 |
|
 |
| |
أسلحة الحرب ضد الشخصية الوطنية والهوية القومية للمصريين
...............................................................
محمد عبد
الحكم دياب
.........................
حرب طمس الشخصية الوطنية وتشويه الهوية القومية للمصريين من
جانب الانعزاليين مشتعلة ومعاركها محتدمة. وهم في ما أنجزوا
حققوا ما عجز عنه الاحتلال الأجنبي والغزو الخارجي، الذي
تعرضت له مصر على مدى قرون. والمشكلة هي أن هذه الحرب، التي
تدور رحاها داخل مصر وبين أناس يعيشون على أرضها ومحسوبين
عليها تقابل بالتهوين والتقليل من حجمها وخطره. بجانب هذا
التهوين هناك تهويل يغطي على الحقائق ويمنع الاقتراب منها.
والجهدان يصبان في المجرى الانعزالي الذي يتسع يوما بعد يوم.
المهونون يقولون بمسلمات تتكفل بحماية الشخصية الوطنية
وتحصين الهوية القومية دون حاجة إلى جهد كبير يواجه ذلك
الحلف غير المقدس، الذي يصوب مدافعه وقاذفاته إلى عقول
وأدمغة المواطنين. وهو حلف يضم التطبيعيين والطائفيين إلى
جانب الانعزاليين. وتحفظنا على هذا النهج يعود إلى ما جرى
لهذه المسلمات من اهتزاز في النصف الأول من سبعينات القرن
الماضي ثم سقوطها نهائيا في نصفه الثاني حين أقدم السادات
على زيارة القدس المحتلة والاعتراف بالكيان الصهيوني. وقبل
عصر سقوط المسلمات كان مجرد التفكير في الاتصال بالدولة
الصهيونية جريمة كبرى من جرائم الخيانة العظمى. وكان هذا
التفكير يوصف في ذلك الزمن بأنه كالمستحيلات الثلاثة (الغول
والعنقاء والخل الوفي). ووضع في مقام المستحيل الرابع.
وكثيرا ما أفضت هذه المسلمات إلى التواكل وجنحت أحيانا إلي
بعض التنطع. وتحت وطأة الصدمة وهولها ساد تصور يقول بأن رد
الفعل الشديد قادر على إجهاض عمل السادات في المهد.
ومرت الصدمة ولم يجهض العمل حتى صار عنوانا رئيسيا على أي
جدول أعمال مصري أو عربي أو دولي. واتسعت دائرته وزاد عدد
أنصاره. وكشفت الأيام أن حقائق القوة وتداعيات الحدث وحركته
الذاتية أضعفت القدرة العامة على الفعل، أو محاسبة مقترف ذلك
الجرم وعقابه. وتلاشت هذه القدرة تدريجيا بعد التحولات التي
شهدتها المنطقة ومر بها العالم منذ ثمانينات القرن الماضي
وحتى الآن، وبدا فيها واضحا أن الاغتيالات لا تغير من الأمر
شيئا. فالواقع الذي تشكل بعد اغتيال السادات كان الأسوأ بكل
المعايير. فيه تحولت مصر الرسمية من المقامرة على وهم السلام
إلى حاضن للمشروع الصهيوني وأداة من أدواته الأخطر على مدى
التاريخ. وبعد انتهاء عصر المسلمات ما زال بيننا من يتحدث
عنها ويراهن عليها.
أما المهولون فلا يرون إلا العوامل والجهود الخارجية. وهذا
وإن كان صحيحا في مجمله إلا أنه يتجاهل دور الحلف غير المقدس
في الداخل وما يقوم به من جهود وعمل مكثف بين المصريين.
كثير من المهولين تحكمهم نظرة شوفينية تنزه المصريين عن
اقتراف الانحرافات والجرائم والحماقات. كأنهم قوم كتبت لهم
العصمة دون الآخرين، فنسوا أنهم مثل باقي البشر. فيهم الصالح
والطالح، وبينهم النزيه والفاسد، وداخلهم الوطني والخائن،
وبعضهم مقاوم والبعض الآخر مغلوب على أمره، وينقسمون إلى
شجعان ومتخاذلين. ومنذ أن انحرف الحكم عن جادة الطريق الوطني
تحكم الطالح والفاسد والخائن والمغلوب على أمره والمتخاذل.
تحكم كل هؤلاء في المصائر والأرزاق، وشكلوا منظومة الحكم
الراهن باستبداده وقمعه وفساده ونهبه وتبعيته. وما كان للدور
الخارجي أن يؤتي أكله دون مساعدة هذا الحلف غير المقدس،
ولولاه ما كانت مصر قد انهارت هذا الانهيار المريع. أصبح في
مصر من يتبرأ من انتمائه، ومن يفخر بخيانته، ومن يسخر من
هويته، ومن يزدري دينه. ووجد كل هؤلاء أن مصلحتهم في إعادة
إنتاج القبطية بديلا عن الوطن والأمة والدين. وقد أفضنا في
هذا كثيرا. ويلزمنا إلقاء قدر من الضوء على الأسلحة
المستخدمة في هذه الحرب القذرة. وأهمها سلاح التعليم. وكان
في السابق طريقا للعلم والوعي والمعرفة والاستنارة والحراك
الاجتماعي والاقتصادي للفرد والمجتمع. وكانت برامجه آنذاك
تحض على الانتماء وتحث على تحصين الهوية. والمسؤولون عن
التعليم وعلى مدى ما يزيد على ثلاثة عقود يقومون بالعكس
ويتولون تخريبه بشكل منظم وممنهج. بداية من المدرس ثم المبنى
وانتهاء بالعملية التعليمية ذاتها. تدنى مستوى المدرسين
وتحول كثير منهم لباعة متجولين، سلعتهم الدروس الخاصة،
وحضورهم للمدرسة هدفه ترويج هذه السلعة بين أكبر عدد من
التلاميذ. والمبنى المدرسي افتقد مقوماته وصلاحيته. غابت فيه
مستلزمات التدريس ووسائل الإيضاح والمعامل والمرافق الضرورية
للعملية التعليمية. وهو أشبه بوسائل نقل عشوائية يستخدمها
الفقراء ومتوسطو الحال. هي 'الميكروباص' و'التوك توك'. لا
تصلح للاستخدام الآدمي ولا حتى الحيواني. سائقوها هم الأكثر
استهتارا وتهورا وبلطجة. اعتادوا على تعاطي المخدرات،
معتمدين على نفوذ ملاكها من أمناء الشرطة، وعلى الإتاوات
التي يدفعها السائقون لزملائهم من غير هؤلاء الملاك.
ولا يتسع المجال هنا للحديث عن حوادث القتل والاغتصاب التي
استفحلت مع انتشار هاتين الوسيلتين. هكذا هي أحوال المباني
التعليمية العامة. يستثنى منها تلك المعدة لاستقبال عائلة
مبارك وزياراتها، وكثيرا ما يتم استبدال تلاميذها من أبناء
القاطنين في العشوائيات والفقراء بآخرين من المدارس في
الأحياء المتوسطة والراقية. فتطلى الجدران وتنظف الفصول
وتُجمّل الطرقات بالأشجار والورود، التي تقتلع وتزال فور
انتهاء مغادرة مبارك الأب أو الزوجة أو الابن، إعمالا لنهج
الزيف الذي يحكم الحياة الرسمية في أرض الكنانة، وتأففا
واستكبارا على الفقراء وأبنائهم.
أما العملية التعليمية ذاتها فيكفيها أنها بعدما كانت حقا
مشاعا ومشروعا لكل مواطن وخدمة تتكفل بها الدولة، صارت تجارة
وسلعة، فانتشر التعليم الخاص والاستثماري، بدءا من مستوى
الحضانة حتى السنوات النهائية بالجامعة. وهذا الاستثمار دخله
تجار مخدرات وسماسرة ومقاولون ولصوص أراض وأعضاء بمجلسي
الشعب والشورى وأعضاء بلجنة جمال مبارك المعروفة باسم لجنة
السياسات. التعليم لدى هؤلاء دجاجة تبيض ذهبا. لا يهم فيها
المعايير القياسية المحلية والدولية للجودة والسلامة. ومصر
بها أهم مركز من مراكز الأمم المتحدة في 'سرس الليان'
بالمنوفية معني بهذه المعايير. وفيها كبار التربويين المشهود
لهم عربيا وعالميا، وعلى رأسهم شيخهم حامد عمار.
وزاد انتشار الجامعات الأجنبية كالفطر. وتقوم بتدريس مناهج
وبرامج بلدانها الأصلية. فالمدارس الانكليزية والجامعة
البريطانية لا شأن لها بالمنهج المصري ولا بالتاريخ الوطني
والقومي، وهكذا المدارس والجامعات الفرنسية والإيطالية
والاسبانية والأمريكية والكندية واليونانية والإسرائيلية.
كلها بلا استثناء تلقن التلميذ المصري بأن تاريخه توقف عند
القرن السابع الميلادي فور خروج الاحتلال الروماني ورحيل
الجاليات اليونانية والمقدونية واليهودية معه. وقد افضنا في
ذلك طوال الأسابيع الثلاثة الماضية. وهذا يعني بأن بلده بلا
شخصية، ووطنه بلا هوية. وعليه أن يقر بأنه مجرد شخص في جماعة
أو قبيلة أو طائفة، تتناحر، وعليها أن تطلب الحماية من الدول
والكتل الغربية والدولة الصهيونية. ومن خلال هذه المؤسسات
التعليمية تقوض القيم الداعية لحماية الشخصية الوطنية
والمحفزة على تأكيد الهوية القومية. ويراد لمنطقة بها أقدم
الشعوب والحضارات أن تختزل في مكونات صغيرة تكون سهلة القضم.
لا تقدر على صد غزو أو استيطان أو احتلال أو هيمنة من أي
نوع.
وبرامج تعليمية من هذا النوع تهتم بإعداد الكتبة والسماسرة
والباعة وخدم الفنادق والمنتجعات، وتحد من أعداد المقبلين
على دراسة الهندسة والطب أو ذوي الاختصاص العلمي والإنساني
العالي. والمطلع على هذه البرامج يجد أنها كاشفة للزيف
الديمقراطي. فالديمقراطية كما يفهمها الواعون وذوو الاستنارة
ليست للتفكيك أو التقسيم بل هي للمشاركة وتداول السلطة
والاحتكام لصناديق الانتخابات، ونشر ثقافة التسامح والمصلحة
المشتركة والتعاضد بين المكونات السياسية والاجتماعية
والثقافية في الوطن الواحد ليعيش مواطنوه في أمان وسلام
واستقرار. وعلى العكس تماما فإن ما يقوم به الغرب في بلادنا
لا علاقة له بالديمقراطية أو الأمان أو السلام أو الاستقرار.
وحصروا مهمة الحكم في مصر في العمل على إضعاف التماسك الوطني
ودعم المشروع الصهيوني وتوفير الأمن والحماية لدولته.
وتركز برامج التعليم الأجنبية على أن مصر وما يحيطها من
العرب ليسوا أمما ولا شعوبا إنما جماعات مختزلة في قبائل
وطوائف ومذاهب وأديان، مع ما لمصر من موقع جغرافي وسياسي
متميز يضعها في قلب العالم ووسط إقليم عاشت فيه أقدم الشعوب
وقامت فيه أعظم الحضارات وظهرت فيه الأديان السماوية الكبرى.
وهذا الثراء التاريخي والحضاري أصبح من أسباب طمس الذاكرة
الوطنية. فسكان بلا تاريخ وبغير ذاكرة هم والعدم سواء.
والأمل هو أن يبقى الكيان القومي (العنصري) الوحيد في
المنطقة هو الكيان الصهيوني رغم ما به من اصطناع وادعاء
واغتصاب للأرض من أصحابها وإبادتهم وتهجيرهم. هنا استحضر
تعليق قارئ عراقي على مقال العدد الماضي، قال: بعد الغزو
الامريكي للعراق بدأت أصوات ترتفع خارج العراق وداخله حول
إعادة التوطين . بمعنى طرد عرب العراق الذين يشكلون 80' من
السكان إلى الجزيرة العربيه . وهذه الأصوات سمعت هذا الكلام،
كما يشير القارئ، من خبراء امريكيين كانوا يزورونهم في
بيوتهم ويبلغونهم بهذه المخططات ونية الادارة الامريكية في
تطبيقها. وهناك من صدقها. كأن الشعوب سلعة تصدر من مكان الى
آخر حسب الطلب. وختم تعليقه بالقول ان الذي يُسَفّر من
العراق هم الغزاة وجيوش الاحتلال وليس الشعب الذي عاش على
هذه الارض وحماها لآلاف السنين .
ولا يمكن الحديث عن التعليم دون العروج على الثقافة كمصدر
للمعرفة وترسيخ القيم الإيجابية والمعنوية. وترعى مؤسسات
الثقافة والإْعلام الرسمية الأقلام وأصحاب الأفكار
الانعزالية وتغدق عليهم وتنشر كتاباتهم وإنتاجهم وتمنحهم
الجوائز الكبرى عليها. وقصر حديثنا على التعليم والثقافة
فذلك بسبب ما فيهما من خطورة إذا ما أسيء استخدامهما. ولا
يعني هذا نسيان أسلحة المال والاقتصاد والسياسة والحملات
النفسية والدعاية والأكاذيب وعمليات التشويه، ولا إغفال دور
مؤسسات دينية بعينها (الأزهر والكنيسة المصرية) أو تأثير
الجماعات الطائفية خاصة حركة المسيحيين المصريين في أمريكا
وكندا واستراليا، المعروفة باسم أقباط المهجر. وهؤلاء
متورطون سواء وعوا أم لم يعوا في مخطط تفكيك مصر وطمس
هويتها. ومؤخرا أضحى التوريث واحدا من أهم ركائز المد
الانعزالي وترسيخ قواعده.
12/02/2011
مصرنا ©
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|