ماذا عن آليات وشروط الإدارة الانتقالية المطلوبة لحكم مصر مؤقتا؟
...............................................................
 |
|
|
محمد عبد الحكم دياب |
|
محمد عبد الحكم
دياب
.......................
بعد نشر مقالي الأخير،
وكان عنوانه 'مصر ليست في حاجة لرئيس
بديل وتحتاج لإدارة انتقالية' أثيرت آراء وأبديت
ملاحظات، بدت قلقة من التمثيل الواسع للقوى السياسية
والاجتماعية الذي أشرنا إليه كأساس لتكوين الإدارة المقترحة،
ولثقتي بأن ذلك صدر عن قناعة بأن قلة العدد في العمل تساعد في
التركيز وسرعة الإنجاز، وعن اعتقاد بأن الإدارة قليلة العدد
أكثر نجاعة من ذلك العدد الكبير نسبيا المقترح للإدارة
الانتقالية، وكنت قد حددت عدد الإدارة المقترحة بمئة عضو أو
أكثر. يختارون من بين قوى سياسية واجتماعية جديرة بالتمثيل،
وكل هذا يستلزم توضيح نقطتين، إحداهما تتعلق بمغزى الاتساع في
التمثيل، والثانية لها علاقة بحدود دوام واستمرار الإدارة
المقترحة.
وبالنسبة للنقطة الأولى فهي، من وجهة نظري. ترى في السعة تخفف
من وطأة الاستبداد والفردية أساس كل بلاء في البلاد. والمدقق
لأحوال مصر سوف يجد أن مشاكلها وأمراضها المزمنة تعود في جانب
كبير منها إلى المركزية الشديدة، التي صاحبت وجود نظامها
السياسي منذ نشأة الدولة الموحدة للوجهين القبلي والبحري، على
يد الملك مينا (نارمر). وعلى مدى قرون احتضنت المركزية ورعت
الاستبداد والفردية، إلا في استثناءات لا تخل بهذه القاعدة.
وحين اعترى الضعف والخضوع مصر، لقرابة ألفي عام، بتأثير دورات
الاحتلال المتواصلة، من الفرس والإغريق والرومان، وعادت
لاستئناف دورها واسترداد عافيتها بعد أن تعربت واندمجت في
المنطقة. انتعش دورها واحتلت مكانة متميزة في الحضارة العربية
الإسلامية، وصارت مركز الخلافة الفاطمية وقوتها الضاربة، حتى
اعتراها الضعف مرة أخرى، وعادت تؤكد جدارتها مع دولة محمد علي،
في بداية القرن التاسع عشر، ومع ثورة عبد الناصر في منتصف
القرن العشرين. أي مع بداية مواجهة مشروع نابليون وانتهاء
بالتحرر من الاحتلالين البريطاني والفرنسي، ومواجهة المشروع
الصهيو غربي الذي ما زال مستمرا ولم تُحسم معركته بعد.
ومع ذلك نجحت المركزية في إقامة حضارة مصر القديمة بتميزها
وتقدمها، وبعد تراجع هذه الحضارة ثم اندثارها بذلك الانقطاع
الطويل عن الفعل الحضاري، الذي امتد لقرون طويلة.
وحين استأنفت مصر دورها استأنفته في أحضان حالة إقليمية نوعية
جديدة ومختلفة غلب عليها الطابع الرسالي الامبراطوري. وصارت
فيه مصر درة الدولتين الأموية والعباسية، وقلب وعقل الدولة
الفاطمية، واحتلت موقعا متميزا كمركز من مراكز الحضارة العربية
الإسلامية، ورافدا من أهم روافد ثقافتها، ونتيجة الضعف
والتراجع، الذي واكب انقسامات المماليك وصراعاتهم. تبدل الدور
وأضحت مصر من أهم بؤر مقاومة الغزوات الكبرى الزاحفة على
المنطقة تحمل صليب السيد المسيح. وانتهى العصر المملوكي
العثماني بتعرض مصر نفسها للغزاة الأوروبيين، مثلها مثل باقي
دول المنطقة. وعادت المركزية قوية وصارمة زمن حكم محمد علي،
ووظفها في الحصول على الاستقلال، وبناء أول دولة حديثة في
الشرق وجدت التصدي من نفس القوى التي تصدت لأسلافه. واستفحل
النفوذ الأجنبي ثم الاحتلال العسكري المباشر، وفقدت مصر
استقلالها، وكانت المركزية وسيلة للتحكم الأجنبي وأداة من
أدوات الاحتلال، الذي تأسست مركزيته على الإضعاف، بالتفرقة
والتفتيت ونشر الصراعات. وفي مرحلة ما بعد التحرير من الاحتلال
البريطاني تمكنت مصر في ظل المركزية من تحقيق إنجازات عملاقة
في عصر جمال عبد الناصر. والخلاصة أن المركزية تفيد مع وجود
نظام وطني قوي، وتضر في ظل حكم ضعيف وتابع وانعزالي ومصهين،
كحال الحكم الحالي.
كل هذا يستلزم العمل على صياغة نظام سياسي جديد جمهوري
برلماني، وهذه هي المهمة الرئيسية للإدارة الانتقالية، فلا بد
للنظام المقترح أن يتجاوز المركزية وينشر قيم اللامركزية.
فمصدر قوة المجتمع الديمقراطي أساسه قوة مواطنيه ومكونات شعبه،
وفي كفاءة نظمه ووحداته السياسية والإدارية المحلية والوسطى،
وتحولها قوة حقيقية نافذة تضعف قوى الاستبداد والفساد والتبعية
والتجويع.
أما النقطة الثانية حول دوام الإدارة الانتقالية واستمرارها.
واضح من اسمها وصفتها أنها انتقالية أي مؤقتة ومرحلية. تنتهي
باستكمال مهمتها. وليست أبدية. تنشأ لضرورة وحاجة ملحة وموقوتة
بوضع نظام سياسي قادر على الاستمرار والاستقرار، دون جمود أو
عفن يمارس باسم الاستقرار والاستمرار. ومدتها سنتان على
الأكثر.
الإدارة الانتقالية ليست فرقة إطفاء، بل هي منظومة بناء لصياغة
حياة سياسية واقتصادية وثقافية جديدة، تحل محل تلك التي شاخت
وتبلدت. وهدف الاتساع تمكين القادرين على تمثيل القوى القابلة
بالتغيير والساعية إليه من المشاركة الحقيقية ووضعها في مركز
الفعل، والتمثيل العريض أساس المشاركة الواسعة واللامركزية
المرنة، والتمثيل الضيق يجنح إلى المركزية. الحاضنة الحقيقية
للاستبداد والفردية. وعلى الإدارة الانتقالية أن تخطو خطوات
فعلية لتجاوز الواقع الراهن، وخلق بيئة تحد من الاستبداد
والفردية، وعندما حددنا عدد الإدارة الانتقالية بمئة عضو أو
أكثر، كان الهدف البدء في كسر الاحتكار الشائع في المجالات
كافة.
ووضع القدم على طريق وضع ضمانات تحد منه، وتسد منافذه، وتحطم
دوائره، على أن يتعزز ذلك بأسلوب اختيار وشروط أعضائها. ورجوعا
إلى المقال الماضي نجد أن العناصر المنوط بها التغيير وصاحبة
المصلحة فيه متاحة بين القوى الاجتماعية والسياسية والتيارات
الوطنية والقومية والإسلامية والمسيحية والمستقلة، وهي قوى
خرجت من رحم الحراك الوطني في السنوات الخمس الأخيرة، ومن بين
المساهمين والمشاركين في هذا الحراك، داخل الأحزاب والنقابات
والأندية المهنية والعمالية والفلاحية والشبابية، ومن الجماعات
الجديدة، مثل كفاية و9 مارس و6 ابريل وأخواتها، وكلها معروفة
للرأي العام، ومن بينها تتشكل النواة، في شكل جماعة اتصال تأخذ
على عاتقها توجيه الدعوة إلى من تتوسم فيهم القدرة والرغبة في
لعب هذا الدور التاريخي، ومن المتوقع أن تلعب وسائط الاتصال
الحديثة، مثل الشبكة الألكترونية (الانترنت) والبريد
الألكتروني دورا كبيرا في نشر الدعوة بالإضافة إلى الاتصال
المباشر.
وفور وصول العدد إلى مئة، تعلن الإدارة الانتقالية عن نفسها،
وتنتخب لنفسها هيئة تنفيذية، تقنن الشروط الواجب توفرها في
أعضائها، وتضع قواعد عملها وتعد خطة تحركها وبرنامجه الزمني،
وإن تعنت الأمن كالمعتاد، وأعاق إجراء مثل هذه الانتخابات
تتبنى الإدارة الانتقالية وسائل بديلة، عن طريق الاتصال
المباشر والتواصل الألكتروني والنشر الصحافي والإعلامي لإقرار
كل خطوة تتخذ والموافقة على أي مشروع أو مقترح يخرج من
الأعضاء. تبدأ بتعيين ناطق باسمها يمثل عنصر ربط بينها وبين
الرأي العام. أي لن تعدم الإدارة الانتقالية الوسيلة في تنفيذ
مهمتها الصعبة، التي ليست مستحيلة. ولكي تكون دماء الإدارة
الانتقالية متجددة دوما، وقادرة على تعويض ما يترتب على عمليات
الملاحقة المتوقعة من أجهزة الإدارة والأمن، عليها أن تترك
الباب مفتوحا لانضمام أعضاء جدد، بعد أن تكون الإدارة
الانتقالية قد توزعت إلى جماعات صغيرة متخصصة، في التشريع
والقانون والسياسة، والاقتصاد والصناعة والزراعة والنقل
والمواصلات والإسكان، والتعليم والصحة، والثقافة والعلوم
والفنون والآداب، وشؤون العمال والفلاحين والطلاب والشباب
والمرأة والعمل الأهلي. وهذه الجماعات الفرعية تضع مقترحاتها
ومشروعاتها في مجالات تخصصها، وتحيلها لروافد تغذي برنامج
التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي
المأمول. ومن بين القواسم الجامعة والمصالح المشتركة تبلور
الإدارة الانتقالية دليل عمل يكون بمثابة عقد اجتماعي جديد بين
المواطن ونظام الحكم المقترح. وبذلك يُقطع الطريق على تسلل
عناصر وعائلات بلا تاريخ ولا انتماء. مؤهلاتها مختزلة محصورة
في قدرتها على الاغتصاب والنهب والبطش والإفساد والتبعية. وفي
سعيها المحموم لوراثة الابن لمنصب أبيه، اعتمادا على سطوة
الأمن، وقوة السلطة وجبروت رجال المال والأْعمال، وإرهاب
البلطجية.
وتتوفر إمكانية النجاح إذا ما وضعت الطاقات الشابة الواعية
والواعدة في صدارة المشهد، وإقرار معايير موضوعية وواضحة في
الاختيار، وعلى سبيل المثال لا الفرض، نرى أن المعايير
المطلوبة فيمن يختار للإدارة الانتقالية يمكن تلخيصها فيما
يلي:
1) أن يكون حسن السيرة وعلى مستوى أخلاقي متميز. ولم يكن قد
صدر ضده حكم جنائي أو عقابي، ما لم يكن قد رُد إليه اعتباره.
2) أن يؤمن بالتغيير ويرغب فيه ويعمل من أجله ويضحي سبيله.
3) أن يكون من المشهود لهم بالانحياز لقضايا الوطن والأمة،
ويقبل بالانخراط في مشروع وطني جامع مستقل وغير تابع، هدفه
الانتقال بالنظام السياسي من نظام عائلي فردي بدائي إلى نظام
جمهوري برلماني معاصر.
4) أن يكون من المؤمنين بالتنمية الاقتصادية المستقلة، ومن
الرافضين لهيمنة الاحتكارات الداخلية والخارجية على الحكم، ومن
الساعين إلى التحرر من كل أشكال التبعية السياسية والاقتصادية
والثقافية.
5) أن يكون محاربا عنيدا للفقر وداعية للعمل على رفع مستوى
المعيشة للطبقات المعدمة والفئات محدودة الدخل.
6) أن يؤمن بارتباط أمن مصر بوحدتها الوطنية في الداخل، والعمل
العربي المشترك والتعاون الإسلامي والافريقي على المستوى
الإقليمي، والتنسيق مع دول العالم الثالث، ومد الجسور مع القوى
المعادية للعنصرية والحروب والغزو والاستيطان. وإقامة العلاقات
مع القوى المؤيدة للسلام القائم على العدل، والساعية إلى تعاون
دولي متكافئ من أجل عالم أكثر أمنا واستقرارا ورخاء.
7) أن يؤمن بالديمقراطية والتنوع والتعددية والإقرار بالتداول
السلمي للحكم.
8) أن يعمل على إسقاط المعوقات والموانع التي تحول بين
المواطنين وبين المشاركة السياسية أو ممارسة الحكم، والسعي إلى
ذلك بكل السبل المشروعة.
9) أن يؤمن بأن من يتحمل مسؤولية القرار في المواقع السياسية
والمناصب التنفيذية هم المنتخبون من المواطنين بشكل مباشر فقط،
وحدود الاستثناء لا تتعدى رجال القضاء والقوات المسلحة
والمخابرات والشرطة وأجهزة الأمن، فلا قرار في مجتمع يسعى
للتقدم لغير المنتخبين، ودون ذلك يستمر الاستبداد والفساد
والتبعية والتجويع أساسا للتخلف والحكم الفاسد.
10) أن يؤمن بإسقاط الامتيازات القائمة على حقوق عائلية أو
طائفية أو مذهبية أو مهنية، وهذا الإيمان هو أساس رفض التوريث
رفضا قاطعا، سواء في مجال الحكم أو المهن مثل القضاء والشرطة
والطب والعمل الأكاديمي.
هذا التوضيح قد يفصل ما عرض مختصرا في المقال الماضي، ويرد على
ما أثير من ملاحظات عليه، ومن الممكن أن نكون بذلك قد وضعنا
أساسا لحوار جاد وفاعل لإنضاج مشروع التغيير الوطني، الذي
تحتاجه مصر بشدة، لتزيح النظام عن الحكم، ولن يكون ذلك إلا
بعمل ديمقراطي ناضج ومشاركة وطنية واسعة.
12/02/2011