مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 مصر والعداء المتصاعد لايران
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
........................


أما وما زلت بصدد الحديث عن (الحالة المصرية) وانعزاليتها باسم (الخصوصية) أجد من المفيد نقل شهادة وردت في تقرير لصحيفة 'يديعوت أحرونوت' الصهيونية، وحرره أليكس فيشمان. وذلك لأن المعلومات الواردة في هذا التقرير، المنشور في الأول من هذا الشهر، قد كشفت عما وصلت إليه العلاقة بين أهل الحكم في القاهرة مع الدولة الصهيونية.
يشير التقرير إلى أن حكام مصر يواجهون عدوا مشتركا وتهديدا استراتيجيا. هو نفسه الذي تواجهه تل أبيب. وهذا أسقط أي نقاط للخلاف والتباين بين الطرفين . هذا العدو المشترك هو إيران، وذلك التهديد الاستراتيجي مصدره حلفاء إيران في المنطقة. وتطابقت المصالح الصهيونية مع نظيرتها المصرية الرسمية. حين أشار التقرير إلى أن هذا ليس وليد اللحظة إنما أمره مستقر من اشهر طويلة. غطى عليه عدم الكشف الفوري، من جانب سلطات الرئاسة والأمن المصرية. عن 'التنظيم السري' المزعوم لحزب الله.. الاعتقالات تمت قبل نصف عام.. الملاحقات سبقت تاريخ الأعلان عن التنظيم بعشرة اشهر .

هنا جاء التركيز على مستوى التطابق في الأّهداف والخطط، ونجاح القنوات السرية في الوصول بالعلاقات إلى هذه الدرجة.. وقد أفاض التقرير في الحديث عن دور كل من عاموس جلعاد المسؤول بالمخابرات العسكرية الصهيونية، ورئيس المخابرات المصرية عمر سليمان.. الأول بزياراته المتكررة والمكوكية للقاهرة وشرم الشيخ، إلى وقت صدور قرار أولمرت بالتخلص منه . وقام مدير المخابرات المصرية بنفس الدور.. كثف هو الآخر من زياراته المتواصلة لتل أبيب حتى تم الوصول إلى هذه النتيجة، وقد عبر أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري، عن ذلك في تصريح له، أشار فيه إلى أن التهديد الايراني الموجه لمصر هو نفسه الموجه للدولة الصهيونية وللغرب، وبهذا استقرت السياسة الرسمية المصرية على تحديد االعدو البديل والعمل على توجيه كافة الأنظار إليه. ووفرت الغطاء الرئاسي بهجوم الرئيس حسني مبارك الكاسح على إيران في ذكرى عودة سيناء.. وجه إليها وإلى مسؤوليها تحذيرات حادة وتهديدات مباشرة إذا ما واصلت التآمر. كما ورد في تقرير (يديعوت احرونوت) وهو ينوه إلى جهود تعبئة الرأي العام المصري ضد ما أسماه (محور المقاومة ) الذي يضم إلى جانب ايران سورية وحزب الله وحماس والجهاد الاسلامي وقطر وقناة الجزيرة.

وترتبت على ذلك عدة نتائج سمعتها تل أبيب من عمر سليمان.. تقول ان الأوساط الرسمية المصرية لا ترى إمكانية لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية. وهي لا تراهن على محادثات القاهرة، وهذه المحادثات لن تكون إلا فرصة لتمرير أموال (الإعمار) إلى غزة عبر سلطة رام الله. وعلى الفلسطينيين ألا يأملوا بغير ذلك . أما رأيه في الدولة الصهيونية فقد نسب التقرير إلى عمر سليمان قوله انها تلتزم بدعم السلطة الفلسطينية.. والهدف هو إضعاف 'حماس'، كجزء من الترتيبات المعد ة لتصفية 'محور المقاومة ' والإجهاز عليه نهائيا. وهذا اقتضى، كما نسب إلى رئيس المخابرات المصرية، العمل من جانب محور (مكافحة المقاومة) على مساعدة السلطة الفلسطينية في الفوز على (حماس) في الضفة الغربية، إذا ما أجريت الانتخابات العام القادم . معنى هذا، من وجهة النظر هذه عدم اتمام التسوية. ومن المتوقع أن تستبدل بخطوات جزئية وصغيرة توفر مناخا ملائما للسلطة في رام الله كي تستمر في التفاوض، كأن يقدم لها وعد بازالة عدد من المستوطنات خلال عام او عامين . مع طرح فكرة (السلام الاقتصادي ) التي يتبناها بنيامين نتنياهو، وتحوز تأييد واشنطن وموافقة شرم الشيخ، وحاجة ذلك إلى توفير الهدوء في الضفة وغزة، كشرط جوهري لاستكمال تشكيل التحالف العربي الصهيوني المقرر له مواجهة ايران . وهذه الأهداف والمصالح المتطابقة وحدت السياستين المصرية والصهيونية، وأسقطت تحفظات كانت قد وضعت من جانب وزارة الخارجية المصرية ترفض التعامل مع ليبرمان. وقطعا للطريق على أي تأويل قام رئيس المخابرات المصرية بزيارة وزير الخارجية الصهيوني الجديد، ونستطيع هنا أن نتبين الفارق الكبير بين تعامل ودي وحميمي مع متهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ومُطالِب بضرب السد العالي بالقنابل النووية، والقائل عن الرئيس حسني مبارك 'فليذهب إلى الجحيم'، وبين ذلك التعامل العدائي الشديد مع إيران وحزب الله والمقاومة يصورة تجاوزت الحدود.

أرجو المعذرة إذا ما كنت قد أطلت وأنا ألخص هذه الشهادة. فقد وجدتها ضرورية وأنا أتناول ما بدأته الأسبوع الماضي عن االخصوصية وما يسمى بالحالة المصرية. لأنها دليل على أن الحملة على إيران وما جرى مع حزب الله، ومن قبل مع المقاومة الفلسطينية، خاصة حماس، متفق عليه بين شرم الشيخ وتل أبيب. وعليه فإن ما يسمى بـبالحالة المصريةب ليست وصفا لحالة المصريين، إنما هي تعبير عن أماني المنحازين بالكامل للمشروع الصهيوني، وتعكس ما يأمله االليكودب المصري النافذ في أروقة الحكم والسياسة والاقتصاد والمال.. يريد لانعزاليته أن تعم البلاد.. ويحث الناس على أن يكونوا على دينه. يقفون معه في نفس الخندق. مستخدمين االخصوصيةب مبررا وأساسا لدعم الدوله الصهيونية، والقبول بالتبعات المترتبة على ذلك، واتخاذها ذريعة للمشاركة الفعالة في المجهود العسكري والاقتصادي الموجه ضد إيران وحلفائها، وهو مجهود يستهدف في جانب منه تحويل مصر، بتاريخها ودورها وتضحياتها وشهدائها إلى مجرد اغيتوب صغير.. جزء من غيتو آخر. تضافرت الجهود الاستعمارية والدولية على إقامته على أرض فلسطين. وما يُقترف باسم االخصوصيةب لا يعد جهلا بقيمة الموقع والبشر والإقليم الذي تقع مصر في قلبه. إنما هو نتاج نشاط وعمل ممنهج همه تغيير طبيعة المنطقة وهويتها وتركيبتها البشرية والثقافية.

مصر نواة ومركز إقليم منفتح ومتكامل ومتداخل منذ ما قبل التاريخ، لا يمكن لها أن تكون منغلقة ولا انعزالية، وإلا حكمت على نفسها بالنهاية وفرطت في أمنها الوطني وأضاعت ما بقي لها من سيادة على أرضها. يرى المفكر الراحل سليمان حزين، مؤسس جامعة أسيوط، ووزير الثقافة الأسبق في كتابه: (أرض العروبة.. رؤية حضارية في الزمان والمكان) يرى تأثير مصر في غرس جذور العروبة الحضارية، كما أسماها، في عصر ما قبل التاريخ، ومصدر الأهمية لديه في ذلك هو الرباط الذي أقامته بين حضارات الشمال والمشرق (السامية)، وحضارات الجنوب (الحامية) في وادي النيل وعمقه. وهذا الرباط أنشأ الحضارة المصرية القديمة واستقرار بها في الوادي والدلتا، ومن ثم انتقلت، بالبر والبحر إلى ما أسماه قلب الوطن العربي القديم وأطرافه على شواطئ البحر المتوسط والبحر الأحمر وما وراءه.. جنوبا إلى بحر العرب والمحيط الهندي وشواطئه العربية.. منطقة لم تعرف العزلة ولا الانعزال، ولم يثبت أن صلة مصر بها كانت طارئة ولا عارضة.. وكانت الصلة عضوية وأساسية.. مستمرة في ظروف المد والجزر، الذي مرت به الحضارة البشرية منذ ظهورها في هذا الجزء من العالم، والتواصل بين مصر ومحيطها الإقليمي أقدم بكثير مما تصوره كتابات المحدثين، والغربيين منهم على وجه الخصوص، وهذا التواصل الحضاري بينها وبين الأرض التي أصبحت معروفة بعد ذلك بأرض العروبة (بالمعنى التاريخي) سبق فجر التاريخ وتطور مع تطور الزمن.

أما العالم الراحل جمال حمدان بعد أن انكب على دراسة وضع مصر وأخرج سفره الموسوعي (شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان).. لم يتحدث عن (الخصوصية)، وتناول (الشخصية) باعتبارها تكوينا متكاملا متعدد الأبعاد والزوايا والتركيب. أما الخصوصية فهي وصف جزئي لمظهر أو أكثر للفرد أو المجتمع أو الشعب أو الأمة، كخصوصية الطول والقصر ولون الجلد واختلافه بين أسود وأبيض وأصفر وأحمر وأسمر، وهي محصلة رياضية لخصائص وصفات فطرية أكثر منها مكتسبة، والشخصية أساسها روح كامنة في المكان، وما حل فيه نتيجة النشاط البشري والتغيرات الجغرافية والمناخية وتجارب وتقلبات وركام حقب ومراحل الزمان.

نظر جمال حمدان للأوطان الكبيرة، كالوطن العربي، رغم ما يعيشه من تقسيم وتفتيت وتبعية نظرته إلى الأسرة الواحدة.. تضم الأبناء بتنوع شخصياتهم وحصيلة تجاربهم الإنسانية والتاريخية، وهي التي تساهم بدورها في تكوينه، ورباطها لا يفرق بين أبنائها، وهذه النظرة حكمت قيمة المكان حين يستقر وينشط فيه الإنسان، وتستجيب لخبرة (الزمان) وتجاربه في سلسلة التواصل التاريخي. لهذا لم يجد غضاضة وهو يتناول (شخصية مصر) حين اعتبرها فرعونية الجد وعربية الأب. وإن كنت من المتحفظين على تعبير الفرعونية. وكونه تعبيرا ظالما للمصريين القدماء. فهم من صنعوا حضارتها وبعلمهم وقدراتهم شيدوا ذلك المعمار الخالد، وبنوا الجسور ونظموا المياه والزراعة ومارسوا الطب والفلك. لننظر حولنا فالوطن العربي محكوم بالفراعين.. من منهم حقق إنجازا حقيقيا يسجل له. ودون تقدم الشعب وتحضره فلا إنجاز لفرعون أو غير فرعون، ويمكن قبول ما قال به جمال حمدان ضمن المعنى العام والشائع في وصف مصر القديمة.

ومن وحي هذه الدراسات والبحوث الجادة طالب المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري بالتفرقة بين المناهج الجادة في دراسة التنوعات والفروق بين أبناء الإقليم الواحد والأمة الواحدة وبين ما أسماه (العبادة الوثنية للشخصية). فقمة علم الجغرافيا هي التعرف على شخصية البلدان والإقاليم، وبالنسبة له فإن مصر تشترك في كثير من الصفات مع هذه البلاد أو تلك، وهذا صحيح، لكن مجموعة الملامح ككل (جعلت منها مخلوقا فريدا فذا حقيقيا) في فترات المد وعصور النهضة. وأكد حمدان نظرته إلى خصوبة وتنوع التكوين العربي حين عالج موضوع (شخصية ليبيا)، في كتاب، أتصور أنه لم يحظ بالانتشار الكافي، وكان عنوانه (الجمهورية العربية الليبية.. دراسة في الجغرافيا السياسية). عالجها على نفس النهج العلمي والجدية البحثية، التي اعتمدها في مؤلفه (شخصية مصر). ووصل إلى المكونات الأساسية، التي صاغت شخصية هذا البلد العربي الشقيق، وقد أفاد هذا الكتاب كثيرا في فهم مكونات الشمال العربي الإفريقي، وكذا باقي أقطار العرب. ولم يختلف الأمر كثيرا عندما تناول جغرافية العالم الإسلامي. وإذا كانت (الخصوصية) تخدم الانكفاء والانعزال فإن تكوين (الشخصية) ونضجها يصب في مجرى الانفتاح وفعالية الدور وتميزه، والتمسك بهذا الفهم يحول دون تحويل مصر إلى 'غيتو' على حساب المكان والزمان والبشر.

 

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................