مصرنا


مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الامريكية عن المركز الامريكى للنشر الالكترونى .. والاراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
رئيس التحرير : غريب المنسى
............................................................................................................................................................

 
 

 البرنامج الحزبي للإخوان المسلمين بين الدين والسياسة
...............................................................

بقلم : محمد عبد الحكم دياب
.........................


لأكثر من عشر سنوات أسمع عن البرنامج السياسي للإخوان المسلمين المصريين، ولا أراه، وكنت في كل مرة أسمع عنه أطلب الحصول علي نسخة للتعرف علي حدود التفكير السياسي وأفقه منفصلا عن العمل الدعوي والنشاط الخدمي، المعلن وغير المعلن، وهو أساس نشاط جماعة الإخوان المسلمين، والجماعات الدينية الأخري، وكانت طلباتي تضيع سدي، فلم يكن هناك برنامج سياسي للجماعة، كما ادعي بعض قادتها في فترة من الفترات، حرجا أو تهربا.

وكان ظهور حزب الوسط الإسلامي ، وتقديم أوراقه إلي لجنة شؤون الأحزاب، ليحصل علي ترخيص بالعمل أول تطور ومثل بادرة كشفت عن وجود تيار بين شباب الإخوان المسلمين يطمح في دخول المعترك السياسي، وفق المنظومة القانونية القائمة. إلا أن مبادرة الشباب قوبلت برفض قيادات الجماعة وكثير من قواعدها. وكان واضحا أن العمل السياسي في صيغته الحزبية لم يكن محبذا، وبدت قناعة الجماعة مستمرة بعدم جدوي هذا حتي وقت قريب. وتوقفت عند رأيها التقليدي بأن الجماعة دينية، والسياسة فيها باب من أبواب الدين، وجاءت المفاجأة منذ شهور، بإعلان برنامج الإخوان الحزبي، ويبدو أن انقلابا حدث في فكرهم، وهو فكر سلفي كان لا يقر إلا بوجود حزبين: حزب الله، وهم المفلحون، وحزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون .. هل يعتبر ذلك تراجعا عن مواقف استقرت ثمانين عاما؟ هل هو التواضع حل بالعقل الرسمي والقيادي للجماعة؟ أم أن تجربة حزب العدالة في تركيا العلمانية، والحزب الإسلامي في العراق المحتل، ومنظمة حماس المحاصرة في غزة، وقبل ذلك نظام الإنقاذ في السودان. هل كانت جسور عبرت عليها امتدادات الجماعة في تلك البلدان والنظم. فغيرت من نمط التفكير بشكل أدي إلي تغلب المصريين علي ترددهم، فاقتحموا دوائر المخاطرة وأسقطوا تحفظاتهم السابقة، وفاجأوا الرأي العام بهذه الخطوة غير المسبوقة؟!

بدأت مسعاي مجددا للحصول علي نسخة من البرنامج ولم أوفق، حتي كانت زيارتي الأخيرة للقاهرة، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وأثناءها زارني المحامي المعروف عصام الاسلامبولي، ووجدته يتحدث بهاتفه المحمول مع أحد أعضاء مجلس الشعب من الإخوان المسلمين. يسأله لماذا لم يرسل له نسخة البرنامج؟ وانتهزتها فرصة وسألته عن إمكانية الحصول علي نسخة، فذكر لمحدثه أنني أجلس إلي جانبه ولي هذا الطلب. استجاب الرجل، وقال معلقا نحن نتطلع إلي معرفة رأيه، كما نقل الاسلامبولي، وفعلا وصلتني النسخة في اليوم التالي! وأصبح تحت يدي أول برنامج حزبي للإخوان المسلمين، وأكتب عنه، ليس عن طريق السماع، ولا ناقل عن ناقل. كطرق شاعت بين كتاب وصحافيين، لا يضيعون وقتا في الاطلاع علي المعلومات من مصادرها الأصلية، وهي مادة الكتابة الصحفية، مما يجعلها مختلفة، نسبيا، عن الكتابة الأكاديمية.

ومن البداية أضع تحفظا، أراه مهما، هو أن التناول هنا لشأن سياسي، والكتابة عنه من صميم العمل والمهنة. يخضع لمعايير بشرية بحتة، تتراوح ما بين الموضوعية والذاتية، وعلي قواعد الصواب والخطأ، وحتي وإن كان منا من هو علي صواب فإنه صواب يحتمل الخطأ، وإن كان غيرنا علي خطأ، فإنه خطأ يحتمل الصواب، وهي قاعدة ذهبية وضعها لنا العرب الأولون. ونجتهد في الالتزام بها. لا قدسية فيها ولا إدعاء، ولا تُدخِل الفكر الإنساني، المعني بشؤون الحياة والدنيا في دوائر الحلال والحرام، أو الإيمان والكفر، بلا مبرر يقتضي ذلك. ولست قلقا من ردود فعل بعض الإسلاميين التي قد تصلني، وما يصلني منهم ليس فيه إلا السباب والشتم والتجريح، والضغط إلي أقصي درجة لشيطنة المخالفين. مغلفين كل هذا بالدين، وكأن الإسلام لا يحض علي مكارم الأخلاق، وكأنه لم يطلب من أتباعه العمل بمبدأ ادعو إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، ووضع الحكمة سابقة عن الموعظة، لأنها نتاج حوار وحجة وبينة، أما الموعظة فتلقين وأمر ونهي. الحكمة خلاصة الخبرة والكياسة، والموعظة تقليد واتباع، ومن الحكمة إثراء الحراك السياسي والوطني الجاري في مصر، وهو يزحف حثيثا إلي بلاد عربية أخري.

والمادة الأساسية التي تضمنها البرنامج. تبين أنه من ناحية البناء والشكل صيغ من مقدمة وستة أبواب.. الباب الأول يلخص المبادئ والتوجهات. والباب الثاني عن الدولة والنظام السياسي، والباب الثالث يتناول التعليم والتنمية البشرية، ويعرض الباب الرابع للاقتصاد والتنمية المستدامة، ثم يأتي الباب الخامس ليتحدث عن الدين والمجتمع، والباب السادس والأخير يحدد رؤية البرنامج للنهضة الثقافية. ومن ناحية المضمون نجد تلخيص ذلك في المقدمة. تصف المحتوي بأنه برنامج ذو منهج إصلاحي متكامل متوازن ، وأنه برنامج عملي واقعي تعمل به الأمة وتطبقه كي يعود إليها دورها وتستعيد عافيتها بإرادتها واختيارها ، والإخوان وهم يصفون برنامجهم بأنه إصلاحي ، يتقدمون به للشعب المصري بكل فئاته، ويؤكدون فيه علي أن الإسلام عقيدة وشريعة ، ويغلبون الطبيعة الدينية عليه، وهو ما سيأتي بيانه لاحقا!

إنني ممن يقبلون، حتي قبل المتغيرات والتحولات التي شهدها العالم، بوجود أحزاب ذات مرجعية دينية، وأفرق كثيرا بين الحزب الديني وبين والمرجعية الدينية، فالمرجعية ضابط وبوصلة تهتدي بها الجماعات السياسية في توجيه السياسة والقرار، والأديان، من وجهة نظري، تضفي علي العمل الوطني والجهد الإنساني أبعادا أخلاقية وروحية، حين تربطهما بالمثل العليا في السعي لتحقيق خير الفرد والجماعة. علي شرط أن نفرق بين الديني والسياسي، من أجل ألا تتحول الدولة إلي مؤسسة مقدسة، تضفي قدسيتها علي الحاكم وأجهزة الحكم، فالدولة ليست إلها يعبد. إنما أداة في خدمة الوطن والمواطن، وأعمالها ليست معصومة ولا محصنة، ولا من اختصاص رجال الدين والمتصوفين والنساك. ليس من وظيفة هؤلاء فرض أي وصاية علي الممارسة السياسية، إلا عن طريق الاندماج في العمل السياسي وقنواته وضوابطه.

واتفاق الإخوان علي برنامج سياسي خطوة في الاتجاه الصحيح، ويمثل نقلة تاريخية لها ما بعدها، وإن كانت متأخرة، فمن الأفضل أن يأتي الشيء متأخرا من ألا يأتي أبدا. وحتي لو كان البرنامج مجرد محاولة لم تنضج بعد. فإنها تتيح التعرف عليهم بشكل أفضل، وتخفف من قلق قوي كانت وما زالت تتوجس فيهم. وهذه أولي دلالات البرنامج الإيجابية، من ناحية الشكل والقيمة السياسية والتاريخية، أما من ناحية الموقف. فقد حاول البرنامج اجتياز حقول الغام عدة، وإن أبقي علي أخري ملغمة، ومن أهم هذه الحقول حقل الثقافة والفنون والآداب، وفي حدود معرفتي، فهي المرة الأولي التي يسجلون فيها علي أنفسهم مخالفة ، أرجو أن تكون محسوبة بدقة، وهي علي كل حال مخالفة مستحبة، من الممكن أن تكون ذات حركة ذاتية تدفع في اتجاه التطوير مستقبلا. وتذلل عقبات ما زالت تحول بين الإخوان والتعامل مع المثقفين والمهتمين بالفكر والسياسة، والإخوان الذين نجحوا في نشاط المال والأعمال. وشؤون الدعوة والتقانة، وإلي حد ما في الإعلام، ما زال باعهم يبدو قصيرا في الثقافة والفكر والفنون والآداب، ولولا ذلك النفر من جيل الشباب الإسلامي الموهوب، لعاني الإخوان جفافا وفقرا شديدا علي هذا الصعيد المؤثر بشكل بالغ علي الإنسان. فهو يرتقي بوجدانه، ويهذب مشاعره، ويضبط سلوكه، والأّهم من هذا أنه يزيد من سعة أفقه ويسمو بنشاطه العقلي والإبداعي، وهو نشاط شبه محرم بين كثير من أتباع التيار السلفي. يصنفونه تحت بند البدع، عملا بحديث لا أعلم مدي قوة سنده، يقول كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، واتخذ ذريعة لتحريم النشاط وتجريم الفعل وإلغاء العقل.

البرنامج وهو يحاول جاهدا الفصل بين السياسي والديني، لم يحالفه الحظ، ومن ذلك عدم التحديد الدقيق للمفاهيم والتعبيرات، وكثيرا ما أشار إلي مفهوم الأمة، وتركه غائما، وقصره علي المعني الديني، وكان من الأوفق التفرقة بين معانيه العديدة لأهمية البرنامج، كوثيقة يمكن الرجوع إليها، لمن يريد التعرف علي هذا التطور الجديد في الموقف الإخواني. ولم يكن هناك بأس من الإطلاع علي اجتهادات مفكرين عرب، وأخص منهم مفكرين مصريين، من أمثال سليمان حزين، وجمال حمدان، وعصمت سيف الدولة، وهم، في حدود معرفتي، أهم من تطرق إلي تحديد الفروق في معاني الأمة، ولي تجربة شخصية في هذا المجال. كان الإسلاميون يلفتون نظري وهم يتحدثون عن معني واحد ومطلق للأمة، فقلت فلألجأ الي القرآن الكريم، كمصدر ليس محل خلاف بينهم، وقد فاجأني القرآن نفسه بأن لفظ الأمة ورد فيه أربعا وستين مرة، واختلفت المعاني باختلاف موقع النص ودلالته وسبب نزوله، واستقيت ذلك من تفاسير يغلب عليها الطابع السلفي، لأبعد عن نفسي شبهة الانحياز للأفكار المعاصرة، وأنا منحاز لها فعلا. والمعني في البرنامج اقتصر علي المعني الديني، وهو معني وجدته واردا في الآية 143 من سورة البقرة: وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، وحسب التفاسير فإن الوسطية هنا صفة للدين وليست وصفا للبشر، جماعة أو فئة أو فردا ذي وزن، أو صاحب رسالة، ومثله ما ورد في الآية 110 في سورة آل عمران: كنتم خير أمة أخرجت للناس ، والمعني هنا لا يرتبط بالجنس أو العرق، انما صفة الخير هي للدين، وبالتبعية لمن حمل لواءه وآمن به. ويبدو أنه غموض مقصود ، وجد ما يؤكده فيما ورد في الباب الثاني، بشكل قاطع، عند الحديث عن الوحدة فقال: الأمة الإسلامية أمة واحدة ! ولو كان الأمر مفسرا علي معني الأخوة في الدين والعقيدة، كما جاء في تعريف جمال حمدان، لكان الأمر أيسر، فالعالم الإسلامي مكون من أمم وشعوب، بالمعني السياسي والاجتماعي والتاريخي والثقافي والحضاري، ليس هذا فقط.

البرنامج تجاهل رخصا عدة قدمها الإسلام للتخفيف عن العباد، وقد تكون هذه الرخص، ما داموا قد قرروا دخول العمل السياسي من بابه الحزبي المعلن، قد تكون مخرجا من الضيق والتشدد، الذي يلف الحياة العربية والإسلامية، بما فيها السياسية، من كل جانب. وللحديث بقية.

 

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................