مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 دروس وخبرات قد تجعل تغيير الحكم في مصر ممكنا
...............................................................

 

مبارك

 

محمد عبد الحكم دياب
.......................


في محاولة للرد على السؤال المعلق حول ما العمل لمواجهة ما يجري في بلد النيل. يلفت نظرنا أن مصر وهي تبحث عن مخرج من مأزقها تعكس وجهين متناقضين. الأول هو إجماع نادر يدين فساد الحكم ويقر باستحالة إصلاحه. وارتبط هذا بإجماع آخر يرى المخرج في تغيير النظام السياسي برمته، بعد أن تهاوت هياكله وفقد مبررات وجوده. والوجه الآخر نقيض على هيئة تيه عام، جعل البعض يتطلع ويتعلق بهذا الشخص أو ذاك من المشاهير، وكأنهم أسقطوا الشعب من حسابهم. فمن التطلع إلى أحمد زويل ومحمد البرادعي، الحاصِلَين على جائزة نوبل، إلى التعلق بمجدي يعقوب حامل لقب سير البريطاني، وعمرو موسى الظاهرة الصوتية التي تحسن الكلام وتسيء الفعل إنتهاء، بحسن شحاتة، مدرب الكرة، الذي يعود إليه فضل حصول الفريق المصري على كأس البطولة الإفريقية لثلاث دورات متتابعة، وكلهم باستثناء عمرو موسى يمثلون نماذج جادة ومتميزة. وهذا له حسابه في التفضيل والاختيار، إلا أن الجدية والتميز في السياسة لا ينشآن بعيدا عن دوائر العمل العام وخارج الحركات والتيارات المعنية به. وهذا لم يتوفر بعد لهؤلاء المشاهير. ويبدو التناقض واضحا بين حالة التيه هذه والحراك الوطني النشط، وإن كان لم يحقق مبتغاه بعد.

وما نطرحه في صفحة الرأي في 'القدس العربي' حول الشأن المصري، ويطرحه غيرنا في صحف وجرائد أخرى داخل مصر بدا وكأنه حالة حوار على الورق، قد ينجح في بلورة وإنضاج ما قد يعجل بالتوافق على مخرج. وتابعت تعليقات لا تجادل في أهمية التغيير، وتقر بخلل الرهان على الفرد، إلا أنها تعود وتقدم تبريرات تراها مطلوبة في الظروف الراهنة. منهم صاحب تعليق حجب اسمه، إما تواضعا أو حرصا، وجاء الاهتمام بالتعليق لكونه يمثل وجهة نظر شاعت بين المثقفين المصريين، وتقر بأن الإيمان بالمُخَلّص الفرد جاء نتاج تشوهات الاستبداد الفردي الذي يعانيه المصريون منذ زمن طويل، إلا أنها تؤيد الرهان على الفرد في شخص محمد البرادعي، وتعزو ذلك إلى أسباب تراها عملية، تتلخص في أن الحماس للبرادعي يسهم ولو قليلا في إبعاد أو تعويق شبح التوريث. بالإضافة إلا أن الرهان عليه ينشط الحوار المجتمعي القوي الدائر في البلاد، ويمارسه المجتمع ولو من باب التدريب مع القائد المحتمل، أو حتى رئيس فريق سياسي يسعى لصياغة برنامج عمل نابع من الشعب على إطلاقه. ويكون ملزما لرئيس الفريق، وهذه كلها فوائد، خاصة أن البرادعي أتى من خارج التركيبة التي تصيب بالاختناق، حسب وجهة النظر هذه.

في المقابل طُرحت وجهة نظر جديرة بالاهتمام من الكاتب أحمد عبد الحفيظ، عبر عنها في عموده الاسبوعي، بصحيفة العربي القاهرية (10/1/2010)، وفيها يرفض التهليل لترشيح البرادعي، ويصف من يقوم به بعدم إدراك خطورته (خطورة التهليل وليس البرادعي)، باعتباره وبالا على حلم الديمقراطية المأمول، كما يقول. ويرى أننا ننفرد (يقصد المصريين) ببدعة التداعي حول مرشح مستقل ليكون منافسا رئيسيا في أهم انتخابات تجري في أي دولة من الدول، وضرب مثلا دول أوروبا الشرقية، التي لم يصل إلى الرئاسة فيها، بعد انهيار النظم الشيوعية شخص مستقل هابط من السماء، على حد تعبيره. وإن كان التعليق الأول يبرر الرهان على الفرد المستقل، فإن الرأي الثاني يرفض ذلك رفضا قاطعا. والاثنان يعكسان مستويين من التفكير بين المعنيين بالتغيير خارج الدوائر الرسمية التي استقرت على التوريث والتمديد.

وكنا قد طرحنا على هذه الصفحة، خلال شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر الماضيين، فكرة 'الإدارة الانتقالية'، لخروج آمن أو غير آمن لعائلة مبارك من الحكم على أساس أن التغيير السياسي، إذا أريد له أن يكون سلميا، فإنه في حاجة إلى تنشيط الأدوات، التي تجعله ممكنا، لكن المشكلة في أن هذه الأدوات موجودة شكلا وميتة أو عاجزة في الواقع. والأدوات المعنية هي الأحزاب والجماعات السياسية والأهلية القائمة بالفعل، والمرخص بها رسميا. وهي أكثر من أن تحصى، ومع ذلك نجدها قليلة البركة محدودة القيمة. ومن غير المعقول التعويل عليها في إنجاز مشروع التغيير الملح، فقدرتها على استقطاب وشد القوى والطبقات الغائبة أو المغيبة، المعول عليها، طلابا وفلاحين وعمالا وإداريين ومهنيين وأكاديميين وخبراء وعسكريين وصغار كسبة وحرفيين، قدرتها محدودة وعاجزة عن الوصول إلى هؤلاء في مواقعهم وأماكن تجمعاتهم، ومن يراهن على هذه الأدوات بحالتها الراهنة فرهانه في غير محله.

هنا نضع يدنا على المعضلة الأولى، فمع وجود رغبة في التغيير لكنها لا توفر له مجالا حيويا يحركه أو يتحرك فيه. وهذا ما دعا لاقتراح 'الإدارة الانتقالية' بسبب الحاجة الماسة لفترة انتقالية تقدر بسنتين إلى ثلاث سنوات. تتهيأ فيها الظروف لتطوير ما يمكن تطويره من المتاح، وبناء أدوات جديدة أكثر نضجا وأكثر فعلا. ويجب استعادة زخم 2005 في تشكيل وبناء منظمات وجماعات موازية أو مستقلة جديدة، تتمتع بالقدرة إما على تقوية وتنشيط الأحزاب والمنظمات الضعيفة والعاجزة، أو تشييع الميت منها إلى مثواه الأخير، ومن أجل أن تكون هذه الإدارة معبرة عن الناس عليها تجاوز الشكليات، وتخطي القيود البيروقراطية أثناء التنقيب عن القيادات الطبيعية. فمصر من البلاد الغنية بالقيادات الطبيعية، وتحتاج فقط إلى اكتشاف وتبصير بأهمية التواصل فيما بينها، ويمكن صقلها عن طريق الخبرات التي صنعها الحراك الوطني في السنوات الخمس الأخيرة. ويقع على ذوي هذه الخبرات مسؤوليات التوجيه وتوفير الفرص للقيادات الطبيعية للنمو والتطور، وتشجيعها على اتباع أساليب ووسائل ما تعارفنا على تسميته 'التعليم الذاتي'، والتاريخ أهم مُعلم، والاطلاع على التجارب الإنسانية الأخرى يطور الأفكار ويشحذ الهمم. وأنا أنتمي لمدرسة لا تؤمن بحجب الخبرة، ولا تقلق من انتقالها من واحد إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، ولا تخاف من توسيع نطاق المشاركة والعمل الجماعي.

فلقاء المتميزين وتعاون ذوي الاستعداد على العطاء والتضحية يثري العمل، ويوسع من نطاق الخيارات وتعددها في حل المشاكل، ويقلل من ضيق الأفق الناتج عن النظرة الأحادية أو الحل الأوحد.

وأول درس يتعلمه القادة الطبيعيون هو أن التغيير أشمل وأكبر من تعديل دستور أو وضع آخر جديد، مع التسليم بأهمية الدستور في بناء الدولة الحديثة. عليهم أن يعلموا أن الدستور لا يعمل من تلقاء نفسه، ودون من يترجم نصوصه إلى واقع ومواده إلى ممارسات. ولن نضرب المثل بدساتير ثورة 1952 حتى رحيل جمال عبد الناصر، لطبيعتها المؤقتة. ولنختار دستورَي 1923 و1971، باعتبارهما من الدساتير الدائمة.

ورغم توفر شرط الديمومة فتطبيقهما كان محدودا وشكليا، فقادة ثورة 1919 اكتفوا بالدستور، ولم يتمسكوا بهدف الجلاء، ولا التزموا بشعارات القضاء على الجهل والفقر والمرض. وكان ذلك أقصى ما يمكن الحصول عليه بالمفاوضات مع سلطة الاحتلال، بحجة الكفاح السلمي. وبينما نجح غاندي في تحرير الهند بالكفاح السلمي والعصيان المدني فشل سعد زغلول بالتفاوض وحده، مجردا من قوى الضغط المطالبة بالجلاء، وجاءت ثورة 1952 وطردت الاحتلال اعتمادا على المقاومة الشعبية. وقد أخل التفاوض وحده بميزان القوى، وجعله يميل لصالح الاحتلال والقصر وأحزاب الأقلية، فأُجهِضت الثورة، وسنحت الفرصة للملك أحمد فؤاد فألغى الدستور عن طريق رئيس وزرائه اسماعيل صدقي واستبدله بدستور آخر فاسد سنة 1930. وعندما عاد دستور 1923 مرة أخرى كان ميزان القوى قد استقر نهائيا لصالح الاحتلال والملك وكبار الملاك. أما دستور 1971 تم ركنه على الرف، وتغيرت هياكل الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بإجراءات وقرارات شخصية، غير دستورية، إلى أن وصل مبارك الابن فاحتل مقعد الرجل الأول مكرر، وشغل منصب الرئاسة الموازية عرفيا والرئاسة الفعلية حزبيا، والتحق بمنظومة الاقتصاد العشوائي، بمجاليه الطفيلي والاحتكاري، وأدارها لحسابه، واتجه إلى تنشيط العمل بمعاهدة كامب ديفيد، وإلى فرض اتفاق الكويز. وبذلك مكن قلة متوحشة وتابعة ومصهينة من الاستيلاء على الحكم والثروة والأمن، وظفت قانون الطوارئ، وجعلته دستورها الفعلي. ولم تتذكر دستور 1971 إلا مع حاجتها لغطاء قانوني تمرر به مشروع التوريث وترسيخ الحكم العائلي. وتم تعديل 34 مادة حولته لوثيقة تقنن الاستبداد والاستعباد والفساد والتبعية، وعقد إذعان مفروض على الناس. والمخضرمون يتذكرون إدعاء السادات عن دستور 1971 أنه نقل مصر من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية، ثم اتخذه تكئة فمنح نفسه العصمة، معتبرا أن من ينتقده يعادي مصر ويتربص بشعبها، وهو تقليد سارٍ حتى الآن. هذا درس أول عن الدستور وأنه وحده لا يكفي لإحداث التغيير.

والدرس الثاني هو الاستزادة من التاريخ الوطني والاستفادة من التجارب القومية والإنسانية، والتعلم من دروسهما، واستعادة تراث المقاومة بأنواعها، وتطوير المبادرات الحديثة ذات الطابع الجذري، والارتقاء بالوعي العام ليتقبل تأسيس أحزاب ومنظمات تدافع عن مصالح وتطلعات المنتجين.. فلاحين وعمالا وحرفيين وصغار كسبة وموظفي حكومة وقطاع خاص، كتطور في سياق اعتماد أحزاب وجماعات المصالح، جنبا إلى جنب مع الأحزاب والجماعات العقائدية (الأيديولوجية). فنرى نقابات واتحادات طلابية ومنظمات شبابية ونسائية موازية ومستقلة أيضا، ومنظمات للحرفيين وجمعيات للتعاون الزراعي والاستهلاكي. ومن الممكن الاقتداء بنموذج كمال أبوعيطة ورفاقه، الذين أسسوا أول نقابة مستقلة للعاملين بالضرائب العقارية بعد إضرابهم الشهير من سنوات قليلة. وفي هذه الحالة لا نجد مانعا من ظهور أحزاب رأسمالية مستقلة، ليس لها ارتباط بالاحتكارات العالمية والدولة الصهيونية، وكذلك من الممكن استعادة التجربة الجزائرية بعد التحرير، حين أخذت بنظام 'التسيير الذاتي'، وتغلبت على مشاكلها التي تركها المستوطنون الفرنسيون. فملأت فراغا موحشا تُرك عمدا لكي لا تقوى الجزائر على النهوض. ونجح 'التسيير الذاتي' بتعاون مصري، ودعم أوروبي شرقي، وكان مدرسة أخرجت أجيالا جزائرية أدارت الدولة والمجتمع بكفاءة واقتدار.

وما فعلته عائلة مبارك بمصر لا يقل عما فعله المستوطنون الفرنسيون في بلد المليون شهيد. انهت اعتمادها على نفسها، وأفرغتها بالهجرة والملاحقة من كفاءاتها وخبراتها، ومن الممكن الاستفادة من 'التسيير الذاتي' في وضع أساس 'التعليم الذاتي' الذي ندعو إليه لتعيد مصر اكتشاف نفسها وقدراتها وتوظفها بطريقة مثلى وأكثر جدوى، وبذلك يصبح طريق التغيير واضحا، والوضوح يضع القدم على طريق الألف ميل. فنحقق معا حلم الديمقراطية المأمول.
 


03/01/2010

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 


تصــــــــــــدر كل يوم أحــــــــد
 رئيس التحرير: غريب المنسى
مديــــــر التحرير: مسعد غنيم
 

الأعمدة الثابته

ثقافة الهزيمة


مجموعة مقالات عن المستقبل  
 

موضوعات مهمة  جدا


لصوصك ياوطن !!
الصراع الطائفى فى مصر
صور ممنوعة جدا
دعاة أم نسونجيه ؟
الهروب من الواقع
نصوص معاهدة السلام
مقالات سعد الدين الشاذلى
خطاب أوباما فى القاهرة
خلافات حول مياه النيل؟
رجال فى مهب التاريخ
عن الجيش المصرى
حكاية المشير عامر كاملة
جمال حمدان الراهب
فؤاد حداد
أبطال حرب أكتوبر
الجمسي.. النحيف المخيف
لقاءات صحفية
خوليو.. قصة لطيفة
مذكرات رئيس عربى
مسمار جحا
جوليا بطرس مطربة المقاومة
 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
شعر ممنوع
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟
...................
الصفحة الرئيسية
 

 

 


 


 
...............................................................................................................................................