سبتمبر 28... ما الذي قتلك يا أفضل الزعماء ؟
...............................................................
بقلم : مخلص الخطيب
........................
 |
|
|
آخر
الأنبياء |
|
في نهاية القرن التاسع عشر، انعقد في مدينة [ بال ] في
سويسرا، أول مؤتمر صهيوني عالمي. بتخطيط وتنظيم نادريْن،
أعلن قادة المؤتمر عن نيتهم وعزيمتهم بالعمل على إيواء شراذم
الأرض من اليهود، واتفق المؤتمرون على فكرة قيام دولة لليهود
على أرض فلسطين. روّجوا لفكرتهم في جميع أنحاء العالم،
واستطاعوا إقناع بريطانيا بمشروعها الاستيطاني، وكان وعد
بلفور المشؤوم في العام 1917 بإنشاء وطن لليهود في فلسطين
سنة واحدة قبل ولادة الزعيم جمال عبد الناصر، وضع هذا الوعدُ
الحجرَ الأساسيّ في قيام هذا الكيان اليهودي العنصري.
جرى كل هذا بمعرفة من كانوا مشايخ القبائل والعشائر العربية
الأُمّيّة، وبمعرفة ملوكٍ وأمراء يرزحون تحت وطأة الاستعمار
في كافة الدول العربية، فلم يحرك هؤلاء السادة ساكناً
لغبائهم من جهة، ولأنهم كانوا طامعين باستقلالهم بالتآمر على
العثمانيين لصالح الحلفاء الغربيين، من جهة أخرى. لم يأبه
هؤلاء السادة الجهلة لِما فـُشِيَ عنه حول اتفاقية
سايكس/بيكو السرية، التي تقضي بتقسيم المشرق العربي لدول
تابعة لانكلترا وأخرى لفرنسا، وهذا ما حصل فعلاً بُعيْد
الحرب العالمية الأولى، وتمّ استعمار كل بلادنا تحت تسميات
عدة : انتداب - حماية – وصاية...الخ.
قامت حركات تحررية رافقتها مفاوضات مع المستعمر في كل من
سوريا ولبنان، انتهت باستقلال لبنان في العام 1943، وسوريا
في العام 1946، بيد أن بقية الدول العربية بقيت مستعمرةً أو
تحت السيطرة الاقتصادية بسبب الثروات النفطية التي تم البحث
والعثور عليها لاستغلالها. في سن الثلاثين، كان جمال عبد
الناصر ضابطاً حين قرّرت عصبة الأمم المتحدة رحيل الاستعمار
البريطاني عن فلسطين، مانحة ً بمساعدة المحتل البريطاني،
ليهود العالم حق قيام كيان، تنفيذاً لوعد بلفور.
حين بدأ نزوح حثالات اليهود من كل أنحاء العالم لاحتلال
فلسطين، لم تكن أي دولة عربية مؤهلةً لمواجهة الحدث، فأرسلت
مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن والسعودية مقاتلين مسلحين
بـ "نخوة وشهامة العرب"، كانوا مُوَحّدي الهدف "طرد اليهود
وإعلان استقلال فلسطين"، مختلفي الوسائل بجيش مصري منظـم
نسبياً لكن أسلحته كانت فاسدة بالية، بجيوش سوريا ولبنان
الضعيفة كونها خارجة من حقبة استعمارية مرهقة، بجيش عراقي
مسلـّح بدائياً، وبعساكر ومتطوعين أردنيين وسعوديين وغيرهم،
يجاهدون في سبيل الله من على جمالهم وخيولهم.
كادت إرادتهم بتحرير الأرض تصيب هدفها بـ "رمي اليهود في
البحر"، لكن [هدنة] أُعلـِنت وصدّقها ملوك وأمراء وشيوخ
العرب السّذج، جرى وراءها تصويت من هيئة الأمم المتحدة
بتقسيم فلسطين لدولتيْن، بعد دعم الغزاة اليهود عسكرياً. رفض
العرب المقاتلون هذا التقسيم واستمروا بحربهم حتى الخسارة،
فانسحب من انسحب من الطرفيْن وقـُتل من قـُتل وأًسِر من
أُسِر، وحصلت [النكبة].
كان جمال عبد الناصر من الضباط الأسرى الذين شاركوا في هذه
الحرب النكراء.
تأثر جمال عبد الناصر من هذه الهزيمة كما تأثر كل عربي، وبدأ
مع رفاقه الضباط الآخرين يفكرون بكيفية إصلاح النظام المصري
أو الخلاص منه، لا نعرف كثيراً عن دور جمال عبد الناصر في
المعارك التي جرت، ولكن يمكن تصوّرها، فقد كان ضابطاً كبقية
الضباط وكبقية عناصر الجيش المصري والجيوش العربية، كلهم
قاتلوا وكلهم خسروا، وضاعت أرض فلسطين التاريخية، بسبب جهل
وغباء ملوكهم ورؤساء عشائرهم، والتـشكيـك بنخوة ونزاهة من
شاركوا في هذه الحرب ضباطاً كانوا أو عساكر أو متطوعين أو
مواطنين عاديين، أمر غير أخلاقي.
كان لهذه النكبة المفجعة صدى كبير داخل جيش مصر وبين ضباطه
الأحرار وقامت ثورة الـ 23 من يوليو 1952 البيضاء، وليس من
المفيد العودة لما سُمع وقـُرئ من تناقضات عن هذه الثورة،
وعن ضعف شخصية أول قائد لها (محمد نجيب) الطيبة، أمام شخصية
جمال عبد الناصر القوية، الفذة والمُفكّرة، التي أهّلته
لتسلـّم مهام السلطة في العام 1954، كما ليس ضرورياً تكرار
التطرق لفكرة عبد الناصر بالترويج للقومية العربية، كبداية
لتحرير كل الدول العربية بهدف تحقيق أمة عربية واحدة تضم
بتساوٍ مطلقٍ كل أديانها وطوائفها وأعراقها، وما اصطدامه مع
جماعة الإخوان المسلمين إلا صورة حية عن تعلقه بأمة تعدّدية
الأعراق والأديان والطوائف، خالية من فرض شريعة دين واحد على
جميع المواطنين، فلم نعثر بعهده على أي نوع من الصراعات
العرقية أو الدينية أو الطائفية إطلاقاً.
ليس مُحبّذاً العودة لإيجابيات جمال عبد الناصر المعترف بها،
على المستوى الشخصي والأسري والعائلي وعلى مقدار الوفاء
والإخلاص للأصدقاء، وعلى ضخامة التضحية من أجل الحفاظ على
منجزات الثورة، وعلى التعلـّق بأمته العربية وانفتاحه على
العالم، فهذه أمور يقرّ بها القاصي والداني. وصل جمال عبد
الناصر للحكم بفضل شخصيته وفكره وأهدافه، وكان أول [ رُيـّـس
] لمصر وأول [ قـائـد ] للأمة العربية.
بيد أنه ليس سلبياً التطرق بإيجاز لإنجازات جمال عبد الناصر
:
* حرّر مصر من الملكية الفاسدة التابعة... * حرّر عقل الشاب
العربي... * أنجز مع قادة العالم حركة عدم الانحياز، فارضاً
احترام نفسه واحترام عروبته على العالم... * دعم ثورتي
الجزائر واليمن الجنوبي بكل قواه... * ناهض حلف بغداد
الاستعماري... * عادى فرنسا وإنكلترا واللوبي الصهيوني
العالمي...... * عادى دول العرب المتخاذلة... * ساهم بإنشاء
منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة أحمد الشقيري... * جعل من
قضية فلسطين همه الأكبر... * شيّد السد العالي... * عرف أن
لا انتصار ولا خسارة بدون تضحية، فضحى بجنود وأبناء مصر من
أجل استعادة قناة السويس فأمّمها، وكان العدوان الثلاثي... *
حقق حلم كل عربي حين وافق قادة سوريا بقيام الجمهورية
العربية المتحدة... * بنا مصانع الغزل والنسيج، والحديد
والصلب، وسيارة رمسيس وحاول وضع مصر على أعلى المستويات
التقنية والاقتصادية... * صدّق مقولة أنّ سوريا مهددة
باجتياح من إسرائيل في يونيو 1967 فتحرك وتحدّى، معتقداً أن
رفاقه الضباط "الأحرار" بنفس قدرة الوفاء والتضحية من أجل
الوطن، فخاب أمله من غياب التنظيم العسكري المصري ومن
الخيانات العربية الهاشمية والسعودية آنذاك... * لم يرم
اللوم على أحد، فأعلن بجرأة استقالته مصرحاً أنه المسؤول
الوحيد عن النكسة التي هزّت كيانه... * خضع لصيحات الشعب
العربي في كل مجتمعاته وعاد للحكم، وقام بتنظيم حرب
الاستنزاف التي استغلها السادات... * أقام مُصالحات بين
الفلسطينيين والأردنيين، والفلسطينيين واللبنانيين قبل رحيله
في الـ 28 من أيلول / سبتمبر 1970.
لم يهتم جمال عبد الناصر بالديمقراطية وبتطبيقها، فقد عرف
أحزاباً مصرية آنذاك تتبجح بالديمقراطية البريطانية وتحتكر
المواطن وتسحقه وتنهكه، كان يعتقد أن الديمقراطية هي حرية
ترشـّح وتمثيل وتعبير وتنقل... لكنها ليست من تراثنا العربي
الإسلامي، ولا من تربيتنا الأسرية ولا من عاداتنا المجتمعية،
لكنه حاول خلق نوع خاص من الديمقراطية المتلائمة مع مجتمعه،
كالاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي... فهل كان مُخطئاً ؟
لم يُعط جمال عبد الناصر الحرية لأعداء الشعب لقوة نفوذهم
ولكونهم يتربصون به وبثورته وبإنجازاته...
أمّم جمال عبد الناصر المزارع الكبرى والمصانع وأعاد للفلاح
والعامل والموظف كرامته التي كان مُداساً عليها في عهد
الملكية والاستعمار، فتمّ وصفه بـ ديكتاتوري عدو للديمقراطية
والحرية، وهو الذي كان قد عايش طلاق أمه من أبيه وديكتاتورية
القوّام، وهو الذي كان يعي أن لا حق للزوجة والأولاد
بالتعبير أو التصرف في بيت الزوجية، ولا حق للعامل والموظف
والفلاح بإبداء الرأي أمام صاحب المصنع أو المسؤول الأعلى أو
المالك...
كان جمال عبد الناصر مدركاً مدى صعوبة تطبيق ديمقراطية
أوربية مستغلة، في بلاد عربية إسلامية لم ترث سوى الصراعات
والاقتتال بين الخلفاء والخلافات، وأن حرية الرأي والكلمة
تتوقف أمام رغبة ولي الأمر أو تفسير سيء لآية أو لحديث أو
لقول صحابة منذ 14 قرناً، كان يعي أن تطبيق الحرية
والديمقراطية أمر شبه مستحيل في أسرة قامعة، وفي مجتمع تسود
فيه قيم الحرام والممنوع والعيب والعقاب... وها نحن العرب
المسلمون بعد حوالي 40 عاماً على رحيل جمال عبد الناصر،
بتراجع على كل الأصعدة، فلا ديمقراطية طبقت ولا حرية أعطيت
ولا تضحية قدمت ولا كرامة بقيت ! لنتساءل عن الأسباب
والمبررات !
قـُتل جمال عبد الناصر وشـُوّهت صورته أمام الجيل العربي
الصاعد، غير أنّ ما قتله نفسيّاً، يتلخص بما يلي :
* خيانة ملكيْ الأردن والسعودية لقيامهما بالحيلولة دون قيام
الجمهورية العربية المتحدة، بتشجيع خونة من ضباط سوريين
أقزام للقيام بحركة الانفصال.
* انفصال سوريا عن مصر وحلّ أول إنجاز وحدوي في ذلك الوقت...
كانت الرصاصة الأولى التي أصابت قلبه الكبير.
* غياب الداعم الدولي القوي المساعد على تحقيق حلمه
"البسماركي" بتوحيد العرب عن طريق تحرير فلسطين.
* تخاذل حاشيته الحاكمة في خضم أجواء مجابهة العدو الصهيوني
في العام 1967، وكانت الرصاصة الثانية التي كاد أن يسقط بها.
لكنه رحل يوم الـ 28 من أيلول/سبتمبر 1970، ذكرى انفصال
سوريا عن مصر من العام 1958.
يا لهما من يومين أليميْن يحملان ذكريات موجعة :
28 أيلول/سبتمبر 1958
حُـلـّت وحدة كاملة بين شعبين عربيين شقيقين دامت حوالي
أربعة سنين، بحركة انفصال مخطط لها في باريس ولندن، بتواطؤ
ودعم مادي عربي رجعي، وبتنفيذ ضباط سوريين مرتزقة... وأبى
جمال عبد الناصر استعمال القوة المسلحة لاستعادة الوحدة،
معتبراً إن على التوحّد أن يكون نتاج رغبة المتوحدين
الطوعية.
فهل أخطأ ؟ هل ندم في العام 1967 ؟ تركـَـنا القائد والجواب
في أعماقه.
28 أيلول/سبتمبر 1970
رحل أنبل وأشرف وأجرأ قائد عرفته أمتنا العربية منذ صلاح
الدين... رحل جمال عبد الناصر بموت طبيعي أو بقتل متعمد، كما
يتردّد منذ أسابيع في كتاب الابنة الكبرى للزعيم الراحل جمال
عبد الناصر... لكنه رحل ولم يورّث ولم يترك سوى تخليده
إيجابياً ممن تعلـّقوا به، أو سلبياً ممن حقدوا عليه وشوهوا
مسيرته، بسبب نكسة لم تصحّح بعد، أو اشتراكية طبقها ولم
تـُعوّض بأفضل سوى بـ "خصخصة بربرية لعشوائية" أو حرية
ديمقراطية لم يقتنع بها كما كانت عليه، ولم يطبقها مسؤول
بعده.
لابدّ أن يكون للقائد جمال عبد الناصر إيجابيات وسلبيات، فهو
بالنهاية إنسان لم يلد من امرأة عذراء ولم ينزل عليه وحي ولم
يكن معصوماً... يعتبر البعض إيجابياته كسلبيات ويقيّم البعض
الآخر سلبياته كإيجابيات، فمتى نكون معترفين لجميله بفضل
إيجابياته ؟ ومتى نعذره بسبب سلبياته ؟ ومتى نعطيه المكانة
التي تليق به كأشجع قائد عرفته أمتنا ؟
رفعت رؤوسنا يوماً يا جمال عبد الناصر...وهاهم ينكسونها
ويفاوضون ويتواطئون بعدك... سلام عليك يوم ولدت ويوم صمدت
ويوم رحلت أو قـُتـلت...
يوم الـ 28 من أيلول/سبتمبر 1970.
12/02/2011