مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 هوامش على كتاب البابا شنودة الثالث وتأييده للتوريث
...............................................................

 

البابا شنودة

 

محمد عبد الحكم دياب
..........................


توقفت من مدة عن الكتابة عن توريث الحكم ونقله من مبارك الأب إلى مبارك الابن. والسبب أن التوريث أضحى قضية أولى تشغل الرأي العام الوطني والعربي. ومجال استقطاب بين القوى الوطنية وبين منظومة الاستبداد والفساد والتبعية وتنال المعالجة اللازمة داخل مصر، وما كنا نتناوله ونكتبه في السابق استمد قيمته الكبرى من الحاجة إليه وندرته وسبقه. في وقت لم يكن قد تنبه إليه أحد. وحين يصبح الجهد مشاعا وشائعا فمن الممكن أن يسعى الكاتب والصحافي لقضايا أخرى على نفس الدرجة من الأهمية. وفي الوقت الذي بدأت فيه 'القدس العربي' تناول ذلك الموضوع منذ أكثر من عشر سنوات. كانت وحدها تطرق أبوابه بشدة، ولم يكن هناك من يتصور حدوثه، وتغير الوضع في السنوات الأخيرة، وصار الحديث عن التوريث غير خاضع لقاعدة الندرة. وهذا لا يمنع 'القدس العربي' من الاحتفاظ بقصب السبق. ومن يعمل في مجال الصحافة والإعلام يعي ما لذلك من قيمة مهنية وعملية. وأذكر حين بدأت مناقشة التوقعات المبكرة للتوريث مع رئيس التحرير الأخ والصديق الأستاذ عبد الباري عطوان كانت رائحة التوريث لم تزكم الأنوف بعد، وكان قد غاب عن كثيرين أن رياح التوريث هبت على مصر في وقت متزامن مع هبوبها على سورية. في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي. في ذلك الوقت المبكر لم يكن هناك من يتصور أن تصاب مصر بهذا المرض. وكان رئيس التحرير من بين هؤلاء. ويرى بحكم تقديره لمصر ودورها وتاريخها أنها محصنة ضد ذلك المرض، وأذكر أنني قلت له ان العدوى إذا ما انتشرت لا تستثني أحدا. وظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود بداية من محاضرة الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في الجامعة الأمريكية سنة 2002. تلاها ظهور حركة كفاية 2004، كأول جماعة وطنية تخصصت في مقاومة التوريث، والدعوة لتغيير الحكم، واسترداد النظام الجمهوري الذي قضت عليه عائلة مبارك، بعد أن تمكنت من اختطاف السلطة بمعاونة عدد من المماليك والأغوات. حصلوا على نصيبهم من الغنيمة.. سلطة وثروة ونفوذ، وهؤلاء يتحكمون في مصائر ومقادير البلاد والعباد حاليا.

وجاء دخول البابا شنودة على خط التوريث بشكل مباشر حافزا على العودة لتناوله من جديد، وكان قد أعلنها صريحة أن الوحيد الذي يصلح لحكم مصر هو جمال مبارك لا غيره، بكل ما في هذا القول من عدم تقدير للمسؤولية الوطنية والقانونية، وما فيه من إهانة للشعب، والقفز على هذه المسؤولية هبط بقدر رجل في مقام ومكانة البابا شنودة الثالث. وهذا الانتقال الصادم والمفاجئ من المجال الوطني الرحب إلى الغيتو الطائفي الخانق. كان تفسيره الممكن، من وجهة نظري، هو أن البابا تحول لمرتكز في تحالف يجد مصلحته في وصول جمال مبارك إلى حكم مصر. بعد أن تحول إلى مؤسسة انعزالية. حاكمة ومتحكمة. ترى مصلحتها في تقسيم المصريين إلى طوائف وشيع. ما هو الثمن المدفوع لهذا الدور؟ وما هو المقابل؟. والرد يملكه التيار الانعزالي الغالب في داخل الكنيسة المصرية. يرى فرصته مؤاتية بتأييد وريث من المتوقع أن يكون حكمه الأكثر ضعفا مقارنة بحكم والده الضعيف أصلا. والحكم الضعيف يحقق مكاسب جمة للمتربصين. الذين ينكمشون ويُحَاصَرون في النظم القوية ومع الحكم المؤيد من الشعب. وضعف الحكم فرصة يهتبلها الانعزاليون لترسيخ الانتماء الطائفي، وللتخلص من الأعباء والالتزامات الوطنية. وتنازل البابا عن مكانته ونزوله من علياء المكانة الروحية إلى سفح المصالح الذاتية الضيقة ليس في صالحه، ولا في صالح أحد. وإذا كان هذا اختياره، وهو الرجل المخضرم، فإن ذلك يسمح بالتعامل معه على أساس وضعه الجديد، الذي أرتضاه لنفسه. ويجري عليه ما يجري على السياسيين وأنصار العمل الطائفي والانعزالي. يخضع للنقد والهجوم والإدانة والمساءلة، فمقامه الديني تراجع أمام مغريات السياسة.

وحتى وقت قريب كنت معجبا بالبابا شنودة ومتحمسا له. وسعيت للقائه، وأجريت معه حوارا في منتصف تسعينات القرن الماضي. نشرته مجلة 'أخبار العرب' اللندنية، التي كانت تصدر في ذلك الوقت. وقتها قابلت رجلا ذكيا سريع البديهة خفيف الظل ودودا ومفعما بالحيوية والحضور. وحين دخلت إليه كانت أعداد غفيرة تنتظر دورها لمقابلته. وأذكر تأثير عبارته الشهيرة التي صارت مثلا: 'مصر ليست وطنا نعيش فيه بل وطنا يعيش فينا'. كان لهذه العبارة وقع السحر في نفوس الغالبية العظمى من المصريين، المسلمين قبل المسيحيين، عبارة ملكت الأفئدة، وكان قبلها قد كسب الشارع العربي، لموقفه من القدس والتطبيع، ولتصريحه بأن المسيحيين المصريين لن يدخلوا القدس إلا مع المسلمين. ارتفع إلى عليين. ووُصف ببابا العرب والمسلمين، وهي مكانة لم يصل إليها أحد قبله. وجرى هذا اللقاء في وقت كان العنف الديني في ذروته وينذر بعواقب وخيمة. تحدثت معه في قضايا عديدة. داخلية وخارجية، وعن الحاضر والمستقبل، وفي جزء غير مسجل من الحوار، بعد أن أوقفت التسجيل. قلت: ' قداسة البابا إن المسيحيين سيكونون في وضع أفضل وأحسن حظا نسبيا من اخوتهم المسلمين، وإذا ما حكم المتطرفون الإسلاميون، سوف يعاملونكم كأهل كتاب. تدفعون الجزية مقابل تأمين النفس ونيل الحماية، وتعلم قداستكم أن دم المسلمين مهدر بحكم أنهم عادوا إلى الجاهلية الأولى من وجهة نظر هذه التيارات. وفي مقدمة المهدر دمهم العاملون والمتعاملون مع الثقافة والعلوم والفنون والآداب، والولوغ في دمائهم يعني لدى بعضهم تقربا إلى الله. لن تنفع أولئك المسلمين جزية ولن ينقذهم رجاء'. وابتسم ولم يعلق. وكان كلما حضر سكرتيره تنبيها لانتهاء وقت المقابلة يطلب منه الانتظار. وتجاوز اللقاء الوقت المحدد له بكثير.

عندما ينسى رجل الدين دوره وينغمس في السياسة يكون ذلك إيذانا بخروج الطائفية من جحورها. وفي بلد يعيش احتقانا شاملا وحادا ليس في حاجة إلى ذلك، ورجل الدين الفطن الكيس يخفف الاحتقان ويبتعد عن شبهة الفتنة. وتأييد البابا للتوريث فتح باب الجحيم. وأيقظ الفتنة التي أطلت برأسها فعلا لا قولا. وإذا كنا قد انتقدنا البابا شنودة، وهو يحول الكنيسة إلى دولة داخل الدولة، بشكل متناقض مع تعاليم السيد المسيح عليه السلام. وكان ذلك في أزمة وفاء قسطنطين. ولأول مرة يقسم الحكم استبداده وقهره بينه وبين الكنيسة بصورة سافرة. وفي رسالة لا تخطؤها العين أعلن البابا تأييده للتوريث وهو يطل على الناس من قناة فضائية مملوكة لأحد أصدقائه. رجل الأعمال والمليارات نجيب ساويرس. هم هذه الفضائية تكريس الثقافة الانعزالية. أطل منها معلنا بتحد واضح: ' سأؤيد جمال مبارك فى حالة ترشيحه للرئاسة، ولن أتراجع عن رأيي'. وكأنه يرغب في قطع آخر رباط بين الكنيسة المصرية والجماعة الوطنية.

هل من المصلحة عزل الكنيسة المصرية وأتباعها شركاء الوطن عن باقي الجماعة الوطنية؟ وهل من الحكمة أن تكون الطائفة بديلا عن الوطن؟ وهل من المعقول أن يشعر المسيحي المصري بأنه طلق المواطنة بلا رجعة؟ والرد على هذه الأسئلة يخرج من ظروف بالغة التعقيد، بسبب ما يقوم به طابور خامس. نجح إلى حد كبير في إعادة إنتاج القبطية بشكل جديد. يرى أن مصر ليست وطن المصريين بل وطن أقباط، أخذوا على عاتقهم تضليل الناس. يقولون لهم انهم ليسوا مصريين ولا عربا، لا مسلمين أو مسيحيين، إنما أقباطا لهم مهمة مقدسة هي الإجهاز على الشخصية المصرية، وطمس الهوية القومية، وتسببت هذه الأكذوبة الكبرى في اتخاذي لقرار منعت فيه نفسي من وصف أي مواطن بأنه قبطي. بسبب إصرار الانعزاليين على العودة لجذورهم اليونانية. يبررون بها رفض الاندماج والتعايش مع باقي شركائهم في الوطن. وبسبب انكشاف ما ادعوه من أنهم امتداد مصر القديمة المسماة بالفرعونية. وهذه القبطية المدعاة نشأت ونمت في حقبة قطيعة استمرت قرونا طويلة. صنعها الفرس واليونانيون والرومان مع التاريخ المصري القديم. وكان ذلك قبل استئناف التواصل بعد تحرير مصر منهم، وبعد تراجع نفوذ الجاليات الأجنبية، خاصة الإغريقية واليهودية بعد الفتح العربي. وكانت الريبة قد تسربت لنفسي بفعل طول المقام في بلاد الغرب. وجاء ذلك مصحوبا بالتعرف على أصل الإسم اللاتيني لمصر، فهو ليس اسمها القديم. مصدره الإسم اليوناني لها. وهو إيجيبتوس، ومنها اشتقت الأسماء الغربية لبلد النيل. وفي ذلك رفض غير مبرر لأسمائها القديمة والحديثة. ومع مستويات التقدم والتنظيم المبهرة في الغرب، إلا أن الثقافة السائدة تقلل من شأن الثقافات المخالفة وتلغي حضارات الغير. وهذا سر إعلائها لشأن الحضارة اليونانية، وتجاهل باقي الحضارات. وترى أن الشخصية المصرية ماتت تاريخيا، وإذا أرادت أن تحيا عليها العودة إلى الكهوف والحفريات بحثا عن مسخ يوناني تنتمي إليه. وتبذل جماعات عنصرية وتبشيرية جهدا خارقا لإحياء اللغة القبطية تمهيدا لإزاحة اللغة العربية. وقد نشرنا على هذه الصفحة عدة مقالات في آب/أغسطس الماضي. حاولنا فيها كشف أبعاد إعادة انتاج القبطية بالصورة التي يدعون إليها الآن. ويمكن الرجوع إليها للاطلاع على المزيد من التفاصيل حول المعنى الانعزالي للقبطية، وهي مجرد لهجة محورة منقولة عن اليونانية. لا علاقة لها بتطور لغات مصر القديمة. وحروفها يونانية مع إضافات تلائم اللسان المصري. لذا تجد المسيحيين من ذوي الأصول المصرية القديمة غير أولئك الرافضين للاندماج وغير من أبقوا على عزلتهم وانعزاليتهم، وتجد ذوي تلك الأصول أقرب إلى المسيحيين العرب، وكنت أتصور أن البابا شنودة واحد منهم. وتأييد التوريث تعزيز لدور الساعين لتقسيم مصر. المدعين أنهم أصل مصر وأهل البلاد الأصليين، وما عداهم غزاة ومستعمرون عليهم أن يحملوا عصاهم على كاهلهم و يرحلوا.

 ونفهم تأييد البابا والكنيسة للتوريث ضمن هذا السياق. وإذا ما ورث جمال مبارك الحكم فسيكون شديد الضعف، ومكروها من الغالبية العظمى. وحكم ضعيف ومكروه يتحول إلى مستنقع آسن للفتن، وتنتشر بين جوانبه مبررات التقسيم وتسوده لغة التفتيت. وعلى البابا شنودة أن يعيد النظر فيما أعلنه، وإلا فإن موقفه يستحق الشجب والادانة الوطنية والتاريخية.

 

12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................