 |
|
 |
| |
من هو ذلك الآخر الذي كثر الحديث عنه وكيف ظهر؟
...............................................................
محمد عبد الحكم دياب
........................
يشعر كثير من المفكرين والكتاب والأدباء والمثقفين ممن
يدافعون عن حق الأنسان في الحياة الكريمة وفي الحرية والعدل
والمساوة والفرص المتكافئة، ويقرون بحق الأوطان في التحرر
والاستقلال والتنمية. يشعر هؤلاء بالغربة ، وعدم القدرة على
التواؤم مع ما هو متداول من مصطلحات ومفردات تنزع إلى
التفرقة وتنحو نحو ترسيخ الدونية وتزكية ثقافة التبعية
والإلحاق. وتبدو مغرية إغراء الأكلات السريعة أو وجبات
'التيك أواي '. على الرغم من فقر عناصرها ومكوناتها .
وكثيرون يعتمدون في ثقافتهم على ما يذاع وينشر من مفردات
جاهزة. ترد على الألسنة وتظهر في الكتابات، وحين الرد على
الأسئلة والاستفهامات. وعندما يشكو أحد من وطأة الأزمات.
وفور أن يتناول كاتب أو صاحب رأي الوضع الراهن بتعقيداته .
بدءا من أزمة الحريات والديمقراطية وتداول السلطة وفضائح
وراثة الحكم، وتحويل الوطن إلى عقار ومتاع أو مزرعة خاصة.
فور هذا التناول تجد من ينبري مرددا تعبيرات تكشف عن حل سحري
. يتلخص فيما يسمى الاعتراف بالآخر . ويبدو أن الإيمان بهذا
الآخر وصل إلى مستوى الاعتقاد الديني على غرار الإيمان
بالمحرقة اليهوية، وأي مناقشة حولها يعتبر صاحبها معاديا
للسامية. وعلى كل المهتمين بالشأن العام الإيمان بذلك الآخر
دون نقاش . وحين راجع البعض وأعادوا قراءة أحداث بأهمية
وتاريخية حرب 1973. ظهرت تعليقات وتفسيرات تقول بأن هزائمنا
حدثت بسبب عدم الاعتراف بالآخر . ومن كثرة تكرار العبارة
تخيلت أن هذا الآخر ليس إلا عصا موسى في القصص الديني، أو '
شربة الحاج محمود ' في التراث الفلكلوري المصري الحديث، ولا
علم لي إن كانت ظاهرة 'الحاج محمود' باقية أم أنها انقرضت .
و عصا موسى جاءت، كما هو معروف، تحديا لسحرة فرعون، وكانت من
قبيل الإعجاز الديني، أما 'شَرْبة الحاج محمود ' أتى بها
الدجل وانتشار الخرافة والشعوذة .
كان ' الحاج محمود ' يدعي أن في ' الشَّرْبة ' التي يوزعها
ترياقا شافيا لكل الأمراض والعلل. لم يتوقف أحد أمام الاسم،
فكل من كان يبيع هذه ' الشربة' كان اسمه الحاج محمود . سواء
كان ذلك في قرية بعيدة يلفها السكون والنسيان، أو في نجع ناء
في حضن الجبل أو وسط الصحراء، ويذهب 'الحاج محمود' فور بيع
ما لديه، ويعود ثانية بعد شهور. بنفس اللغة والبضاعة المزيفة
. ويعيد تكرار ما قاله في السابق عن 'الشَّرْبة ' الشافية .
ويتكرر المشهد كل فترة . فلا شربته بارت . ولا الزبائن برئوا
من أمراضهم، ولا ملوا من كذبه وغفلتهم . والمهم لديه أنه في
النهاية يحصد قروشهم القليلة . لا هو كل ولا الزبائن ملوا .
ولا يختلف الأمر مع ذلك الآخر، بما يحوي من حوافز سلبية على
المسلك والتوجه العام السياسي والثقافي . ليس ثمة خلاف على
طبيعة العمران البشري، فهو وإن يُني على التباين والتنوع ما
كان له أن يتطور دون رابط يوحد بين عناصره المتباينة
ومكوناته المتنوعة. مؤسس على المصالح المشتركة والقواسم
الجامعة، بما تُحقق من تكامل وتكافؤ ورضا عام، وعلى ذلك صيغت
الأنساق الجماعية والمجتمعية والسياسية . وانتهت إلى أن وصلت
إلى شكل ومحتوى الدولة الوطنية أو القومية الحديثة . ويحدث
الخلل والارتباك حينما يواجه هذا العمران صداما أو تضادا أو
تناقضا من داخله أو من خارجه. فمن الداخل تتولى عوامل
التعرية والهِرَم والشيخوخة إحداث الخلل والارتباك. ومن
الخارج يتم ذلك بفعل خصم متربص وعدو متحين للفرص ليصنع منها
خللا وارتباكا مطلوبا. وفي الأوضاع الطبيعية والصحية يُثري
التباين والتنوع ذلك الرابط الموحِّد، الذي يزيد من تماسك
الجماعة الوطنية . وضمن هذا الواقع الانساني والبشري يختفي
معنى الآخر. بمعنى الغريب أو العدو. فمن المفترض أن الكل
يعيش ضمن جماعة وطنية متساوية في الحقوق والواجبات،
والاختلاف ليس في الوضع الإنساني إنما في القدرات والفروق
الذاتية والشخصية. أما في الأوضاع، غير الطبيعية، الرافضة
للمساواة والقائمة على التفرقة يأخذ ذلك الآخر معنى متناقضا
ومتصادما مع وحدة الجماعة وترابطها . لذا بدأ الحديث عن
الآخر مصاحبا لتحولات ونقلات محلية وإقليمية وعالمية جرت في
العقود الأخيرة، ومواكبا لمعاهدة كامب ديفيد، و ما تلاها من
اتفاقات وإجراءات مع مصر وعدد من بلدان الوطن العربي والعالم
الإسلامي ودول العالم الثالث .
في ظل ذلك الواقع المتحول حدث تكثيف للعمل على جبهة التحررية
'الليبرالية ' الغربية، ووضعها في قالب متطابق مع
الديمقراطية، واختيارها كنظام سياسي معتمد لحكم العالم،
مورست في سبيله كل وسائل الترغيب والترهيب . ترغيب بالمشاركة
في الثروة عن طريق الاستثمار والمضاربات والعمولات، وترهيب
بالحصار والمقاطعة والملاحقة والعنف، الذي وصل لحد الإبادة
الجماعية والتطهير العرقي ، ونموذج العراق واضح. وكان هدف
هذا التكثيف القضاء على الأحلام الإنسانية المشروعة، وإسقاط
البدائل التاريخية، والتخلي عن أنماط الانتاج الجماعي والعدل
الاجتماعي، واستطاع الغرب إعادة إنتاج نظامه الاقتصادي
الاجتماعي ، بأسسه وقواعده الرأسمالية التقليدية، في قالب
جديد له بريق إلا أنه أكثر توحشا. وعمل على حسم الأمر لصالح
التحررية ' الليبرالية ' الغربية. وخدمة هذا الهدف اقتضت من
مفكرين غربيين الادعاء بأن التاريخ وصل إلى نهايته . ولأن
لدينا مفكرين ومثقفين يشكون من البرد حين يحل الصقيع
بواشنطن، ويحملون المظلات إذا أمطرت سماء تل أبيب. هؤلاء
هللوا لهدم هياكل التنمية ولتراجع نمط الإنتاج الجماعي
ولمحاربة ضوابط توزيع الثروة ومقتضيات العدل الاجتماعي .
وصاروا أبواقا للاستغلال الفردي والاحتكاري، ويشاركون في
المصادرة على المستقبل ويقرون بسيادة التحررية 'الليبرالية '
الغربية، وأنها باتت نهائية، دون أمل في طموح مستقبلي بعدها
. وبالنسبة لهم فإن ما هو قادم لا يعدو سوى تفاصيل داخل
النموذج الذي فرضه الغرب على العالم وليست خارجه. وهذا
الخيار بما فيه من نفس عنصري استعماري جعل من نهاية الحرب
الباردة نهاية للتاريخ. وبه تمكن الغرب من استئناف احتلاله
للعالم من جديد. وهذا ضد سنن الحياة والتطور .
وحديثنا يبقى قاصرا على المرحلة الراهنة. لا يتطرق لتوابع
الظاهرة الاستعمارية في فترة المد وإفرازاتها لدول استيطانية
بيضاء. أقيمت على تخوم العالم القديم. في أمريكا وكندا
واستراليا ونيوزيلندا وجنوب افريقيا، ثم انتقلت إلى قلبه. في
الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط فزُرعت الدولة الصهيونية
فيه. وفي العقود الأخيرة اندلعت حروب عرقية وطائفية ومذهبية.
شديدة العنف. غزيرة الدماء. كثيرة الأشلاء.
وعملت القوى الاقتصادية الغربية، في مرحلة العولمة، على
تفكيك الدول وتشويه وطمس الهويات الثقافية والقومية. من أجل
أن تصبح السوق العالمية الواحدة بديلا قدريا لا فكاك منه .
فأعادت هيكلة الاقتصاديات الوطنية وفرضت قوانين السوق، ووظفت
الإعلام لغسيل المخ، وأوكلت لمنظمات المجتمع المدني الجديدة
المواكبة لظهور العولمة، مهمة غسل السمعة . وبدا ذلك غير
ناجع بالقدر الكافي. فأطلق الوضع الجديد فيما بعد العولمة
العنان للعمل العسكري، وفرض القانون الأمريكي سيدا على كل
القوانين واختطاف الأمم المتحدة، ومخاطبة العالم بلغة رسالية
دينية لمنح العصمة والقدسية لحروب الغرب غير الشرعية وغير
الأخلاقية. واستلزم ذلك البدء في تصفية أي نزوع نحو التحرر
أو رغبة في المقاومة أو مسعى للممانعة، وحلت سلطة المحتل محل
السلطة الوطنية، بالأصالة كما في العراق وأفغانستان وفلسطين،
وبالوكالة كما في مصر والأردن. وخضع العالم لسلطة مطلقة
للولايات المتحدة برديفها الغربي والصهيوني . وبالقدر الذي
كان من المفترض فيه انتصار القيم الأمريكية ورديفها ، و جعل
التحررية 'الليبرالية ' الغربية واقتصاد السوق خيارين وحيدين
قابلين للدوام والاستمرار، بنفس هذا القدر ظهرت الشروخ في
البنيان الغربي، وتولت الأزمة الاقتصادية تعريته تماما،
بجانب ما كشف عنه تدهور أوضاع قوات الاحتلال في العراق
وأفغانستان وباكستان. وبدأ التفكير جادا في عودة الدولة إلى
التدخل ووقف الانصياع لعشوائية السوق، وكان هذا التدخل، في
زمن العولمة وما بعد العولمة، من قبيل الكفر. وكانت الدولة
قد ترنحت تحت ضربات السماسرة والمضاربين، ورجال المال
والملاك ، الذين استولوا عليها لحسابهم .
كان المخطط هو تخلص التحررية 'الليبرالية ' الغربية من
العقائد والأيديولوجيات الدينية والقومية والوطنية المنتشرة
بين أمم وشعوب العالم الثالث واستثناء النزوع الديني
للمحافظين والليبراليين الجدد وأتباع المسيحية الصهيونية.
إلا أن الذي حدث هو انتشار التشدد والتطرف بين أتباع
الديانات السماوية وبعض العقائد الوضعية، وصاحب ذلك حراك
وطني وسياسي غير متوقع على أكثر من صعيد. هز مقاعد وعروش
أنصار الغرب وأصدقاء الدولة الصهيونية. وتعطل بعض المخطط
وأجهض بعضه الآخر. وعاد القلق إلى الغرب مجددا. وبدأت فكرة
الاستثمار الاقتصادي والمالي كمحرك رئيسي للتطور التاريخي
تتراجع، وجثت الرأسمالية العائدة على ركبتيها أمام المطالبين
بعودة أنماط الانتاج الجماعي والاشتراكي. وكان فوكوياما في
نظريته يرى الرأسمالية طريقا وحيدا للدول كافة لتحقيق
التنمية الاقتصادية، شرط التزامها بمعايير التحررية
'الليبرالية '. وسقطت نظريته أمام الرغبة العامة في إعادة
الاعتبار للقطاع العام. بقدرته على تأمين توزيع عادل للثروة
بين الأفراد، وتوفير التمويل اللازم للخدمات . وأصبحت روح
هذا القطاع، وهي تحلق في سماء الدول عقبة أمام التحررية '
الليبرالية ' الغربية ، التي أفقرت الطبقات الوسطى والمنتجة
والدنيا. ومن المتوقع تبعا لذلك أن تكون تلك 'الليبرالية'
أكثر عنفا إذا ما خرجت من أزمتها الراهنة.
ضمن هذا السياق ظهر شبح ذلك الآخر، وتسلل إلى عقول ونفوس
البعض. وجاء ظهوره لتعزيز الحكم الأمريكي للعالم. ذلك الآخر
يعني لنا غازيا قطعت قواته مئات الأميال لاحتلال بلاد الغير.
ويعني لنا أيضا استيطانا عنصريا قابعا في فلسطين وعلى
حدودنا، ويتهيأ لقيادة المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط.
وذلك الآخر ليس في التباين والتنوع القائم بين المواطنين.
فالمواطنون أخوة. أبناء وطن واحد ليس فيه مكان لآخر بالمعنى
الذي سقناه. وعلى سبيل المثال ليس في أمريكا آخر غير أمريكي.
فكل من يحمل الجنسية الأمريكية فهو متساو مع غيره . وبهذا
القياس ليس في أوروبا آخر غير الأوروبي. وعندنا يصنّعون لنا
آخر من داخلنا كشرط للسلام وفتات المعونات والدعم السياسي
والتطبيع والمناورات المشتركة. فعلينا إرساء قواعد المواطنة،
ودولة القانون التي يتساوى فيها الجميع مهما اختلفت الألوان
والعقائد والمذاهب والطوائف . وأخيرا فإن ذلك الآخر لا يشبه
عصا موسى من قريب أو بعيد، وهو أقرب إلى 'شَرْبة الحاج
محمود' التي تزيل الدود وتشفي من الأمراض والعلل. وهي في
حقيقتها تضر أكثر مما تنفع .
12/02/2011
مصرنا ©
|
|
|
..................................................................................... |
| |
|
|
 |
|
 |
|
|