برنامج الاخوان المسلمين: خلط بين السياسي والديني
...............................................................
بقلم
: محمد عبد الحكم دياب
.........................
لم يكن متصورا
تناول برنامج حزبي، يقع في مئة وثمان صفحات، في مقال واحد،
خاصة أن برنامج الإخوان المسلمين بدا غير معبر عن رؤية جامعة
لهم، في مرحلة هامة من مراحل حياتهم، ويعطي إحساسا بأنه معبر
عن جناح أكثر تقليدية في قمة الجماعة، ويبدو أنه أكثر تأثيرا
ونفوذا. وأبدأ بالقول علينا أن نسعي لمزيد من التعرف عليهم،
وعلي ما يجري بينهم، فهم في النهاية شركاء وطن ومصير،
وأصبحوا أطرافا في معادلات سياسية، داخلية وإقليمية متحركة
بين المد والجذر.
أما وقد صاروا حكاما وشركاء مع أكثر من نظام حكم، في عدد من
البلاد العربية والإسلامية. فمثل هذا التناول يفتح أبوابا
للحوار، ويطور من العلاقات، لقناعة قائمة تقول بأن الأفكار
تتلاقح بالحوار، والمواقف تتقارب بالاحتكاك، والسلوك ينضج
بالخبرة، والإخوان المسلمون، منذ نشأتهم، يطرقون باب السياسة
بشدة، ومع ذلك لم يدخلوها، حتي الآن، من بابها الصحيح. ما
زالوا يقفون علي الأعتاب. ومن يطرق باب السياسة، بهذه الشدة،
عليه السعي والاقتحام إلي الدخول. وقد يقول قائل: كيف لك
بهذا القول عن أناس منهم من درس السياسة وتعلمها، وحصل علي
أعلي الدرجات الأكاديمية فيها. ومعني السياسة الذي نقصده ليس
ذلك المعني النظري والأكاديمي، فبينهم بالقطع متمكنون في
علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد والقانون وغيره. وهذا وحده
لا يكفي علي المستويين العملي أو الميداني. السياسة، عمليا
وميدانيا، علي الأقل من وجهة نظر كاتب هذه السطور، عمل أقرب
إلي الفن (التكنيك) منها إلي العلم، والفنون تعتمد الموهبة
والمهارة والحضور والتأثير. ولها مذاقات تختلف باختلاف
الأشخاص والأحزاب والطبقات والأعراق والأجناس، ويعرفها
فقاؤها بأنها، أي السياسة، فن الممكن، لم يقل أحد بأنها علم
الممكن، وأضيف من عندي أنها قد تكون فن أقصي الممكن في بعض
الحالات. وهذا ما يؤدي بها لتكون أقل عقائدية وأيديولوجية
وأكثر عملية وبراغماتية.
ولأنها تحمل هذا المعني، فعلي من يقترب منها ألا يخلط بين
السياسي وغيره، فلا يساوي بينه وبين الثائر المصلح، ولا بينه
وبين الانقلابي المغامر. فالثائر يصنع التغيير، وبالتبعية
يصبح صانع سياسة. له حلمه المشروع ورؤيته الخاصة، ويتحلي
بقدرة عالية علي التضحية، وفيه جسارة، وكثيرا ما تتلبسه روح
الفدائي. ويكون أول من يضحي وآخر من يستفيد. والسياسي لا
يعترف بالأحلام وقد يسخر منها ويستهزئ بها، والبحث عن
المغنم، عام وخاص، جزء هام من استعداده. يعرف أنه ترس في
ماكينة يديرها غيره، وجزء من مشهد ليس من صنعه، وهو لايضع
نصا ولا يخرج عملا، بلغة أهل السينما والمسرح. ولا أعلم إذا
كان الإخوان يعون أنهم كانوا، وما زالوا، ترسا في ماكينة،
وجزءا من مشهد، وهذه طبيعة السياسي، ومع ذلك يخلطون الدين
بالسياسة، فلا هم أصبحوا سياسيين، ولا بقوا رجال دين. وكثيرا
ما يتم الخلط بين الثوار والانقلابيين، والإخوان الذين نفروا
من السياسة عاشوا أقرب إلي الانقلابيين، وإن كانوا غير
مغامرين. البرنامج يشعر المطلع عليه بالروح الانقلابية، وهو
وإن لم يكتف بجعل الشريعة مصدرا أساسيا للتشريع، كما ورد في
المادة الثانية من دستور 1971، فإنه يزيد في التشدد ويطالب
بأن تكون وحدها هي المصدر، والأصل هو أن الشريعة كانت، في
زمانها، المقابل للدستور والقانون في العصر الحديث، والقانون
مهما كانت مرجعيته، دينية أو وضعية، متغير. والثبات فيه هو
ثبات المبادئ والتوجهات العامة، وإن كان رجل الدين هو من
تحمل مهمة التشريع، في عصر مضي، فلأن المعرفة الدينية كانت
أساس المعارف العامة. ولم تكن العلوم ولا الاكتشافات بالحجم
ولا النوع التي هي عليه الآن. وكان الدور المتميز لرجل الدين
أحد أهم أسباب الثبات والقدسية التي أضفيت علي الشريعة،
وباعد بينها وبين متطلبات التطور والتغيير، وكان من المتصور
ألا يحدث هذا، لأن الدين الإسلامي احتوي رخصا عديدة للتيسير
والتكيف مع الحياة ومشاكلها وتعقيداتها. وهي رخص تؤكد قاعدة
التغيير ولا تنفيها، وكان البرنامج وهو يقدم حقا أو امتيازا
بيد، يسحبه باليد الأخري.
هناك رخص الضرورات والمحظورات، ورخص لا ضرر ولا ضرار. طالت
الفروض والالتزامات الدينية، ويقولون في الأثر إن الله يحب
أن تؤتي رخصه . من يمرض لا يصوم، وغير القادر ماليا ولا
جسديا لا يحج، وهكذا لم تسقط الفروض إنما حدث التخفيف
والتيسير، بالكفارة والصدقات والعمل الصالح، وهذا لم ينقص من
مبناها ولا معناها. ولو اقتدي البرنامج بهذا النهج، لساعد في
حل وتيسير عقد ومصاعب كثيرة. وروح البرنامج تنحاز إلي تطبيق
الشريعة، وهي تقليديا تضع الأولوية للحدود والروادع، واعتماد
الأذي البدني، بغض النظر عن رخص كثيرة وردت في النصوص
الدينية، أصبح الأخذ بها ضرورة لمواجهة مصاعب وقيود زمن لم
يعد يسمح بتربية الطفل بالزجر البدني، ويستخدم وسائل أخري لا
تهدد سلامة صحته البدنية والعقلية.
التشريع في العصر الحديث مهمة مؤسسات، وليس مهمة فرد، أو
جماعة دون سائر الجماعات، رجال الدين مثلا، والمؤسسات
المعنية من المفترض أنها ترتبط مع الشعب بعقد اجتماعي يعبر
عن مجمل مصالح القوي والفئات والطبقات. إذن هي الجديرة بوضع
القوانين والتشريعات المنظمة للمجتمع والمقننة لعلاقات
المواطن بالدولة، والمحددة لدور الدولة تجاه المواطن. وغياب
هذا الفهم عن البرنامج جعله متناقضا مع نفسه، ولنضرب
الأمثال. جاء في الباب الثاني عن الدولة والنظام السياسي،
ومعني الدولة وصفاتها. فينص علي أنها تقوم علي مبدأ
المواطنة، أي أنها لكل المواطنين بلا تفرقة، وأنها دولة
دستورية، بسلطاتها الثلاث: تشريعية وقضائية وتنفيذية، وتقوم
علي الشوري، وإن لم يربطها البرنامج بالديمقراطية، مكتفيا
ببعدها الديني. وسمي ذلك قيمة إيمانية وخلقية توجه سلوك
الأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية لتصبح جزءا من مكونات الشخصية
الوطنية ، وذكر أن الدولة المقصودة مدنية، ثم عاد وتراجع عن
ذلك، وذكر أنها ذات وظيفة دينية باعتبارها مسؤولة عن حماية
وحراسة الدين ، ولو قال بترك هذه المهمة للمؤسسات الدينية
ورجال الدين، لتأكيد حياد الدولة واستقرارها، لكان هناك كلام
آخر. أما حين تعرض البرنامج للوظيفة العامة، بمعني الولاية
العامة، خلط معني شرعية القرار، بما فيه قرار الحرب، المدني
والدستوري، بالمعني الديني، وبما وصف في البرنامج بالمقاصد
والأسس التي حددتها الشريعة. وحصر الواجب الشرعي في الواجب
الديني فقط، مع إهمال الواجبات الأخري، الوطنية والسياسية!
ضاع كل ما ذكر في البند سادسا، من هذا الباب، وكان تحت عنوان
المساواة وتكافؤ الفرص سدي، إذ وهو ينص علي عدم التمييز بين
المواطنين، في الحقوق والواجبات، علي أساس الدين أو الجنس أو
اللون، إذ به يرمي بقنبلة لتنفجر في وجه الجميع. هي قنبلة
باستثناء منصب رئاسة الدولة ، ويشترط فيمن يتولاه أو يترشح
له أن يكون مسلما، وألا يكون من جنس النساء، واستند البرنامج
علي ما سماه اتفاق الفقهاء علي عدم جواز توليها لها ، وفي
هذا تجاهل صريح لمعني الولاية العامة في الدولة الحديثة،
وبذلك فشل في توفيق أوضاع الجماعة الوطنية والسياسية، ولم
يغير من موقعها الذي تشغله في الفضاء الدعوي، وعجز عن نقلها
إلي حقل السياسة. وندعي أن توفيق الأوضاع كان ممكنا دون
تناقض أو صدام بين السياسة والدين.
ولاية المؤسسات والسلطات المنتخبة، أساسه القبول بإرادة
الأمة، دون تحفظات، والقبول بأن من يحتل موقعه علي رأسها لا
يبقي طليق اليد، ونحن نتحدث هنا عن مؤسسات وسلطات حقيقية،
وليس سكرتاريات فنية وإدارية كالتي ابتدعها حسني مبارك
وعائلته، وهذا التطور جعلنا نري رؤساء مسلمين في بلاد ذات
غالبية غير مسلمة، فالهند رأسها ذاكر حسين بعد الاستقلال،
وفي السنوات الأخيرة رأسها أبو بكر زين العابدين أبو الكلام،
الملقب بأبي القنبلة النووية الهندية. وفي افريقيا وصل
فيلسوف ومفكر مسيحي إلي رئاسة بلد إسلامي بإرادة شعبه. هذا
البلد هو السنغال، والرئيس هو ليوبولد سنغور. فليس بالضرورة
مع هذه التطورات، حتي لو كان الحكم بالشريعة، أن يكون الحاكم
مسلما أو إمرأة. إذا ما أصبحت الولاية للمؤسسات وأضحي الكل
أمام القانون سواء. ومشكلة أكبر بدت في نظرة البرنامج
المرحلية والمؤقتة للنظام السياسي: فينص علي أن يكون نظاما
رئاسيا ـ برلمانيا ، وبعد هذا الكلام الذي لا غبار عليه، يضع
تحفظات تفرغه من مضمونه هي: ذلك في ظل الواقع المصري الحالي،
والمناخ السائد علي المستوي الإقليمي والدولي ، بما يوحي بأن
النظام الرئاسي البرلماني، الذي يتطلع إليه المصريون للتخلص
من وطأة الاستبداد والفساد والتبعية، بأنه نظام موقوت
بالواقع المحلي والمناخ الإقليمي والعالمي، ومستهدف من جانب
البرنامج بالتغيير طبقا لإرادة الأمة عبر آليات الديمقراطية
الحقيقية ! والانطباع هو أن الإخوان متي حكموا، علي أساس هذا
البرنامج، منوط بهم تغيير الواقع الحالي وتبديل المناخ
السائد، وهو توجه انقلابي ضد النظام الجمهوري، يتربص به،
ويقدم التوريث لعائلة مبارك علي طبق من ذهب، وليس من فضة.
والنتيجة أم من يسيء الظن بالبرنامج معذور، واهتزاز الثقة لا
يأتي من فراغ. وأنوه إلي أنني لمست، أثناء زيارتي للقاهرة،
في الأسابيع الأخيرة، تبدلا ملحوظا في مواقف أوساط وطنية
ودينية وثقافية من الإخوان، ممن كانوا يدافعون عن حقهم في
العمل السياسي وتأييدهم في تأسيس حزب يعبر عنهم. وفيهم قوي
وأطراف محسوبة علي التيار الإسلامي، وكذا في أوساط مسيحية
وطنية، ليست طائفية، ولا إنعزالية، ولا محسوبة علي ليبرالي
أمانة السياسات الجدد . والقلق لم يكن بهذا المستوي حتي شهور
قليلة خلت. وما زال للحديث بقية.