مصرنا


مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الامريكية عن المركز الامريكى للنشر الالكترونى .. والاراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
رئيس التحرير : غريب المنسى
............................................................................................................................................................

 
 

 ورحل مراد غالب
...............................................................

بقلم : محمد عبد الحكم دياب
.........................

رحل في الثامن عشر من ديسمبر الماضي أحد أبرز شخصيات مصر والعرب والعالم، من الذين أبلوا بلاء حسنا في الدفاع عن الحقوق المشروعة للشعوب والأمم، في التحرر والتقدم والاستقلال والسيادة علي أراضيها، وكذلك حق مصر والأمة العربية في التحرر والعدل الاجتماعي والوحدة، وأنتهز فرصة رثاء هذا الراحل العظيم مراد غالب، لإذاعة سر استمر حبيس الصدور لثلث قرن من الزمان، وفي هذا السر يمتزج الخاص بالعام، والشخصي بالموضوعي.

وقبل ذلك علينا أن نتيح للأجيال الجديدة فرصة التعرف علي بعض سيرته الوطنية والإنسانية المتميزة. فصغار السن ومتوسطو العمر قد يعرفونه رئيسا لمنظمة التضامن الآسيوي الإفريقي، وشخصية ذات باع طويل في مساندة حركات التحرير ومعاداة الاستعمار والاستيطان والعنصرية، أما الأكبر سنا يعرف أن سيرته بدأت مع انخراطه في صفوف الحركة الطلابية، وهو يدرس الطب في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن)، وكان ذلك في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي، وهي فترة وصول المد الوطني إلي ذروته. فمصر كانت تغلي وتقاوم الاحتلال، وتسعي للاستقلال والخروج من دائرة التبعية، ونفوذ المندوب السامي البريطاني، والتصدي لانحراف الحكم، وفساد العائلة المالكة.

ولما قامت ثورة 1952 احتل موقعه في طليعة مناصريها ورجالها، ومن سنواتها الأولي اتخذ موقعه عاملا تحت قيادة جمال عبد الناصر، بدأ مديرا لمكتبه، وانتقل إلي وزارة الخارجية وكيلا لها، بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة، ثم عين سفيرا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وكانت تعرف بالكونغو ليوبولدفيل، إثر استقلالها عن بلجيكا، ومن موقعه هناك خبر وحشية الاستعمار مع شعوب ودول إفريقيا عن قرب، ووجد أن النموذج البلجيكي هو الأبشع والأكثر توحشا، وتابع المأساة الكونغولية، وشهد تدخل القوي الاستعمارية الأخري ومساندتها لبلجيكا، وتعرضت حياته للخطر، بسبب الدور الذي اضطلعت به الجمهورية العربية المتحدة وقواتها العسكرية، المشاركة ضمن قوات الأمم المتحدة، بقيادة العقيد سعد الدين الشاذلي (الفريق فيما بعد)، هو نفسه الذي قاد عبور 1973، وذهب المناضل الإفريقي العظيم باتريس لومومبا، وكذلك أمين عام الأمم المتحدة الأسبق، داغ همرشولد، ضحية هذا التدخل.

وحين ذهب مراد غالب سفيرا في موسكو انتقل بالعلاقات مع الاتحاد السوفييتي نقلة كبري، وأثبت أن الخلاف الأيديولوجي والتباين في العقائد السياسية لا يعوق ولا يمنع ازدهار العلاقات بين الدول، فالعلاقة مع الاتحاد السوفييتي نمت وازدهرت علي الرغم من خط الجمهورية العربية المتحدة المستقل. لم تكن منتمية إلي الكتلة الشيوعية، ولم تكن منضوية في حلف وارسو، وفي الفترة التي كانت العلاقات السوفييتية متوترة مع دول تحمل نفس الأيديولوجية الماركسية، مثل الصين ويوغوسلافيا، كان العكس مع الجمهورية العربية المتحدة، بأيديولوجيتها القومية العربية. وحقيقي أن شخصية عبد الناصر، ووزنه العربي والعالمي كانت السبب الرئيسي، إلا أنها ما كان يمكن أن يكون لها هذا التأثير دون سفراء ومساعدين من ذلك المستوي الرفيع، وكم حكي لي الأخ والصديق العزيز عبد الوهاب الزنتاني، سفير ليبيا في موسكو، في سبعينات القرن الماضي، عن دور مراد غالب في تطوير العلاقة مع السوفييت، واعتبره، هو وآخرون، أنه مهندس العلاقات العربية ـ السوفييتية عن جدارة. وكان رجل المهمات الصعبة. فحين ذهب إلي موسكو، كانت الغيوم ملبدة في سماء العلاقات، بسبب حبس الشيوعيين المصريين والسوريين لوقوفهم ضد الوحدة وتأييدهم خالد بكداش، زعيم الحزب الشيوعي السوري، في عدائه لقيام الجمهورية العربية المتحدة، ومساندتهم لعبد الكريم قاسم في موقفه الانفصالي، الذي حال دون التحاق العراق بدولة الوحدة. تغلب علي كل هذا، وحال دون تحول التوتر إلي قطيعة، وكان لهذا ظلال، منها ما ظهر أثناء زيارة خروشوف لأسوان وحضور تحويل مجري النيل، سنة 1964، وكانت المرحلة الأولي في بناء السد العالي، وفيها احتك الزعيم السوفييتي بالرئيس العراقي الراحل عبد السلام عارف، لموقفه من الشيوعيين العراقيين، وعلي الفور تدخل عبد الناصر، مدافعا بقوة عن ضيفه العراقي الكبير.

وكان وعي الراحل مراد غالب بخطر المخططات الغربية والصهيونية وحصار الجمهورية العربية المتحدة، وتضييق الخناق عليها، وعقابها علي قيادتها لحركة القومية العربية وحركة التحرر العالمية، كان وعيه هذا هو الذي أدي به إلي تكريس دوره للارتقاء بالعلاقات العربية ـ السوفييتية، في ظروف حرب باردة شديدة الوطأة، وحركة عدم الانحياز تشق طريقا صعبا وسط الأنواء والأعاصير، وهي ظروف أثرت عليه وصاغت دوره وعلاقاته فيما بعد رحيل عبد الناصر، وانتقال مصر من الاستقلال والتعاون مع الاتحاد السوفييتي وقيادة حركة عدم الانحياز، إلي التبعية والانحياز والعمل لحساب السياسة الأمريكية والغربية والصهيونية. وحين شعر الفقيد بمغازلة أنور السادات للولايات المتحدة، حذر من عواقب طرد الخبراء السوفييت، وعندما تقرر إبعاده عن مسؤوليته كوزير للخارجية، اختار أن يكون وزيرا مقيما في ليبيا، وكانت ليبيا عضوا في اتحاد الجمهوريات العربية، ضم مصر وسورية وليبيا، وقصة هذا الاتحاد تستحق التسجيل، حيث استغل السادات الحماس الليبي للوحدة، في ذلك الوقت، لتصفية حساباته الداخلية، وعن طريقه صفي الوحدويين والناصريين وأخرجهم من الحكم واعتقلهم، وحكم علي عدد منهم بالإعدام، وعدد آخر بالسجن لمدد مختلفة، وباركت القيادة الليبية هذه الأحكام، بعد أن انطلت عليها مسرحية ادعي السادات، من خلالها، أن الوحدويين والناصريين يعملون علي تعطيل قيام الدولة الاتحادية الجديدة، وهناك تفاصيل كثيرة في هذا الشأن لا يتسع المجال لذكرها. وندخل إلي صلب السر المراد كشفه اليوم، وسوف نجده مرتبطا بفترة عمل الفقيد الكبير في طرابلس الغرب. ففور وصوله إلي العاصمة الليبية، وجه لثلاثة مصريين عاملين في ليبيا، كنت واحدا منهم، دعوة علي الغداء في منزله، وكان ثلاثتهم يعملون في الإذاعة والتليفزيون الليبي هم: محمد أبو الفتوح، الذي كان يعمل في إذاعة صوت العرب ، وتم نقله بعد انقلاب ايار (مايو) 1971 إلي وزارة التخطيط، وصبري ياسين، وكان مذيعا في البرنامج العام بالإذاعة المصرية، ونقل هو الآخر إلي وزارة التربية والتعليم، وكاتب هذه السطور، والتقينا نتداول في أمر الدعوة ومغزاها، وسأل بعضنا بعضا، هل منا من التقي هذا الوزير أو تربطه به علاقة؟ وكانت الإجابة بالنفي. ولم نستطع تخمين السبب. المهم تمت تلبية الدعوة، وذهبنا إلي بيته القريب من قصر الشعب، في الموعد المحدد، وكان الثانية ظهرا علي ما أتذكر، فاستقبلنا بترحاب وابتسامة عريضة، وفور جلوسنا أخذ يسأل عن أحوالنا وظروفنا، ومن جانبه بادر بالتطرق إلي أوضاع مصر وظروفها وقلقه علي مستقبلها!!.

كل هذا ونحن نتطلع إلي أي إشارة تكشف السبب وراء هذه الدعوة الخاصة، ولم يطل الانتظار فيبدو أنه قرأ في أعيننا تساؤلا يبحث عن إجابة. ابتسم قائلا: بالقطع تودون معرفة سبب دعوتكم سويا؟ سأل ورد علي السؤال بقوله: أنا أولا الذي سعيت للتعرف عليكم، وثانيا هناك سبب آخر، وحكي أنه أثناء مشاركته في جلسة لمجلس الوزراء، الذي كان يرأسه السادات في ذلك الوقت، وكان هو وزيرا للخارجية، قبيل تعيينه في طرابلس مباشرة، ترددت في الجلسة أسماؤكم الثلاثة، وعقب السادات عليها بقوله: بس العيال دول يقعوا تحت إيدي ، والمعني باللهجة المصرية يحمل وعيدا وانتقاما إذا ما وقعنا في قبضته، وحكي الراحل الكبير مدي القلق الذي شعر به من هذا التعليق، وأردف: أنا أعرفه، يقصد السادات، عندما يقول مثل هذا الكلام فإنه يعنيه، ومعني ذلك أننا في خطر. وواصل القول: إذا كان فيكم من يفكر في السفر إلي مصر فليؤجل ذلك الآن!
استمرت الجلسة بعد الغداء بودها وحميميتها لمدة تجاوزت الساعتين، خرجنا بعدها ونحن نحمل جميلا وتقديرا زائدا لهذا الرجل العظيم، فهو أولا لم يتأثر بعملية التشويه التي شنت علينا وعلي غيرنا، وتأثر بها كثيرون، من بينهم زملاء كانوا عندما يحضرون إلي طرابلس، ثم بعد ذلك إلي لندن، يتجنبون الاتصال بي، حتي أن واحدا منهم، وكان وقتها الوكيل الأول لوزارة الإعلام، قابله صديق مشترك في وسط لندن، وسأله إن كان يرغب في السلام عليّ، فأشاح بوجهه وهرول مسرعا!! وأنه ثانيا بدا مقدرا لمواقفنا، وإلا ما كان قد خاطر، وهو الشخص المسؤول في حكومة السادات، بالاتصال ودعوتنا إلي بيته وتحذيرنا من انتقامه، وأنه ثالثا أراد بهذه الدعوة الخاصة رفع التكليف بيننا وبينه، باعتبارنا نحمل هما وطنيا وعربيا واحدا، أيا كانت المواقع ومهما تباعدت المسافات، ورجل مثله يغلب الجانب الإنساني والأخلاقي علي الجانب السياسي والمصلحي، لرجل عظيم بكل معني الكلمة. ولو كان منا، لا قدر الله، من أفشي السر، فماذا يمكن أن تكون النتيجة؟ وحمدا لله فثلاثتنا حفظوا السر وصانوه، واعتقد أن زميليّ. محمد أبو الفتوح، وكان لنا بمثابة الأخ الأكبر، وهو من قادة حزب العمل الإسلامي المجمد الآن، وصبري ياسين الذي ابتعد معتكفا في قريته بالمنوفية، بعد رحيل زوجته الإذاعية المعروفة، وكان متعلقا بها أشد التعلق، سيتفهمان، أطال الله في عمرهما، الموقف ويغفران نشر هذا السر دون الرجوع إليهما، وأعدهما أن الأسرار الأخري اللذين كانا طرفا فيها، أعدهما بالرجوع إليهما قبل النشر، ومنها سر عرض، بدا مغريا، حمله وزير مفوض في سفارة مصر بطرابلس لحملنا علي العودة لنكون تحت رحمة السادات.

لن أنسي ما حييت هذا الموقف الكاشف عن معدن وطبيعة الراحل العظيم مراد غالب، وتأكد لي ذلك حين كنا نلتقي في قاعات المؤتمرات ودهاليزها، كانت مواقفه معبرة عن أقصي درجات الصدق مع النفس، وأرقي مستويات الوفاء للمبائ الإنسانية والأخلاقية، وبفقده فقدنا أستاذا ورائدا وراعيا ومحبا، نسأل الله له الرحمة، وندعو أن يجازيه بحجم ما أعطي وضحي.
 

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................