداد.. ومعروف أن السودان كان أول دولة عربية إفريقية
حصلت على استقلالها. وكما بدأ احتلال العراق بغرض الزحف على
دول المشرق العربي فإن تعرض السودان لاحتمال التقسيم أو
الحرب الأهلية أو العدوان العسكري أو احتلاله أو احتلال
أجزاء منه يجعل منه نقطة وثوب تنطلق من جنوب وادي النيل إلى
شماله.. على العكس مما حدث في القرن التاسع عشر وبدايات
القرن العشرين.. وصولا إلى المغرب العربي. مع مراعاة اختلاف
الظروف الجديدة وتأثيرها في الموازين الإقليمية والدولية،
وأصبح لنهج التفريط في الاستقلال الوطني بدعوى التخلص من
الاستبداد السياسي أنصار ومؤيدون من بين النخب السياسية
المتماهية مع مشروع الهيمنة الجديد، وهؤلاء يرون مصلحتهم في
عودة الاحتلال الغربي إلى المنطقة، ولديهم حساسية بالغة من
الحديث عن الاستقلال الوطني، ومن المتوقع أن تتكون منهم أطقم
الحكم الجديد في الخرطوم اقتداء بنظيرتها العراقية التي
أعادته عدة قرون إلى الخلف.
وإذا كان الاستقلال الوطني قد عُد إنجازا لجيل من العرب في
مرحلة تاريخية سابقة، فمهمة الجيل الحالي الانتصار على
الاستبداد والتخلص من تبعاته.. وفق نظرية تواصل الأجيال..
وهي مهمة معقدة. تتعامل مع معادلة صعبة.. أطرافها الاستقلال
الوطني ومقاومة الاستبداد وضرب المصالح التي ترتبت عليه..
ومصدر صعوبة هذه المعادلة هو الذين احتكروا العمل السياسي
لحسابهم.. لا يشركون معهم أحدا، ومن الذين يمارسون الاستبداد
السياسي بحجة تلازمه مع الاستقلال الوطني.
بجانب قوى أخرى تقاوم الاستبداد السياسي اعتمادا على
المنظومة الغربية وامتدادها الصهيوني، كمنظومة قادرة على
تغيير النظام السياسي ووضعها مكانه. ويكون تبرير ذلك برفع
شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات ودولة القانون
واستخدام المفردات والعبارات المصكوكة (الكليشيهات) الرائجة
في السوقين المحلي والخارجي.. وسوف نسمع بعد حصار وتدمير
السودان، لا قدر الله، من يقول ان العالم أفضل الآن بدون عمر
البشير، كما قالوا بالأمس أن نفس هذا العالم أكثر بهاء
وإشراقا وسعادة بغياب صدام حسين، ومواجهة الاستبداد المتجذر
في الثقافة العربية يحتاج ردحا من الزمن قد لا يقل عن الوقت
الذي تحقق فيه الاستقلال، والمعركة في حقيقتها واحدة
وممتدة.. كل مرحلة منها مكملة للأخرى. وإذا كان الاستقلال
يعني حرية الأوطان فإن القضاء على الاستبداد يعني حرية
المواطنين، فالوطن الحر لا يستقر إلا بمواطن حر. وأزمة
السودان تجد تعقيداتها ليس في ظروفه الداخلية أو بسبب توتر
علاقته مع الغرب فحسب، إنما في شلل النظام الرسمي العربي عن
الفعل، وفقدانه الإرادة والدور، ويفاقم من ذلك موقف أشقاء
وجيران على خلاف مع البشير. أبرزهم النظام المصري، لكن
عزاؤنا أن السودان يحتل مكانة خاصة في قلوب المصريين، وإن
كان البشير لم يحظ بنفس المكانة بسبب اندفاعه ومصادرته
المدارس والمعاهد المصرية، وإلغاء جامعة القاهرة فرع الخرطوم
وتحويلها إلى جامعة النيلين ومصادرة 'الرى' المقامة على
النيل. إذا كان البشير قد خسر كثيرا من جراء هذا التصرف فإن
أغلب المصريين يفصلون بين السودان ونظامه السياسي، والتواصل
بين السودانيين والمصريين مطلوب في هذه الظروف الصعبة، وذلك
للتصدي لمحاولة 'تدويل' مشكلته واجهاض اقتراح حسني مبارك
المنادي بعقد مؤتمر دولي للنظر في طلب المحكمة الدولية..
بالضبط مثل ما حدث مع العراق ولبنان وغزة. وهدفه إتاحة أطول
وقت ممكن للغرب لترتيب أوضاعه وحشد حلفائه وأتباعه من أجل
التدخل المباشر.
مصيبة السودان في جاره المتخصص في تسليم الملفات العربية
والإقليمية إلى الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والدولة
الصهيونية، ومؤخرا إلى حلف شمال الأطلسي.. ما يقوم به هذا
الجار أبعد ما يكون عن التدويل بمعناه الحقيقي، وما هو إلا
دعوة مفتوحة تعيد المنطقة إلى الهيمنة والاحتلال المباشر..
وحين يقترح مبارك مؤتمرا دوليا ليس معنى ذلك أنه مؤتمر ترعاه
الأمم المتحدة مثلا، رغم ما جرى لها من اختطاف لحساب الإدارة
الأمريكية والدولة الصهيونية.. إنما بهدف الاستمرار في شل
الدور الوطني والقومي والإقليمي لمصر، بعد أن اعتاد القفز
والمصادرة على الصيغ والاتفاقات الجماعية العربية والإسلامية
والإقليمية، ونجح في تحويلها إلى اتجاه معاكس يخدم مصالح
المنظومة الغربية والدولة الصهيونية.
ومن يعيش في الغرب أو يتردد على عواصمه في إمكانه رصد ما
يجري فيها بخصوص السودان.. في لندن يمكن للمراقب أن يرصد ما
يجري من استقطاب وإعداد لعناصر متنوعة من بين أبناء الجالية
السودانية. على نفس النسق الذي جرى مع العراقيين، قبل الغزو.
وتتولى هذا العمل عناصر ومؤسسات سياسية وإعلامية وأمنية
ومدنية.. يعدّونهم للذهاب إلى السودان لتأجيج الصراعات
والحرب الأهلية، والدعوة لحصاره. وهذا حصاد رضوخ طويل وتعود
على التبعية. أدت إلى مصادرة النظام العربي الرسمي على برامج
ومشروعات العمل الجماعي العربي، وإلى قبِول ما أملته معاهدة
كامب ديفيد، والتي على أساسها جمدت معاهدة الدفاع العربي
المشترك، ثم رفض تطوير آليات جامعة الدول العربية فيما بعد.
والحيلولة دون تأسيس محكمة العدل العربية، وما زال مشروعها
حبيس الأدراج ورهينة بيروقراطية عمرو موسى.. الظاهرة الصوتية
الأعلى، التي تستعيض بالكلام عن المواقف.. فشرعنت لاحتلال
العراق واعتادت التكيف مع مطالب الغرب وجرائم الدولة
الصهيونية.. وبدا المنصب أهم كثيرا من الموقف.. وهي آفة
المسؤولين العرب.. ولو لم تصادر معاهدة كامب ديفيد على
اتفاقية الدفاع العربي المشترك لكانت لغتنا اليوم مختلفة،
ولطالبنا بتدخل قوات عربية للفصل بين المتقاتلين في دارفور
ولحفظ السلام هناك.
لقد تخلف العرب كثيرا عن الأفارقة، مع أنهم أول من دعوا
وشاركوا في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية التي تطورت إلى
الاتحاد الإفريقي، ولو أن محكمة العدل العربية كانت قد تأسست
ما كانت المحكمة الجنائية الدولية قد تركت المتهمين
الحقيقيين.. بوش وألمرت وليفني وبلير، وما تدخلت هذا التدخل
السافر في شأن سوداني وعربي وافريقي وإسلامي وإنساني.. كان
من الممكن أن تكون المحكمة العربية خطوة على طريق مقاومة
الاستبداد، بوضع نظام قانوني لفض المنازعات ومحاسبة
المسؤولين، ولتنشأ بذلك مرجعية دفاعية وسياسية وقانونية
فاعلة.. تملك آليات تأخذ، في حدها الأدنى، بمبدأ بيدي لا بيد
عمرو، وهو مبدأ عربي معروف.
فهل تتدارك القمة العربية.. المقررة خلال أيام في الدوحة..
الأمر، وتعيد الحياة إلى مشروعات العمل العربي المشترك.
ومنها معاهدة الدفاع العربي المشترك، وإقرار قيام محكمة
العدل العربية؟
مصرنا ©
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|