مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 مصر: انقسام النخبة الحاكمة بين معارض للتوريث ومؤيد للتمديد
...............................................................

محمد عبد الحكم دياب
........................


رغم عوامل الإحباط الناجمة عن غموض مستقبل الحكم فالواضح أن مصر انتقلت من حالة الحراك السياسي التي بدأت من 2004 إلى مرحلة الفوران الوطني. وهي الآن تشق طريقها عنوة بحثا عن ضوء في نهاية نفق مظلم. تسير فيه البلاد في ظروف استثنائية. وإذا ما اتجه هذا الفوران صعودا فالنهاية المأمولة بانتقال الحكم بشكل سلمي وبأقل الخسائر الممكنة تكون متوقعة. أما إذا خرج عن مساره فسوف يقود إلى المجهول وإلى نفق أشد ظلمة من النفق الحالي. هذا التحول يأتي مصحوبا بيأس بالغ يخيم على فريق التوريث ومؤسساته. والسبب يكمن في الحصار المضروب من الرأي العام، الرافض وغير القابل به، على أصحابه وأنصاره.

وصار الموقف الشعبي من التوريث متشابها إلى درجة التطابق مع الموقف من التطبيع. فثلاثون عاما مرت على معاهدة كامب ديفيد وما زال التطبيع محصورا في الفئات المعادية للتطلعات المشروعة للشعب. وبين الشرائح التي ربطت مصالحها مع المنظومة الصهيو غربية، وهي منعزلة تعيش داخل مستوطنات وحصون. وليس من بينهم من هو قادر على التواصل مع الناس. إذا تحدث إليهم تحدث من وراء حجاب. بعد أن ودعت مصر في عصرهم ذلك الزمان الذي كان الحاكم يذوب في بحر من البشر وهو مطمئن آمن.

والانطباع السائد هو تغييب شبه كامل للشعب والشارع من سيناريوهات التغيير. من طرف النخبة السياسية الموزعة في جزر عدة، أغلبها مخترق بالمال والأمن والتدخل الخارجي. فضاقت الاختيارات لحل أزمة الحكم المستعصية. ولا خلاف يذكر بين المسؤولين والسياسيين الرسميين والمعارضين بعد أن حصروا الخيارات في خيارين. التمديد كخيار للحرس القديم وأنصاره. والتوريث، كمطلب لفريق التوريث ومؤسساته، في سعيه إلى دفع الوريث إلى مقعد الرئاسة دفعا. اعتمادا على نفوذه وتحكمه في مفاتيح القرار المالي والاقتصادي والأمني والحزبي والتنفيذي. وتبدو مؤسسات الوراثة على قناعة بقدرتها على فرض جمال مبارك حتى لو أدى ذلك إلى عزل الأب من منصبه وتجريده من صلاحياته، إذا استعصى الأمر عليها. ومع ذلك فشلت في ضغوطها لحل مجلس الشعب وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية بالسرعة المطلوبة. وهذا الاستعجال أضحى مصدر قلق للأب، فقد يكلفه حياته. وفي التاريخ المملوكي قصص عن صراع الأبناء مع الآباء والزوجات ضد الأزواج على مقاعد المُلك والسلطان. وفي ثمانينات القرن الماضي حدث شيء من هذا القبيل في تونس. حين تطلع الحبيب بورقيبة الإبن إلى وراثة حكم والده، وتلاه طموح الزوجة الراحلة وسيلة بورقيبة. تمكن الرئيس التونسي الراحل من إجهاض تطلع ابنه وكان وقتها ما زال قويا وعفيا. وفي تصديه لابنه أساء إليه في نسبه وشكك في بنوته. أما حين اكتشف طموح الزوجة كان المرض قد أنهكه وحد من قدرته على المجابهة.

وانقسم القصر الرئاسي إلى كتل وفرق تتربص كل واحدة بالأخرى. بدأ ذلك صمتا ورصدا، ثم اعتاد المتصارعون داخل القصر على العمل السري والتآمر. واتخذوا من الرئيس المريض ستارا تخفى وراءه المتربصون. وضعفت الرئاسة شيئا فشيئا، مما أفسح الطريق للتغيير في شكله الأمني الذي تم في ذلك الوقت.

ومشكلة الوريث المصري هي في نظرة الناس إليه، فهم لا يرونه مؤهلا، ولا يشعرون بأدنى تعاطف تجاهه. ويرى البعض، مثل أيمن نور، أن خبرته لا تؤهله لأكثر من رئاسة بنك. في تصريح لـ'القدس العربي' في 23 حزيران/ يونيو الماضي، مع أنها وظيفة أكبر من قدراته، من وجهة نظرنا. وهذا ليس عملا مصرفيا وأبعد ما يكون عن الحكم والسياسة، ونهج السمسرة والمضاربة وقف وراء قرار عاطف عبيد ، رئيس الوزراء السابق، بتعويم و تخفيض قيمة الجنيه المصري ، وهو نفس النهج الذي حكم الخصخصة وصولا إلى مشرورع الصكوك لا لتهام ما تبقى من ملكية عامة وأصول مملوكة للدولة والمجتمع. وصار هذا النهج فلسفة للحكم، وأساسا لما يسمى بالفكر الجديد، وقاعدة لسلوك رجال الوريث ومؤسساته.

وهذا أقلق جناح داخل الحكم نفسه، خاصة ما يعرف برجال الحرس القديم. من جانبهم شجعوا خيار التمديد للأب ردا على خيار توريث الابن. وانقسمت النخبة الحاكمة ومعها قطاعات من المعارضة إلى فريقين. واحد مع التمديد والآخر مع التوريث. والخيارات الأخرى لم ترق بعد إلى مستوى أي منهما. وفي سياق التمديد بدأ الحديث يثور حول القوات المسلحة، كطرف قادر على تجنيب البلاد الدخول في دوامة المجهول، ووجد الحديث صدى لدى من لم يكتشف بعد حجم التحولات والتغيرات التي ضربت في عمق مؤسسات القوة. ولم يحسب أحد حسابا لجهاز الشرطة، على أساس أنه جهاز مدني وليس عسكريا، وهذا صحيح، إلا أنه في ميزان القوة أقوىِ عددا وفعلا من القوات المسلحة. فطبيعته البوليسية وصلاحياته الواسعة الممنوحة له بقانون الطوارئ ونظام إعداده النفسي والتربوي العنيف. القائم على التحقير من المواطن جعل منه تنينا ينشر النار والدمار والرعب في كل مكان، متفوقا بذلك على أي قوة أخرى.

 وهذا فتح باب الاحتمالات أمام ما يمكن تسميته بـ'الحل البوليسي'.
المستند إلى قوة ضاربة ومتوحشة. تصل إلى مليون وأربعمئة ألف شخص، وهو ما يساوي أربعة أضعاف عدد القوات المسلحة، وتملك من الأسلحة والعتاد ما يمكنها من السيطرة وفرض الحاكم القادم بالقوة. والغريب أن هناك ما يشبه الإجماع على استبعاد هذا الاحتمال. في وقت فتحت فيه مصر على احتمالات قد لا يتوقعها أحد.  قد تفرض نفسها بصدمة المفاجأة، أو تتسلل إلى الناس بتيه الدهشة. ويبدو أن رهان رجال الأعمال الذين يحكمون البلاد، ومؤسساتهم هو على جهاز الشرطة، وليس بينهم من يعول على المؤسسة العسكرية. فهم لا ينسون ثأرهم معها، كمؤسسة فتحت الباب للتغيير الذي طرد الاحتلال، وأطاح بالملك، وقضى على الإقطاع، وصفى الرأسمالية.

إذن ما زال هناك من يرى في القوات المسلحة القدرة على الحسم في الوقت المناسب. وهم على عكس رأينا بأنها أقل نفوذا من الشرطة في وقتنا الراهن . وتراجع الرهان على الشارع. وكان الغرب قد راهن عليه في تفجير الثورات الملونة في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وحاول استئنافها لتقويض الحكم الإيراني في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأخيرة. والانطباع الذي لدينا أن رهان النخبة المصرية على الشارع انحسر. وإن كانت حركة 'كفاية' وأخواتها قد كسرت حاجز الخوف. يبدو أن ما بقي منه ما زال مانعا للفعل الحاسم والمؤثر، وتغييب الشارع يعكس انفصاما واضحا تعاني منه النخبة في علاقتها مع الجمهور. فهي من جانب لا تقر بعجزها وتكابر، وعلى الجانب الآخر تصب جام سخطها على الناس وتلعنهم ليل نهار وكأنها مبرأة من التقصير. بالإضافة إلى أن الشارع يعاني قدرا كبيرا من الإعاقة بتأثير فكر تقليدي. لا يرى جدوى من الرهان على الناس، الذين عليهم أن ينصاعوا لـ'أهل الحل والعقد'، وهم رجال الدين والأئمة دون سواهم، من مفكرين ومثقفين وسياسيين وخبراء وبرلمانيين وقادة المجتمع وحكماء الناس. ومنهم من يتوجس من الناس. ومع كل هذه التعقيدات يبقى الفوران الشعبي واردا. وقد يفاجأ الجميع بموقف غير متوقع. فمن رفضوا التطبيع وحاصروه في حدود الانعزاليين والمتأمركين والمتصهينين هم أنفسهم الذين يقاومون التوريث، فمن رفض التطبيع لن يرغم على قبول التوريث.

ومن بين من لا يراهنون على الشارع هناك من يرى الحل في التدخل الخارجي. المطروح بشدة بين الغارقين في مستنقع التبعية، وكلهم رغم ما بينهم من خلاف يعولون على دور أوروبي أمريكي صهيوني يمنحهم على مُلك مصر.

من الصعب إنكار تأثير دور القوى الخارجية على الأوضاع الداخلية، خاصة لو كان بينها من هو بحجم الدولة الأعظم والأغنى في العالم، وبوحشية الدولة العنصرية والكيان الاستيطاني الأشرس في العصر الحديث. ليس في مقدور أي منهما أو كليهما معا حسم قضية التغيير، فالتدخل الامريكي والضغط الصهيوني لدعم مرشح من المرشحين للرئاسة او إزاحة آخر يجلب النقمة والسخط على من يطلبه.

فمستوى الكراهية المتأصلة في النفوس للسياسة الأمريكية وللارهاب الصهيوني أساس رفض حكم عائلة مبارك. لم تستطع الولايات المتحدة ولا الحركة الصهيونية بأوجهها اليهودية والمسيحية، وبكل أجهزتها العلنية والسرية ومليارات الدولارات التي صرفت على تشويه التاريخ وإلغاء الذاكرة وطمس الهوية، كله لم يثن الغالبية العظمى عن مواقفها. ما زالت تحن إلى زمن التحدي والتحرر والاستقلال والوحدة، وإلى رمز ذلك الزمان جمال عبد الناصر. وتواجه التطبيع والمطبعين، وتسعى إلى مساندة الفلسطينيين. كان موقفها الداعم لأهل غزة صادما لأجهزة الرصد الغربية والصهيونية وهي ترى المعارك اليومية الضارية لصد المصريين الزاحفين نحو غزة بالدواء والمؤن والمتطوعين.

وكل ما فعلته الدولة الصهيونية أنها طلبت من الإدارة الأمريكية التوقف عن الضغط على عائلة مبارك. و استجاب البيت الأبيض بالفعل ، ليثبت أن ما يحدث من خلاف لا يتجاوز حدود 'ضرب الحبيب' الذي لا يصل للعداء أو القطيعة المؤقتة أو الدائمة.

والوريث قادر، من وجهة على النظر الأمريكية الصهيونية، على ضمان استقرار الحكم المصري. وأكدت الصحف الصهيونية مسعى تل أبيب وواشنطن لنقل السلطة من الأب إلى الابن بصورة سلمية للحفاظ على العلاقات القوية بين تل أبيب والقاهرة. وتعمل الجهات الصهيونية المعنية على إشعار الوريث بفضلها في تقلده المنصب الرئاسي، ليمنحها مقابله التزامه صارما بالحفاظ على العلاقات المصرية الصهيونية على ما هي عليه، وقد أشارت إلى ذلك صحيفة 'معاريف' الاسبوع الماضي. وأضافت أن هناك متابعة حثيثة على المستويين الامني والسياسي في الدولة الصهيونية للوضع في مصر من أجل العمل على نقل السلطة الى خليفة حسني مبارك بشكل سلس.

ومن تزكيه تل أبيب ولا يعبأ بشعبه ويسقطه كاملا من الحساب فلا مكان لباعة الوطن وسماسرته. وعلى النخبة أن تحسب حسابها، وتتوجه إلى الناس قبل فوات الأوان. فالناس في حاجة لرموز وقادة يتقدمون الصفوف يثيرون فيهم النخوة ويهيئونهم للحظة تغيير قادمة لا محالة. وإلا فإن احتمال الفوضى والتفكك هو الأرجح.

 

12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................