هل فتحت صفقة البابا شنودة الأبواب أمام صفقات أخرى؟
...............................................................
 |
|
|
البابا شنودة |
|
محمد عبد الحكم دياب
..........................
أما وقد فعلها
البابا شنودة الثالث . أقر التوريِث وأيد جمال مبارك حاكما
قادما لمصر، إذن لابد من السعي إلى التعرف على ما جرى خلف
الكواليس مع رجل دين كانت له شعبية كاسحة . ولجأت إلى مصدر
واسع الاطلاع قريب من دوائر صنع القرار ومرتبط بجهة سيادية
كبرى . وصرح لكاتب هذه السطور قائلا إن موقف البابا ليس وليد
اللحظة، وجاء حصيلة جهد مبذول على مدى السنتين الماضيتين .
وانتهى إلى صفقة بينه وبين جمال مبارك. وأضاف أن الوسيط فيها
كان يوسف بطرس غالي وزير المالية، المعروف بوزير الجباية،
كما يطلق عليه المصريون. وقد كان مهندس تصفية الاقتصاد
المصري وهدم هياكله، وزامله في مهمته محمود محيي الدين وزير
الاستثمار والصكوك. ويعرف أسرار الأموال المنهوبة ومستقرها
النهائي . والسؤال الذي يطرح نفسه.. ماذا استفاد البابا
والكنيسة من جراء الصفقة؟ ومن يعرفون ألف باء السياسة يعلمون
حجم ما يمكن أن تلحقه من أضرار جسيمة يفوق أي عائد من
ورائها. ليس على مسيحيي مصر الأرثوذكس بل على مواطنيها كافة.
فما نقله يوسف بطرس غالي إلى البابا هو أن ' الرئيس الابن '
يتعهد له فور اعتلاء مقعد الرئاسة بإصدار تشريع يخصص بمقتضاه
عدد من الدوائر الانتخابية المغلقة لأتباع الكنيسة المصرية
ورعايا البابا شنودة.
وأشار ذلك المصدر إلى أن الصفقة تمت في كتمان شديد. سبقتها اتصالات ومفاوضات
وعمليات جس نبض لأكثر من عام . وبعد تمام الاتفاق كان الشغل
الشاغل هو البحث عن مخرج يحول دون تفجير الموقف، ولا يزيد من
تعقيد الوضع المحتقن . وتبلورت فكرة حصة النساء في المجالس
النيابية، وصدر بها تشريع على عجل. تم بمقتضاه تقسيم مصر إلى
دوائر تخصص للنساء فقط . وبدت العملية غير بريئة. لم تكن من
أجل المرأة. لم تأت تلبية لضغوط داخلية، ولم تكن استجابة
لمطالب خارجية . كانت وظيفتها وضع سابقة تسهل وتبرر هذا
النوع من الصفقات . وتيسر تنفيذ مخطط المحاصصة الطائفية
والمناطقية القادم بعد تمام التوريث، وهو مخطط تزكيه الأوساط
الغربية والصهيونية .
والصفقة ليست بعيدة عن مبارك الأب، وما كانت تتم دون علمه.
خاصة أنه يعيش حالة إرهاق نفسي وعصبي تعود إلى حجم الرفض
العام للابن وزيادة كراهية الناس لكل ما له صلة بعائلة
مبارك. وفي سبيل التخفيف من وطأة هذا الإرهاق النفسي والعصبي
اعتمد الخطاب الرسمي لغة التدليس والتزيف. فالأب من جانبه
يتظاهر بحرصه على محدودي الدخل، في نفس الوقت يترك الحبل على
الغارب لابنه ومعه أسوأ رجال الأعمال ووكلاء الاحتكارات
وأكثرهم توحشا. بقراراته مُنحوا آلاف الأفدنة وملايين
الأمتار المربعة من الأراضي، وقد أخرجت الملايين من أبناء
الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل من سوق الإسكان بعد ارتفاع
أسعار المساكن في عصره (أربع سنوات) إلى أكثر من ثلاثة أضعاف
. وصار شراء مسكن في العشوائيات، وليس في حي متوسط نوعا من
الترف لا يقدر عليه هؤلاء . ومن زيادة حرصه المدعي على
محدودي الدخل حرمهم من الأراضي التي توزع مجانا على حيتان
المال والأعمال. لم يفكر مرة أن يمنح مواطنا فقيرا عشرة
أمتار مربعة يبنيها قبرا، ولا نقول منحه مئتين أو ثلاثمئة
متر مربع لبناء بيت يأويه ويستر لحمه وعرضه. الأراضي
والمساكن هي لهؤلاء الذين يؤمنون له المال ويحمون سلطته
وباقي الشعب سقط من الحساب.
والبعد الخارجي على تماس مع صفقة البابا شنودة. فمن قام
بالوساطة طفل مدلل من قبل الغرب، وله مكانته بين المنظمات
الدولية الخاضعة لهيمنة ذلك الغرب . وقد أضاف انتخابه
بالإجماع رئيساً للجنة المالية والنقدية بصندوق النقد الدولي
العام الماضي إليه نفوذا كبيرا، بجانب دوره بين مجموعة وزراء
مالية دول الاتحاد من أجل المتوسط، وإن كان هذا الاتحاد قد
ولد ميتا إلا أنه منبر للتطبيع والاتصالات مع أوروبا ودول
حوض المتوسط . ومسؤولية اللجنة التي يرأسها غالي في صندوق
النقد عن تحديد الاتجاهات الإستراتيجية والأدوات المتاحة
للتدخل في شؤون العالم المالية والاقتصادية، وتقديم التوصيات
لمجلس محافظي الصندوق فيما يتعلق بالإشراف على إدارة وإصلاح
النظام النقدي العالمي، وعلاج الأزمات المفاجئة التي قد تهدد
النظام الاقتصادي والمالي الدولي .
وحصل غالي على المنصب مكافأة له على دوره في الإسراع في الخصخصة وتصفية
القطاع العام وتحرير التجارة، وتوسيع مجال الاستعانة
بالخبرات الأجنبية ومنها الصهيونية. فضلا عن دوره الخطير في
إفقار مصر . وهذا الوزن الخارجي يجعل لوساطته معنى في دعم
جمال مبارك. خاصة أن مبارك الابن محسوب على هذه الأوساط، منذ
بداية نشاطه سمسارا في المصرف الأمريكي في القاهرة ولندن
فتمكن من بيع ديون مصر بوساطة شركاته في ثمانينات وتسعينات
القرن الماضي . وبغض النظر عن شيء فليس من حق الكنيسة التدخل
وممارسة دور ليس لها، وأعني به الدور السياسي. وهي ليست
مؤهلة له. والسياسة الحقة لا تفرق بين جماعة وأخرى، وحين
تقوم على الظلم فإنها تظلم الجميع، وحين تستبد تستبد بالجميع
وحين تخون تخون الجميع، وفساد السياسة المصرية وراء احجام
المصريين عن المشاركة السياسية .
ومن المعروف أن السياسة النظيفة لا تكترث بأغلبية أو أقلية عددية . فالعدد قل
أو كثر لا يؤثر على الحقوق والواجبات، فالمواطنة أساس بناء
الدولة الحديثة . ومن يتحدثون عن إحجام المسيحيين المصريين
عن العمل السياسي، يغيب عنهم أن الإحجام صفة عامة يشترك فيها
المصريون ، مسلمون ومسيحيون وما دونهم . والأعداد القليلة
التي تذهب للتصويت تطمع في الحصول على نصيب من خدمات تمنح
كحصص لنواب الحزب الحاكم. والأصل في الوصول إلى المقعد
النيابي ليس الانتخاب الحر إنما التزوير. و هو مهمة أجهزة
الإدارة والأمن . ولأن التفرقة تفرقة أمنية فقد نجح رامي لكح
المسيحي الكاثوليكي في دائرة أغلبيتها من المسلمين . ولولا
أن دائرته كانت محجوزة لزعيم الأغلبية .. عبد الأحد جمال
الدين .. ما كان الذي جرى للكح قد جرى !!.
وإذا ما بدأت صفقات التوريث بالكنيسة، فهل من الممكن أن تمتد
إلى الأحزاب؟ وإذا نجحت مع البابا فهل تنجح مع غيره؟..
الخبراء يرون أن ضعف الأحزاب لا يغري بعقد الصفقات معها .
وذلك على عكس الجماعات ذات المرجعية الدينية. فعلاقاتها
الداخلية تُبنى على قاعدتين .. الأولى : قاعدة التسليم دون
مساحة واسعة في إبداء الرأي أو المشاركة في اتخاذ القرار .
وبغير الخروج على النص . فالجديد نوع من الابتداع يخرج
المسلم من الملة. والثانية : قاعدة السمع والطاعة في مسارها
العمودي من الرأس إلى القاعدة . تشبه إلى حد كبير علاقة
الخليفة والمريد في الطرق الصوفية، وهذه جماعات تضم كتلا
شعبية واسعة . وهو ما أسال لعاب الوريث . وسر صفقة البابا،
ومبرر اختراق الأمن للطرق الصوفية. تحسبا ليوم التوريث .
أين جماعة الاخوان المسلمين إذن، وهي التي تخضع لضغط شديد
لتُغير من طبيعتها، وتصبح جماعة دينية تفك الارتباط بينها
وبين السياسة . وهذا جوهر العقدة التي لم تجد حلا بعد . ومع
هذا نشر موقع ' المصريون ' الألكتروني يوم الثلاثاء الماضي
نقلا عن مصادر وثيقة الصلة بلجنة السياسات ( لجنة جمال مبارك
) أن مبارك الابن تلقى توصيات من ' فريق خاص ' من مستشاريه
حول صفقة مقترحة مع جماعة الإخوان المسلمين، لمواجهة الرفض
الشعبي الكاسح لمبدأ التوريث المقرر عام 2011، ولأن الرفض
طال قطاعات عريضة من مؤسسات الدولة الهامة جعل إمكانية
التوريث صعبة للغاية . وطلب جمال مبارك من ' فريق العمل '
إعداد تصور وصيغة تخفف من رفض المصريين له وعقد صفقة مع
الإخوان كعمل مطلوب لتهدئة الرأي العام وتخفيف حدة الكراهية،
ومن المنتظر البت في الصفقة فور اختتام أعمال مؤتمر الحزب
الحاكم الذي بدأ أعماله أمس الجمعة .
وتتضمن عناصر الصفقة عدة وعود مثل تخفيف قبضة الأمن على
الجماعة في الفترة القادمة، والإفراج عن عدد من المعتقلين
كبادرة حسن نية من طرف جمال مبارك . وأورد موقع ' المصريون '
وجود نية لدى الوريث بإغلاق ملف قضية التنظيم الدولي،
والإفراج عن خيرت الشاطر النائب الثاني للمرشد العام ومن
معه. ووعد يسمح للجماعة بحرية الحركة ووقف حملات الهجوم ضدها
في وسائل الإعلام الحكومية، فضلا عن التصريح بإصدار عدد من
الصحف والمجلات السياسية الخاصة بالجماعة ، إلى أن تحصل على
الموافقة على تأسيس حزب سياسي تكون له جريدته المعبرة عنه .
وكل هذا مشروط بجلوس جمال مبارك على المقعد الرئاسي. بعدها
يصدر عفوه الرئاسي لينفذ وعوده .
وأعتقد أن الإخوان ليسوا بالسذاجة التي تجعلهم يقبلون صفقة
ليس فيها إلا الوعود . وهل من الممكن أن يفي الابن بوعوده
وهو في سدة الحكم. وهل إذا ما حقق غرضه احتاج لترضية الاخوان
أو غيرهم؟. إنها أشبه بوعود الليل التي تتلاشى مع طلوع
الشمس. والممكن الوحيد من وجهة نظري هو تنسيق الاخوان مع
الحزب الحاكم في الانتخابات البرلمانية القادمة، كأن تتخلى
الجماعة عن دوائر بعينها، مثل دائرة دمنهور التي يمثلها
مصطفى الفقي لإتاحة الفرصة لرجال جمال مبارك لخوض الانتخابات
دون حرج الاضطرار إلى التزوير، والمتوقع ألا يكون يسيرا.
فاحتمالات وجود رقابة دولية عليها وارد، ومن المرشحين لهذه
الوساطة بين جمال مبارك والإخوان هو الوزير الأسبق والمحامي
الدولي أحمد كمال أبو المجد
بدأ مسلسل الصفقات بصفقة البابا، ومن المتوقع لها أن تكتمل،
عكس صفقة الإخوان . فلم يقدم أي المباركين ( الأب والابن )
ما ينم عن توفر حسن النية لديهما . وهما اللذان أعطيا البابا
والكنيسة اليد الطولى المتحكمة في المسيحيين. ويسرا عمليات
بناء الكنائس بنقل اختصاصها للمحافظين، وجعلا يوم ميلاد
السيد المسيح عليه السلام، في 7 كانون ثاني/يناير من كل عام،
عيدا رسميا تعطل فيه المحلات والمصالح الحكومية. لم يعامل
الإخوان بنفس المستوى! وتبقى المعضلة في انتشار التبشير من
منظمات مسيحية غربية.. تحرض ضد استقرار المجتمع وتماسكه ،
استغلالا للاحتقان المجتمعي الذي يأخذ شكلا طائفيا أحيانا.
12/02/2011