ثقافة الهزيمة اجهضت النصر العسكري وتساهم في موت الامة المؤجل
...............................................................

| |
محمد عبد الحكم دياب | |
محمد عبد الحكم دياب
.......................
من غرائب الكوكب العربي في وضعه الراهن ذلك التناقض بين ثقافة المقاومة، التي ظهرت من ركام النكسة، وبين ثقافة الهزيمة التي خرجت من رحم النصر. وإذا كان الانكسار مبررا وقت الهزائم فليس له ما يبرره حين يتحقق النصر. هنا يكمن التناقض. فمن المتعارف عليه أن النصر يَجُب الهزيمة، ويحيلها إلى ذكرى وعبرة للدرس والمراجعة. والنصر حين يحل يصبح طريقا لتحولات يحصد فيها المنتصرون ثمن تضحياتهم. ويتبوأون المكانة اللائقة بهم.
وعلى العكس فإن نصر 1973 اتخذ مسارا معاكسا ومضادا لكل الآمال التي تعلقت به، ومن جنى وحصد كان الغرب ومعه الدولة الصهيونية، وما لم يحصلوا عليه بالهزيمة حصلوا على أضعافه بالنصر. وقد كانت الهزيمة مرتبة لإعلان وفاة العرب، وليس مصر وحدها، وقد ورد شيء من هذا في ردود الفعل المباشرة على الهزيمة. أسرع البعض معلنا وفاة العرب وإخراجهم من التاريخ والجغرافيا. ولم تحدث الوفاة وتأخر الإعلان عنها إلى جولة جديدة وفرصة أخرى.
ومن عاش تلك الأيام يعرف أن موشيه دايان، وزير الحرب الصهيوني، انتظر من يهاتفه من القاهرة معلنا الإذعان والاعتراف بالوفاة. وطال الانتظار عشر سنوات. حتى تشرين الثاني / اكتوبر 1977، وحينئذ دقت الأجراس في مكاتب بيغن ودايان وغولدا مائير تعلن قدوم السادات إلى القدس المحتلة. وكان هذا الانتظار الذي طال من توابع الرفض المطلق للهزيمة والإصرار على الثأر والاستعداد لتحرير الأرض التي احتلت. غطت رقعة الرفض الوطن العربي بكامله. نزل المواطنون إلى الشوارع يتحدون الهزيمة، ويرفضون الاستسلام، ويقبلون بالمنازلة. ولم يقروا عبد الناصر في موقفه من التنحي. وهو الذي اعترف بمسؤوليته عما جرى. وكانت المرة الأولى والأخيرة التي قدم فيها مسؤول عربي مثل هذا الاعتراف.
وبدلا من لطم الخدود وشق الجيوب وجلد الذات دارت عجلة العمل والمحاسبة والتصحيح والتغيير، ولولا ذلك الدوران ما عولجت الأوضاع ولا أعيدت صياغتها من جديد. ومن بين ركام الهزيمة وأنقاض النكسة انبعثت روح الصمود والمقاومة، وقام المارد الجريح يلملم نفسه ويداوي جراحه استعدادا لجولة قادمة. احتاجت عملا مضنيا وصل حد الإعجاز ومستوى الاسطورة في كل المجالات.. سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية. فسياسيا بنيت مؤسسات الدولة من جديد على الجدية والفعالية. بدأت بالاستجابة لمطالب الشباب وشعاراته التي رفعها في مظاهراته. فحوسب وحوكم من تسبب في الهزيمة. وتبنت الدولة شعار أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وعملت على أساسه. وعلى الجبهة الاقتصادية استمرت التنمية. لم يتوقف العمل في بناء السد العالي، حتى اكتمل في كانون الثاني/يناير 1970، واستمرت المشروعات الكبرى. وزاد التركيز على الجبهة الاقتصادية وتأهيلها لتتحمل أعباء التحرير وتكاليف المعركة.
تشكلت كتائب الجيش الشعبي. ترابط على مدار الساعة. تحمي المؤسسات الصناعية والانتاجية والإدارية. وظهرت معها كتائب للفلاحين تحمي خطوط الضغط العالي والممرات المائية والجسور. أما الخطوط الخلفية على جبهة المواجهة تركت للطلاب والشباب. فتقاطروا أفواجا في 'كتائب خدمة الجبهة ' عونا للجيش وسندا له وتخفيفا عنه. وفي الأحياء والقرى والنجوع تحملت قوات الانقاذ والدفاع المدني المسؤولية كاملة. في سيمفونية متكاملة. شارك فيها الشعب عن جدارة واقتدار. وفي ظل اقتصاد الحرب لم تشهد مصر أزمة في الغذاء من أي نوع. وهذا أحكيه كمشارك ومعاصر، وليس كباحث يطلع على كتب وروايات غلب عليها الزيف وضاقت فيها مساحة الحقيقة. عشنا صدمة النكسة وتابعنا تجليات عودة الروح، ورأينا عزيمة الشعب وهو يتحدى ضعفه، ويتغلب على آلامه ويتجاوز هزيمته.
وشهدت الجبهة العسكرية بدورها إعجازا يندر حدوثه. صنعته عزائم الرجال وإصرار الشباب على العطاء بلا حدود، واستجابته لتحمل أعباء الحرب الحديثة ومتطلباتها ومسؤولياتها برضا واقتناع نادر. واستعاد المواطن اكتشاف نفسه وتعرف على قدراته غير المحدودة. حتى النساء اللاتي لبسن الحداد بعد النكسة بادرن بتسليم مصاغهن وحليهن ومدخراتهن طوعا مساهمة منهن في توفير المال اللازم للسلاح ورعاية الجنود في جبهة القتال. صور طمستها ثقافة الهزيمة وشوهها مروجوها وعتموا عليها. واستطيع القول ان الإعداد للمعركة كان كاملا ومتكاملا بث روحا شابة ارتقت بالجندي المقاتل، وألحقت الجامعيين وخريجي المعاهد المتوسطة والعليا بالقوات المسلحة. فاستوعبوا الأسلحة المتقدمة وفنون الحرب الحديثة بسرعة فائقة. وحتى قبل أن تعيد القوات المسلحة تجميع نفسها، وفي ظروف بالغة الصعوبة، وقبل مرور شهر على الهزيمة حدثت ملحمة رأس العش، وكانت رمزا للتحدي وإيذانا لعمليات جسورة. لم تتوقف حتى وقف إطلاق النار في آب/أغسطس 1970. وفي فترة الصمود هذه تمكنت الضفادع البشرية من إغراق المدمرة الصهيونية إيلات، وقد كانت واحدة من ثلاث مدمرات يمتلكها العدو. وخلال سنوات ثلاث أكمل الجيشان المصري والسوري استعداداتهما لاستئناف القتال. وكانت حرب الاستنزاف 69 / 70 قد نجحت في إحداث الثغرات المطلوبة في خط بارليف. فتوالى عبور القوات الخاصة ( الكوماندوس ) على مدار الساعة، وأتيحت الفرصة للطيران والدفاع الجوي للتصدي للغارات الجوية المعادية في العمق المصري وضد المدنيين. في مدن القناة والدلتا والوجه القبلي.
ولم ينته عام 1969 حتى كان الطيران قد تمكن من إسقاط أول طائرة فانتوم صهيونية إلى أن أسقطت صواريخ الدفاع الجوي سبع عشرة طائرة صهيونية في تموز/ يوليو 1970، قبل وقف إطلاق النار بأسابيع قليلة، وكانت القوات الخاصة قد عادت بأول أسير صهيوني قبلها بعام، ومن يريد المزيد عليه الاطلاع على السجل اليومي لحرب الاستنزاف وحجم الخسائر التي ألحقتها بالعدو. وحين دعت الضرورة بناء حائط الصواريخ قبلت مصر قرار وقف اطلاق النار الذي استمر حتى لحظة اندلاع الحرب. وفي السادس من تشرين الاول/اكتوبر 1973 كانت جبهات القتال المصرية والسورية والفلسطينية قد استكملت لياقتها واستعدادها لساعة الصفر. وكانت الحرب على أكثر من جبهة، وتحول الوطن العربي بأكمله إلى عمق حقيقي للقوات المحاربة وقد انتقلت من استراتيجية الدفاع إلى الهجوم لأول مرة. هي الأسرار الكامنة وراء نجاح العبور والانتصار العسكري. وبدأت الحرب بهجوم الجيوش المصرية والسورية على القوات الصهيونية المرابطة في سيناء والجولان. وشاركتهما قوات لأكثر من بلد عربي، ومعها جيش التحرير الفلسطيني. وفصائل المقاومة الفلسطينية الموجودة في لبنان.
ولا يمكننا تجاهل الدور الذي لعبته الجبهة الثقافية والإعلامية، وتوظيف الفن والثقافة في رفع مستوى الوعي والتعرف على حقيقة العدو وأساليب مواجهته، وأهمية العمل الجماعي. فقلت المشاجرات، واختفى اللصوص، وكأنهم أضربوا عن السرقة. لم يستغل تاجر الظرف. لا هو الذي أخفى بضاعة ولا المواطن تكالب على شراء السلع وتخزينها. لم تحدث أزمات تذكر.. لا في الخبز ولا في غيره. تولت برامج التعبئة عرض تجارب الشعوب الأخرى التي واجهت ظروفا مشابهة، ودخلت إلى عمق الزمن. تعيد بناء الذاكرة الوطنية بمعارك حاسمة ومصيرية في التاريخ العربي والإسلامي. وإذا كان ذلك قد تم على المستوى المدني فقد تكفل التوجيه المعنوي العسكري به مع الضباط والجنود.
لم تكن الهزيمة أبدا مبررا أو مسوغا للاستسلام أو الخيانة. وثقافتها التي انتشرت كالوباء بعد 1973 استهدفت قتل روح التحدي، وسحب الاعتراف والجدارة بالنصر، وتعميق مشاعر الهوان والمذلة والدونية دعاة الهزيمة يتبنون الثقافة الصهيونية والغربية التي لا ترى في العرب والمسلمين إلا كل نقيصة، وأنهم خلقوا للهزيمة والإبادة، وأولى بهم أن يقبلوا بعبودية الغرب وعنصرية الحركة الصهيونية. وعليهم أن يسلموا بما يجري لهم من إبادة، ويقبلوا باغتصاب أراضيهم. ويستقر في ذهنهم أن النصر حكر على الغرب والصهاينة. وعندما يكتبون التاريخ العربي والإسلامي يكتبونه بنهج استشراقي عنصري، ويصورونه على أنه سلاسل متواصلة من الهزائم تعميقا للإحباط وترسيخا للتبعية وتماهيا مع المشروع الصهيوني، وتنفيذ مخططه وبرامجه في تفكيك وتقسيم الوطن العربي الجاري على قدم وساق.
ثقافة الهزيمة زاد العجزة والمتواطئين ومادة الطابور الخامس الممتد في طول الوطن العربي وعرضه، يوظفها في مساندة الاستبداد والفساد الداخلي، وفي دعم دعوات القبول بالتبعية الخارجية، وفي التشويش على التيارات الوطنية، ونشر مقولات مستهلكة، وعبارات فقدت معانيها. تزكي عقدتهم من أي حاكم وطني أو زعيم ثائر، وهذا هو سر كراهيتهم لجمال عبد الناصر ومن على شاكلته. ما زالوا أسرى الادعاء بالتفوق الصهيوني الذي تخصصت المقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية في هزيمته. على مدار معارك متواصلة بداية 1982 و 2000 وانتهاء بحرب 2006. ويرون ما تراه تل أبيب وواشنطن ولندن وباريس وبرلين، وتبلغ سعادتهم مداها وهم يتابعون ما يجرى للفلسطينيين في قطاع غزة والحصار المضروب عليهم. يرون في تصفية المقاومة وحصار الفلسطينيين ضرب من ضروب الحكمة والعقل.
هناك من يهون من ثقافة الهزيمة، ويرى فيها رؤية أحادية في تناول القضايا والأحداث، خاصة حين يتم تناول ما فقدته مصر في الحروب. وفي الحقيقة ليست كذلك، لكونها صدى لرؤية خارجية مغذية للمخطط الانعزالي الحاضن المسؤول عن نشر هذه الثقافة بدءا من الادعاء بأن مصر حاربت نيابة عن العرب، والمليارات التي ضاعت على هذه الحروب كانت من أجلهم. وفي هذا تدليس وافتئات. فقد كان المطلوب، من وجهة نظر هذه الثقافة، هو الترحيب بقوات الدولة الصهيونية وحلفائها الغربيين وهم يعتدون على مصر في 1956 ومنعها من ممارسة حق الدفاع عن النفس الشرعي. ونفس الشيء كان مطلوبا في 1967. كان على مصر أن تقبل بالهزيمة وترحب بالاحتلال. يتناسون ما قُدم لمصر بعد مؤتمر الخرطوم، ولا يعترفون بمساعدات عينية أو صفقات سلاح وطيران مولتها الدول العربية وينكرون مشاركتها البشرية بالجنود والعسكريين. إنها ثقافة تقوم على نكران الجميل ولا تقر بفضل احد، وكل ذلك مقابل فتات مغموس بالمهانة والذل من الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية. يمنحهم رخصة نهب المليارات وتهريبها للخارج.
01/19/2010