افـعـلـوا مـا أقــول... لا تـفـعـلـوا ما أفـعـل
...............................................................
بقلم : مخلص
الخطيب
...........................
يسخر الفرنسيون من رجال دينهم، فيحكون أن قسّ ما، كان يقدم
المواعظ الدينية والاجتماعية لمُصلـّيه يوم الأحد. اكتشفوا
يوماً أنه ليس على نصيب وفير من السيرة الحميدة والخلق
الحسن، فسألوه عن مبررات أفعاله غير المشرفة، فحاول الإجابة
لكنه لم يتمكن من إقناع المُصلـّين، حرجه هذا دفعه لقول
مقولة، باتت مثلاً يردّده الفرنسيون باستمرار، قال القسّ
للمُصلـّـين :
افــــعلـــــوا ما أقــــول... لا تــــفــــعـــلـــوا ما
أفـــعــل
Faites ce que je dis !
Ne faites pas ce que je fais !
لعل هذا المثل ينطبق على حكام بلادنا العربية وعلى حكام
إفريقيا. فحين اجتاح الكيان المحتل قطاع غزة الفلسطيني وصُعق
من صمود شعبه، وانسحب دون أن يصل إلى هدفه بـ "سحق" المقاومة
والمقاومين وبإطلاق سراح الأسير شاليط، قال حكامنا ما فيه
الكفاية حول شكوى سيرفعونها إلى مجلس الأمن، لتصنيف كيان
الصهاينة كمرتكب لجريمة حرب، وهناك من وعد برفع دعوى ضد
الثلاثي الصهيوني، أمام محكمة الجنايات الدولية. والشعب
العربي ينتظر أن يتحرك هؤلاء الحكام بهذه الاتجاهات، لكن
شللهم كبُر، وتعلـّقهم بأوباما أنساهم ما قالوه.
/ فهل من منظمة مدنية فلسطينية أو عربية أو دولية،
تــفــعــل مــا قــالــه حـُــكـــام وإعلاميو الــعـــرب ؟
/.
وفي مؤتمر قمة الاتحاد الإفريقي، الذي عُقد في مدينة سيرت
الليبية منذ أيام، لفت انتباه معظم المهتمين بقضايا أمتنا
العربية والقارة الإفريقية أن توصيات المؤتمر لم تتطرق
للقضية الفلسطينية برغم حضور نصف دول الوطن العربي. فهاهي
التوصيات التي تم إقرارها :
* الرجوع عن القرار الذي اتخذه قادة القارة الإفريقية بتجميد
عضوية موريتانيا في الإتحاد، بسبب [ عدم احترام الديمقراطية
] بُعيْد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب سيدي ولد شيخ
عبد الله، وقبول عودة موريتانيا للحضن الإفريقي، تكريماً
للحل الديمقراطي الذي اتفق عليه قادة موريتانيا برعاية رئيس
السنغال. [ لماذا لا يفعلوا في بلادهم ما يقوم فعله في هذا
البلد الصغير الفقير من بداية ديمقراطية ؟ ].
* إدانة أعمال العنف التي أدّت إلى اغتيال رئيس غينيا بيساو،
ومطالبة الجيش بعدم التدخل بالشؤون السياسية للبلاد، تمهيداً
لانتخابات ديمقراطية تفرز رئيساً جديداً بدل الرئيس المغتال.
[ لماذا لم يتطرقوا لأعمال العنف الهمجية في الصومال الفقير
المُمزّق ؟ ].
* دعوة انقلابيي دولة غينيا إلى احترام التعهدات المتخذة
باسم الدولة، دون التنديد بالانقلابيين. لا غرابة في هذا
فغالبية حكام العرب العظمى انقلابيون قدامى، [ فهم يقولون
ويصرحون.. ولا يفعلون ].
* الإعراب عن قلق عميق بسبب عدم عودة النظام الدستوري في
مدغشقر. عجيب، وكأن حكامنا العرب يحترمون أنظمتهم الدستورية.
[ لا يفكرون حين يقولون.. يتردّدون حين يفعلون ].
* لم يتم التطرق للمأساة الصومالية بجدية ولم ينوه عنها في
البيان الختامي، [ وكأن حكامنا العرب لا يعتبرون الصومال
دولة عربية ؟ ].
* أما القضية الفلسطينية فلم تكن حاضرة سوى في "نفوس وقلوب"
الحكام العرب المشاركين، وخلال لقاءاتهم الهامشية. [ يا لعار
ما لم يفعلون، فمناسبة كهذه، كانت الفرصة الذهبية لإقناع
الزعماء الأفارقة بأحقية قضيتنا المحورية، وبضرورة رفع دعوى
دولية لدى محكمة الجنايات الدولية ].
يا للمفارقة، فقد حلـّل الديمقراطية في إفريقيا، من حرّموها
ويحرّمونها في بلادهم منذ عقود. وكأنهم يردّدون المثل
الفرنسي، على طريقتهم :
/ افـعــلـوا ما نـصـرّح به هنا وهناك... لا تــفــعـلـوا ما
نـفـعــله في بلادنا /.
* إيقاف التعاون مع محكمة الجنايات الدولية، تضامناً مع
الرئيس السوداني عمر حسن البشير. قرار جريء وشهم بين قادة من
رَحْـم سياسي واحد، فقد أجمعوا على المطالبة بإرجاء مذكرة
اعتقال الرئيس السوداني لمدة سنة ! وبعد هذه السنة، الله
أعلم ! كان عليهم أن يتخذوا قرارا جدّياً كهذا، فكثيرون منهم
معرّضون لمثل هكذا اعتقال، ففي سجون بلاد معظمهم يتكدّس
معتقلون سياسيون بلا محاكمة، وحسب المثل الفرنسي :
/ قالوا في قـمـة إفـريـقـيـا... ما لا يفعلوه في معتقلات
بلادهم /.
طرح "الزعيم" ملك ملوك إفريقيا ورئيس المؤتمر، فكرة تحقيق
إنجاز يُخلـّـد.. فكرة قيام وحدة إفريقية تحت اسم ( الولايات
المتحدة الإفريقية )، وأدخل "القائد" الكـُرة في ملعب الحكام
الآخرين، فأعلنوا عن حرجٍ كبيرٍ من اتخاذ موقف معارض لـ
"زعيم الجماهيرية العظمى"، وطالبوا بالتـّـأنـّي وبالبدء
باتحاد أمني واقتصادي وغذائي، يضمن معيشة أبناء إفريقيا،
ويطرد الصراع بين عشائرهم وأديانهم.
هدّد القائد "الملهم" مُعلناً أنّ على إفريقيا [ أن تكون أو
لا تكون ]. سخر منه خفية ً كثيرون من حكام القارة السمراء،
غير أنهم لم يـُـبدوا ذلك، فالزعيم القائد يعتبر أحد مصادر
دعم معظمهم مادّياً. سايروه وقبلوا تغيير اسم مفوضية الإتحاد
الإفريقي باسم "سلطة الإتحاد الإفريقي"، وأجمعوا على
إنشائها.. وهدأت الأمور. يبدو أن القادة الأفارقة فكّروا
جلياً بمقترح القائد وتساءلوا في جنون : من أخفق في كل
محاولاته الوحدوية العربية، لِـمَ يفلح بمحاولته الإفريقية ؟
وعدّل المتفرنسون منهم، المثل السائد في فرنسا، مُردّدين :
/ لن نفـعــل ما يقـول... ولن نــفــعـل ما يفـعــل /.
لم يُفلح القائد بإقناع القادة الأفارقة بفكرته، فقبل
تأجيلها لمؤتمر مقبل، متفائلاً بقبول القادة الأفارقة لفكرته
"الجهنمية". العقيد رجل عنيد، فقد اقترح اللجوء إلى [
استفتاء شعبي ] تشارك فيه جميع شعوب القارة السمراء، مؤكداً
أن فوز الاستفتاء سيكون بنتيجة 100%. وهنا كان مُحقـّـاً،
فالعقيد يعرف كإخوته العرب ماذا يؤكّد، فالـ 100% أو أقل
بقليل، عملية مُعتادة في بلادهم.
وفي خطاب اختتام أعمال القمة الإفريقية الثالثة عشرة، أعلن
الزعيم القائد عن ارتياحه لـ / نجاح قمة سرت الإفريقية ! /،
مذكّراً ومكرّراً حق القارة الإفريقية بـ [ الحصول على مقعد
دائم في مجلس الأمن ]، كونها القارة الوحيدة غير الممثلة
بشكل دائم.
انتهت أعمال مؤتمر القمة الإفريقية بعد أن اتخذوا قرارات
ديمقراطية وحدوية ممارسين كل حرياتهم الشخصية، ومنهم كان
حكامنا العرب أو مُمثـّـليهم من جزر القمر والصومال وجيبوتي
والسودان ومصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا،
يعني حكام نصف الوطن العربي. وتبقى أسئلة مطروحة :
أندم حكامنا على دعمهم لديمقراطية موريتانيا ؟
وهم جهلة بفهم تطبيقها في بلادهم ؟
أفكّر أحدهم بتغيير جذري في نظام بلده السياسي ؟
ألم يخجلوا من أنفسهم وأمام شعوبهم،
من عدم التطرق جدّياً لقضية فلسطين ؟
فهم حكام 10 دول عربية من 53 دولة إفريقية،
ولديهم من الأدلة ما يُقنع بالمطالبة بمحاكمة قادة الكيان
الجرثومي،
لاجتياحهم غزة وللاستمرار بحصار شعبها غذائياً وبنيوياً، منذ
سنوات.
قد تكشف الأيام القادمة النقاب عن أسرار لم تتسرّب بعد.
لكن المثل الفرنسي الشعبي ينطبق تماماً على حكامنا،
فما على كل منهم سوى ترديد ما كان يقوله القسّ الفرنسي منذ
أكثر من قرنيْن :
افـــعــلـــوا مــا أقـــول... لا تـــفـــعــلــوا مــا
أفـــعــل.
12/02/2011