 |
|
 |
| |
العمال والطلاب والعمق الشعبي المطلوب
..............................................................
محمد عبد الحكم دياب
..............................
المصريون وهم في مسعاهم الديمقراطي لتغيير نظامهم السياسي
لهم كل الحق السياسي والقانوني والإنساني في ممارسة كل السبل
السلمية للوصول إلى هدفهم المنشود.. والاحتجاج والإضراب
والاعتصام وصولا إلى العصيان المدني من أجل تحقيق هذه
المطالب المشروعة حق أصيل.. لا قدرة لأحد على انتزاعه أو
المصادرة عليه، وإذا ما كان ثمة اختلاف حول ما جرى في السادس
من نيسان /إبريل ومستواه ونتيجته، فهذا أمر طبيعي، ولكن غير
الطبيعي هو اعتماد تقييم ورأي أهل الحكم.. الرافضين لهذا
الحق والمصادرين له.. وهذا أوقع البعض في أسر إدانتهم للحدث،
بجانب أن بعضا آخر سلم بتقييم يمكن وصفه بالرومانسي تبناه
عدد من المهاجرين المصريين في أوروبا.. صبوا جام غضبهم على
كل الناس، وعلى كل القوى والفئات، واتهموا الجميع بالتقصير..
لم يستثنوا أحدا.
وهذا السخط الذي يدين الجميع ينتهي لصالح منظومة الاستبداد
والفساد والتبعية.. يقويها ويطيل من عمرها، ويصب الزيت على
نار الحملة الضارية، ضد جماعة 6 إبريل وكل من شاركها وأيدها
ووقف معها، فيزيدها اشتعالا.. وُجهت إليهم كل أنواع التهم،
بما فيها الخيانة. في الوقت الذي بنيت فيه بيوت الذين يوجهون
هذه الاتهامات من زجاج لا تتحمل حجرا واحدا يلقى عليها..
انحيازهم للمشروع الصهيوني واضح، والعمل في بلاطه واقع. ولو
كانوا على يقين من فشل الإضراب لوفروا الجهد والمال
والانفعال والتحريض، وكفتهم 'خيبة' الفشل مؤونة الخوف والتعب
والتوتر الذي يعانونه. ماذا كانوا سيفعلون لو نجح شباب 6
ابريل من وجهة النظر هذه؟.. إن معيار النجاح والفشل لديهم
مستنسخ من المعايير الصهيونية في نظرتها للعرب. فالعربي
الجيد في نظر الصهيونية هو العربي الميت.. والمواطن الجيد
بنظر أهل الحكم في القاهرة هو المواطن الميت، أما إذا تحرك
فيه ساكن.. كما هو الحال الآن.. يواجه باللعنات والاتهامات
ويودع في غياهب المعتقلات والسجون. وذلك التجييش للآلاف
المؤلفة من رجال الأمن والبلطجية وكتائب الدعاية والإعلام
والصحافة الحكومية.. هل كان كل هؤلاء يطحنون الهواء أم أنهم
كانوا يناطحون الريح؟ ألم يكن ذلك تصديا لقوة تهدد وجود
الحكم ومستقبله؟!
لنترك الجدل المحتدم حول فشل الإضراب من عدمه، ونحاول
الاقتراب مما جرى. نجد أن الأوساط الأمنية والإعلامية
والتنفيذية الحكومية تدعي أن في مصر نهضة.. تعوقها تحركات
ومواقف 'القوى الهدامة'.. الوصف الجديد لدعاة ومحركي
الإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات. وذلك لا يستقيم مع حصيلة
العقود الثلاثة الماضية.. والكل يعلم أنها حصيلة مرة مرارة
العلقم. وزاد من مرارتها ما استقر في الوجدان العام بأن أهل
الحكم لن يتزحزحوا عنه.. لا يعنيهم أمر نهضة أو تقدم. يعنيهم
فقط كرسي الحكم. وفضلا عن نهج الجمود الذي اتبعوه طوال ما
يقرب من ثلاثة عقود.. توالت فيها الانهيارات والكوارث في
المجالات كافة. وعادة ما تحدث تلك المصائب نتيجة ظروف تطرأ،
أو بفعل مصائب تأتي بها الأقدار، أما في مصر فتأتي نتيجة
نشاط متعمد وعمل ممنهج.. وصارت من مهام السياسة وأعمال
السيادة وقرارات الرئاسة . ومعها حيل بين المصريين وإمكانية
امتلاك أدوات ووسائل تمكنهم من وقفها. والمواطن في أي بلد
وهو يواجه هذا النمط الفاسد من الحكم تقابله ثلاثة خيارات ..
الاندماج في المنظومة المسؤولة عما يجري، على طريقة مقاولي
الهدم. فيتكسب من عائد بيع الأنقاض.. أو رفض العمل تحت لواء
هذه المنظومة والتصدي لها، والخيار الثالث الابتعاد والجلوس
في مقاعد المتفرجين .. وبدا الخيار الثالث وكأنه الخيار الذي
استقر عليه المصريون إلى سنوات قليلة مضت، . فجأة جدت تطورات
استفزتهم وكشفت لهم أن 'عائلة مبارك' تتجه إلى تداول الحكم
بينها وتوريثه لأبنائها. ووقع الاختيار على ابنها الأصغر
كـ'ولي عهد' يتطلع إلى عرش مصر، واتضح أن ذلك أكبر من قدرة
المصريين على القبول، وفوق طاقتهم على التحمل .
كسرت هذه التطورات حاجز الخوف وخففت من وطأة ثقله فوق صدورهم
.. وليكن هذا أساس فهم ما يجري .. هل هو تعبير عن صحوة كما
ترى قوى التغيير.. أم مجرد 'عمل هدام' كما يرى أهل الحكم!!
.. هل هو معلم نهوض أم حالة انتحار، كما وُصفت من أبواق
السلطة؟ . واحتل 'التوريث' موقع العامل الأهم المستفز
لمحفزات المناعة في الجسد المصري. فاستدعيت وبدأت نشاطها،
وليست جماعة 6 إبريل، وما سبقها من جماعات 'كفاية وأخواتها'
إلا بعض هذه المحفزات. ومع أن إضراب السادس من هذا الشهر لم
يتطرق لقضية ' التوريث ' إلا أن أحد مطالبه الأربعة كا نت له
علاقة به.. حين نص على تشكيل حكومة انتقالية لمدة عام..
يعقبها انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا للبلاد.. يضمن
الحريات السياسية والنقابية . وهو من المطالب المضادة لـ'
التوريث ' ، المعلق بشرط استمرار 'عائلة مبارك' قابضة على
الحكم.. بما تملك من وعي وطني غائب ، وحس وذكاء اجتماعي
مفتقد، وقدرات تنظيمية وإدارية متدنية. وصارت لا تجد من سبيل
لإخضاع المواطن إلا بتجويعه وإرهابه وترويعه وتعذيبه وهتك
عرضه واغتصابه (رجلا كان أم إمرأة). وجاء اختزال شأن الحكم
والسياسة، وتحوله من شأن عام إلى شأن عائلي.. أكثر استفزازا،
فقد ترجم الطبيعة العائلية الضيقة للمصالح وملكية الثروة
الوطنية والهيمنة السياسية والإدارية والمالية، لذا فقد
الحكم قاعدته الاجتماعية اللازمة لاستقراره والضرورية للسلام
الاجتماعي.. وهذه الطبيعة العائلية تدين بنشأتها وتطورها إلى
خدم ووكلاء المصالح والاحتكارات الغربية والصهيونية الوافدة
من خارج البلاد ورعايتهم ودعمهم!!.
ضِيق المصالح أضر بجميع القوى والطبقات والفئات، على اختلاف
مشاربها. بما فيها الرأسمالية الوطنية الصغيرة. واستقرت كلها
على رفض النظام القائم وتمنت تغييره، ومع ذلك لم يتغير
بالسرعة المأمولة.. لماذا؟ .. صحيح أن الاجماع على الرفض
وشيوع الرغبة في التغيير عنصران مهمان، وقد توفرا بشكل واضح
في السنوات الخمس الأخيرة . لكنهما غير كافيين.. مصر تنقصها
أدوات كفؤة ومتمرسة قادرة على تحمل مسؤولية التغيير
واستحقاقاته، ولأن التغيير المطلوب لا بد أن يكون سلميا
وديمقراطيا فهو يحتاج إلى أدوات ذات قوة ماضية تُحيّد
الأدوات المادية والتنفيذية والأمنية التي تعمل لحساب أهل
الحكم، ولها طبيعة جسورة.. تواجه الاستبداد والإرهاب الرسمي.
وأهم هذه الأدوات هي الأحزاب، والمشكلة أن أحزاب مصر. التي
خرجت من رحم النظام الرسمي لم تقم لتُغَيّر وتحكم إنما قامت
لتؤيد وتطبل وتزمر .. بما في ذلك الحزب الحاكم.. الذي لا
يحكم 'إنما يتجمل'.. فالوزراء والمحافظون ورؤساء المؤسسات
الكبرى لم يتخرج منهم أحد من الحزب، والوزراء والمسؤولون
السياسيون والتنفيذيون يستوردون من خارجه ومن خارج البرلمان،
وشرط تعيينهم وتوزيرهم هو القرب من 'عائلة مبارك'. واكتشف
المصريون أن الاحزاب الشخصية غير مؤهلة للدور المطلوب، رغم
أن 'عائلة مبارك' في أضعف حالاتها، وليست سوى فضلات لشرعية
متآكلة، وأثر حكم ولى، وحجر من أنقاض دولة انهارت، وبقاؤها
مرهون بآلة أمنية جهنمية.. لم تترك شيئا لم تقترفه، ومنظومة
فساد افترست كل شيء.. تدار من قبل قساة غلاظ.. في هيئة رجال
أعمال ومحتكرين، ووكلاء مصالح أجنبية، ودعاة فتن طائفية
واجتماعية، وسماسرة بيع وطن.. بالجملة والقطاعي، وتحصل على
العون من إدارات حكومية فسدت وتخصخصت (وديا) لحساب مسؤوليها
وتحولت إقطاعيات تدر عليهم ثروات وعوائد طائلة، وهؤلاء
أوشكوا أن يجهزوا على المجتمع ويفتتوه، كما فعلوا بالدولة
ومؤسساتها .
لهذه الاعتبارات لم تلجأ قوى التغيير إلى الأدوات الموجودة
ولا راهنت عليها .. لجأت إلى الشارع تناديه، وسعت إلى الناس
تطلب عونهم وحمايتهم، وحين اطمأنوا خرج المارد من قمقمه،
وبدأت مرحلة جديدة فيها الكر والفر بين أهل الحكم
والمحكومين. وتأكد للقاصي والداني أن التراجع صار متعذرا
والمصادرة على حلم التغيير أضحت مستحيلة. ورؤية الأمور على
حقيقتها تؤكد أنها البداية.. بمعدل إيقاع مرتفع، كان سمة
السنوات الخمس الماضية. وما زالت هناك مسافة طويلة تحتاج
تضافر الجهود لصياغة نظام جديد .. وضحت طبيعته ومعالمه:.
جمهوري.. دستوري.. برلماني.. ديمقراطي. يستعيد الجمهورية من
مختطفيها، ويطور نظامها من نظام رئاسي سقط وتحول إلى حكم
عائلي شخصي.. يعاد له الاعتبار بنظام قانوني جاد.. يقيم دولة
مدنية.. تكفل الحريات للجميع.. يتساوى فيها المواطنون في فرص
الحياة وأمام القانون.. ويحصلون على نصيبهم العادل من ثروة
بلدهم، ترسخها سلطة تشريعية.. ببرلمان منتخب مباشرة من
الشعب، يضع التشريعات ويمارس الرقابة على رئيس الدولة وكافة
المؤسسات والهيئات الحكومية والعامة والمنظمات الأهلية،
وبذلك يتوفر البعد الديمقراطي. حيث الشعب مصدر السلطات
وموجهها وحاميها. من هنا يؤخذ العصيان المدني ، كطريق للوصول
إلى هذا الهدف. وعن ذلك قال فقهاء القانون كلمتهم في سلامته
ومشروعيته وضرورته .. ومنذ خروج حركة 'كفاية' إلى النور خرج
المصريون تباعا.. محامين وصحافيين وأكاديميين وقضاة ومهندسين
وصيادلة وأطباء ومحاسبين وإداريين وفنيين وفلاحين وعمالا
وأخيرا الطلاب.. لم يبق أحد خارج الصورة. وقد بدأ اكتمالها
في نيسان /إبريل 2008، بانضمام العمال إلى الحراك الوطني،
وتحملوا بشجاعة نصيبهم في عصيان العام الماضي، خاصة عمال
مصانع المحلة الكبرى، وهذا العام انضم إليها الطلاب.. كانوا
أبطال المعركة الأخيرة، وبدخول هاتين القوتين أخذت ساحة
الحراك عمقها الجماهيري والشعبي الحقيقي.. شيء طال انتظاره .
وإن لم يكن هذا نجاحا فما هو النجاح إذن؟.. لقد قطعت قوى
التغيير شوطا قرب كثيرا من المسافات. وإلى من يعنيهم أمر
التغيير ننبههم إلى أهمية التعلم من الممارسات والاستفادة من
التجارب، والاعتماد على أناس من لحم ودم ومشاعر ذوي إرادة مع
إدارة أوسع حوار سياسي واجتماعي حول ضرورة التغيير وهدفه
ودور كل فرد فيه. أما التقانة الحديثة فقد استخدمت ووظفت
بكفاءة عالية.. إلا أنها لا تنسينا أنها مجرد وسائل لا تعوض
غياب الأصل، وهو الإنسان.. هدف التغيير، وصانع المعجزات في
كل زمان ومكان.
مصرنا ©
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|