ظاهرة القابلية للاستعباد وأثرها علي الحالة المصرية الراهنة
...............................................................
بقلم
: محمد عبد الحكم دياب
............................
قال صاحبي يبدو
أنك استسلمت للتوريث، مع أني عرفتك متصديا له عنيدا معه.
يبدو أنك رفعت الراية البيضاء. هل هذا يأس أم تسليم؟ قلت له:
إنه لا هذا ولا ذاك. رد: وإلا ما كنت قد قلت، في مقالك
الماضي، أن التوريث قد تم وانتهي أمره. قلت: ما أثار اللبس
فقرة حذفتها لضيق المساحة، تتحدث عن تحين حسني مبارك الفرصة
لاتخاذ الإجراءات، وإصدار القرارات، وتشريع القوانين، التي
تحول التوريث العرفي إلي توريث رسمي.
أما الإقرار بحدوث التوريث لا يعني القبول به أو الاستسلام
له، وأضرب مثلا عن العناد المصري ضد التطبيع، لمدة اقتربت من
ثلاثة عقود، إلي أن انتهي محصورا في عائلة مبارك ، وأمانة
السياسات، ورجال الأعمال الوزراء، المرتبطة مصالحهم بالدولة
الصهيونية، ضمن منظومة ألحقتهم بها، اسمها مناطق التأهيل
الصناعي ، المعروفة بالكويز. وكانت الجوقة التي قادت إلي
تكوين هذه المنظومة تتكون من أعضاء المجلس الرئاسي المصري
الأمريكي ، وله القول الفصل فيما جري ويجري لمصر. وكان
بمثابة المطبخ الذي نضجت فيه عملية صهينة القرار السياسي
والرئاسي المصري. وتتعيش علي هامش هذه الشريحة المصهينة
كيانات طفيلية أخري. لا تحتك بالناس، ولا تتحرك بينهم، ولا
قدرة لديها علي النفاذ إلي حياتهم الاجتماعية والإنسانية.
كالخفافيش لا تراهم لكنك تشعر بأفعالهم، وتقرأ عن ضحاياهم،
في كل زاوية وكل ركن. يلتقون في قلاع ومستوطنات وقصور
ومواخير منعزلة، مدججة بالحراس والبلطجية وقطاع الطرق.
أما الجموع المصرة علي عدم التطبيع صمدت، وشقت طريقها عنوة،
وتتهيأ لمرحلة جديدة، للضغط في اتجاه إسقاط معاهدة كامب
ديفيد، سياسيا وقانونيا، وتتشكل لذلك لجنة، من القانونيين
ورجال السياسة والشخصيات العامة، من المقرر أن تتفرع منها
لجان تنتشر في ربوع البلاد، ومعني هذا فإن فرض الشيء
بالإرغام والقسر لا يعني التسليم به، وما زال مثل الدولة
الصهيونية واضحا، فأغلب حكومات العرب سلمت بوجودها، إما
إذعانا أو عجزا أو خيانة، وجندت كل إمكانياتها السياسية
والإعلامية، وقوافل الكتاب والمداحين، من أجل تبرير موقفه،
ويقودون حربا نفسية ضارية ضد جموع غير المطبعين. وفي هذا لم
يكن المصريون بدعا، فدروس التاريخ تقول بأن الأراضي التي
تُحتل تتحرر، والأوطان بعد أن تُغتصب تستعاد. والتوريث مثل
التطبيع، يفرض بإجراءات وقرارات غير شرعية. تفرزها غطرسة
السلطة، وغشم القوة، وإغراء الأموال الحرام، وإذا طال عمر
العائلة فليس لديها إلا التزوير ليحل الابن رئيسا ضد إرادة
الجموع الرافضة والكارهة له، ولن يكون حكمه إلا مرحلة سوداء
عابرة في تاريخ مصر، سرعان ما تطوي صفحتها ويلقي بها في
مزبلة التاريخ.
ومشكلة مصر مع عائلة مبارك هي فيما يمكن وصفه بالقابلية
للاستعباد، وهي أساس كل المشاكل. وإذا كان المفكر الجزائري،
مالك بن نبي، لفت الأنظار إلي ما أسماه القابلية للاستعمار،
من عدة عقود، نجد أننا في مصر، وبعد عودة الظاهرة
الاستعمارية، بشكلها التقليدي القديم، للهيمنة والسيطرة علي
المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ظهرت معها ظاهرة أخري هي
قابلية الأثرياء الجدد والمسؤولين اللصوص للاستعباد ،
واكبتها اتجاهات تؤيد وراثة الحكم والوظائف والمناصب. وذلك
بعد أن استقر في وجدان كثيرين أن الفساد هو قاعدة السياسة،
والظلم أساس الحكم. وليس معني هذا أن يبقي الفساد قاعدة
للسياسة ولا الظلم أساسا للحكم، فيصير التوريث ملجأ العائلة
للاستمرار في السلطة. وهنا يلزم التنويه إلي أن ظروف الحكم
الوراثي غير مواتية في مصر. وإذا ما كنا قد ذكرنا، السبت
الماضي، أن نابليون بونابرت، في فرنسا، قاد إنقلابا علي
الجمهورية الفرنسية الأولي، للتدليل علي وجود إمكانية
للانقلاب علي النظام الجمهوري. إلا أننا نري أن حسني مبارك
ليس نابليون، ومصر الحالية ليست فرنسا آنذاك. الإمبراطور
الفرنسي كان، باعتراف أعدائه قبل أصدقائه، قائدا عسكريا فذا،
وزعيما سياسيا عظيما، شبهوه بالاسكندر الأكبر. وحسني مبارك
طيار عسكري عادي، لا علاقة له بالسياسة، عاش واستمر كارها
لها، ولكل من له علاقة بها. والتوريث يحدث ومصر في أضعف
حالاتها، أما فرنسا كانت دولة عظمي، وامبراطورية شاسعة
الأرجاء، تتنافس مع الإمبراطورية البريطانية، التي لم تكن
تغيب عنها الشمس. وشتان بين امبراطور قوي، مهما كان ظلمه
وتجبره، وبين موظف انعزالي ومنكفئ وضعيف.
ومن منظور آخر، إذا ما قارنا التوريث في مصر بنظم عربية
وراثية، فالمقارنة في غير صالحها، فنظم وراثية كثيرة في
المنطقة، ما زالت في الطور العشائري، يحكمها العرف وتضبطها
التقاليد الشفاهية، والوراثة فيها أساس المناصب والمسؤوليات،
ولم تصل بعد إلي مستوي الممالك والدول المدنية الحديثة،
بقوانينها ودساتيرها. وحتي مصر المفترض فيها أنها غادرت هذا
الطور، حينما خضعت للنظام الوراثي في أخريات حكم محمد علي،
عملت القوي الكبري علي أن تكون العلاقات الإقطاعية مناظرة
للعلاقات العشائرية، واعتمد الغرب علي أسر وعائلات استمدت
قوتها ونفوذها منه. ونذكر هنا أن المفكر الراحل د. عصمت سيف
الدولة، في كتابه عن العروبة والإسلام أشار إلي أن مصر عندما
دخلها الإسلام كانت قد غادرت، من قرون، العلاقات القبلية
المتغيرة، إلي حياة الشعب المستقر، وإن كانت، حسب رأيه، لم
تصل إلي مستوي الأمة، والتعامل مع مكونات الشعب يحتاج درجة
أعلي وأعقد من التعامل مع بطون وأفخاذ القبائل والعشائر.
وهناك نقطة لم تحظ باهتمام كبير، وهي أن قابلية عائلة مبارك
للاستعباد، تقف وراء تفانيها في خدمة الغرب والإذعان للدولة
الصهيونية، ومن المتوقع أن تكون هذه القابلية حافزا للمنظومة
الصهيو غربية لقبول التوريث، لأنه سيصب في قناة استمرار دمج
مصر في المنظومة الصهيو غربية. ومن يستند إلي مقولة المفكر
الجزائري، مالك بن نبي، عن القابلية للاستعمار، ليعمم خاصية
القابلية للاستعباد علي المصريين فإنه يخل بالقراءة
الموضوعية للتاريخ الإنساني عموما، والتاريخ العربي
والإسلامي خصوصا، والقابلية للاستعباد محصورة في عائلة مبارك
وأمانة السياسات، والأثرياء الجدد والمتصهينين.
ورغم سلبيات عديدة شابت الجمهورية الأولي، في مصر. إلا أن
إمكانية تصحيحها كانت متاحة، وكم شعرت الأجيال المخضرمة
بتوفر هذه الإمكانية، وهذا ما جعلها تتحمل ظروفا شديدة
القسوة والصعوبة، ومنها هزيمة 1967، وكان من المفترض أن
يمحوها نصر 1973، إلا أنه جاء ليفقد المصريون، رويدا رويدا،
الإحساس بإمكانية التصحيح والتطوير، فوقعوا تحت وطأة اليأس
والبؤس. وحين نجحت عائلة مبارك في المصادرة علي هذه
الإمكانية. كان النظام الجمهوري أول ضحاياها. وكان الحلم
بتطويره إلي جمهورة برلمانية الضحية الثانية، ولحق بهما حلم
إغلاق باب التزوير نهائيا. انهارت الجمهورية، وبقي التزوير.
وإذا كان الاستفتاء علي رئيس الدولة نظاما صار معيبا، فإن
التزوير أضحي عارا، وهو عار تتم المراهنة عليه للخروج من
مأزق التوريث.
كان التطوير مطلوبا من عقود، وبدت إرهاصاته مبكرة بعد
النكسة، وقتها سعت مصر لترسيخ دولة القانون والحريات
والمؤسسات، واعتماد نظام أرقي للإدارة المحلية، ينقلها إلي
نظام حكم محلي، تكون فيه المناصب والوظائف التنفيذية
والتشريعية والقيادية، بالانتخاب المباشر: المحافظون ورؤساء
وأعضاء مجالس المدن، ورؤساء وأعضاء مجالس الأحياء، ورؤساء
وأعضاء مجالس القري، وكان من الطبيعي والحال يسير في ذلك
الاتجاه، في تلك الفترة غير البعيدة، أن يتهيأ المجتمع
لانتخاب رؤساء المؤسسات والطوائف الدينية. انسجاما مع ما كان
مقررا له أن يسود، لاختيار شاغلي المناصب والوظائف. والنظام
الجمهوري، ذهب ضحية عدم ثقة حسني مبارك في نفسه، وفي
مساعديه، وفي نظامه، وفي شعبه، فأهمل المؤسسات وركز السلطات
في يده، وأصبح الحكم في مصر يوصف بالحكم الشخصي. لا رأي فيه
لأحد، ولا نصيحة لمسؤول، ومع الكبر والشيخوخة لم يكن هناك
غيرالابن ليحل محل الأب، ليبقي النظام الجمهوري وينتظر من
ينقذه من غيبوبة وضعت في غرفة الإنعاش.
وحسني مبارك لا يستمع إلا لاجهزة الأمن، ويغلف استجابته لها
بادعاء انحيازه للفقراء ومحدودي الدخل. وفي الفترة الأخيرة
استجاب لتحذيراتها حول الارتفاع الجنوني للأسعار، وأخذ
برأيها بشأن اعتصامات مأموري الضرائب العقارية، ولم تكن
التلبية من قبيل الحرص علي أحد، وكانت حفاظا علي النفس وعلي
العائلة من غضب مستفحل، أوشك أن يتحول إلي طوفان يكسح كل
شيء. ويتدخل فقط عند الإحساس بالخطر، وحين نبهه وزير
الداخلية إلي ما يمكن أن يترتب علي قرار جمال مبارك بإلغاء
الدعم عن السلع الشعبية، جمد الخطوة مؤقتا، واستمر في
الإغداق علي رجال الأعمال، ودعم الصادرات التي تذهب للدولة
الصهيونية، ولو توقف هذا لاغتني أهل مصر جميعا، ففروق دعم
النفط والغاز المصدر للدولة الصهيونية، تقدر بعشرات
المليارات من الجنيهات، ومنح رجال الأعمال، تصل إلي عشرات
المليارات الإضافية، وهي في صور إعفاء ضريبي، لمدة عشر
سنوات، لمشروعات يسمونها استثمارية، وتخفيض دائم في ضرائب
أرباح الأٌغنياء والمحتكرين، لتنزل إلي 22% بينما هي في
بريطانيا، ومنذ عصر مارغريت ثاتشر انخفضت من 60 إلي 40%،
وتصل في الدول الاسكندنافية إلي 70% ، والضرائب تمول الخدمات
وترتقي بها، أما حكم يحرم الشعب من حق الحياة والتعليم
والعمل والرعاية الصحية والاجتماعية، ويغدق علي المترفين
والمتبطرين، ويتركهم يعيثون في الأرض فسادا، فلا أمل فيه ولا
رجاء. ولا يفيد معه ترقيع أو ترميم. ولا يبقي غير الثورة،
والناس، في مصر، يسألون متي موعدها؟ ومن سيفجرها؟ وبدا الكل
منتظرا لساعة صفر متوقعة.. فهل تأتي؟