مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 لمسات فرنسية الجزء 3 : مُراهقو وشبابُ فرنسا
...............................................................

 

لمسات فرنسية

 

بقلم : مخلص الخطيب
..........................


تـمّ التطرّق في المقالة السابقة لأوضاع [أطفال فرنسا]، فباتت معرفة أحوال [مُراهقيها وشبابها] مُحبـّذرة ً... بادئ ذي بدء، لابدّ من التذكير أن الفرنسيّ، كغيره من أفراد البشرية، يدافع عن أفكار ٍ ويمارس عاداتِ ويزاول مظاهر تـُدهش الفرد العربي القادم إلى فرنسا للمرة الأولى، كالطالب الموفد أو المهاجر المُضـْطـر أو المثقف المطرود أو المضطهد...الخ.

يَصِلون إليها بوجوه تـُعَبّر عن سعادةٍ ما، وتعبّر كذلك عن ألم مغادرة بلادهم وأهاليهم... [منهم من يتأقلم ويتلاءم بحذر ويعيش سعيداً نسبياً]... [منهم من يتحمّل ويصبر على صعوبة مغادرة وطنه، كونه يعرف أنه عائد]... [مجموعة أخرى لا تتلاءم وترفض الجو الفرنسي جملة وتفصيلاً، لكنها تستمر بالإقامة بصمت وحلم بعودة مُشـَرِّفـَة للوطن].

[ قلـّة ً منهم تنقـد بحدةٍ وتطرّفٍ مظاهرَ المجتمع الجديد، مظاهرَ لم تـَـرَ مُمارستها (علناً) في مجتمعها الأصلي أو تتجاهلها، وكأنها كانت تتصور أن مجتمعها هو "الصورة الفاضلة الأصل" وأن صور المجتمعات الأخرى هي "النسخ الفاسدة"، فيصبح بعض أفرادها ناشطين ضد هذه المظاهر، بتمسك بدين لم يمارسوه قبل، بعد أن بذلوا كل جهودهم للإقامة وللاستفادة من مزايا الهجرة مالياً وصحياً واجتماعياً، وللحصول على الجنسية الفرنسية ].

حقاً، مظاهر عديدة في فرنسا تلفت انتباه "الآخر"، خصوصاً على المستوى التربوي والعلاقاتي، فما أن يبدأ هذا "الآخر" بالتعايش مع أسرها وعائلاتها حتى يلاحظ بـ "مرارة المندهش" عادة الاختلاط بين ذكور وإناث فرنسا، على كل المستويات وفي كل الأعمار والمناصب... يتساءل كثيراً عن سبب هذا الاختلاط دون ردّ يأتيه... فينتهي بالتساؤل عن أسباب غياب الاختلاط في مجتمعه الأصلي، ويفهم أن الاختلاط في فرنسا مزاول منذ الولادة، يختلط الرّضيع بالرّضيعة ثمّ الطّفل بالطّفلة والمُراهق بالمُراهقة والشّاب بالشّابّة، ثم الطّالب بالطالبة والمُدرّس بالمُدرّسة والموظف بالموظفة وكل رجل بكل امرأة.

[ هذا الاختلاف لا يعدو عن كونه أحد موروثات الفرد الفرنسي من عادات وتقاليد وطقوس أسلافه ]. إنّ هذا الاختلاط المُتعارف عليه لا يُسبّب مشاكل في المُجتمع الفرنسي، كونه نتاج تركات اجتماعيّة عُرفيّة قديمة، لا دخل للـدّيـن بها، فالـدّيـن فـُُصِل عن الدّولة بعد [نضال علمانيّ] دام طويلاً... بعد نضال أُ ُبيدَت خلاله ثورات وإمبراطوريّات وملكيّات وجمهوريّات، ناهيك عن كفاح المرأة الفرنسيّة منذ قرون، وخاصّة بُعيد الحرب العالميّة الثّانية للحُصول على حقوقها الّتي كانت تعتبرها مهضومة ومنقوصة، فزال الفرق بين الرجل والمرأة مُجتمعياً، لكن الكفاح مازال قائماً للمطالبة بالمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات في بعض مهن القطاع الخاص، حيث الرجل يتقاضى أجراً يفوق بحوالي 20% راتب المرأة (بنفس المستوى الدراسي وبذات الخبرة والعمل الممارس)... نضال النقابات بكل فروعها مستمر ، بهدف إصلاح هذا الخلل المجتمعي المرفوض... وسيـُستـَجاب له عاجلاً أم آجلاً.

[ إذن، اختلاط الذكر والأُنثى في فرنسا عادة مُجتمعيّة موروثة، ينـقـدُها الآخرون لِما لهم من عادات مُختلفة، واستناداً منهم على تاريخ قديم وأقوال لا تأكّد من صحتها... برغم هذا الاختلاف، فلا رفض ممكن للاستفادة من تجارب الآخرين، بدون تـقـلـيد أعـمى كما يفعل الجهلة أصحاب عقد النقص... فاكتساب ما هو حسن من الغير، بعد بحث ودراسة وقناعة، هو أمر ضروري، والتشجيع عليه مُستحسَن ].

أمر آخر يلفت استغراب "الآخر" المتعايش مع المجتمع الفرنسي، ألا وهو نوعية وطبيعة اعتبار مُراهقي وشباب فرنسا في البيت والمدرسة والمجتمع.

لاشك أن بيت الأسرة هو العشّ الطّبيعيّ للولد الفرنسيّ، مثله كمثل أيّ ولد آخر في هذا الكون، وكل ما تبقى يختلف :

* احترام المراهق الشاب مُصان.

* الإصغاء الجدّي لما يقوله مُطبّق.

* وضع المراهق الشاب عند حدّه، يتـمُّ بنقاش مقنع ضمن أسرته ومدرسته وعمله.

* رفع الصّوت بوجهه لتخويفه، مُخالف لكل تعاليم التّـربية.

* إعطاؤه حرّية قبول وتلبية كل دعوة لأي حفلة -عيد ميلاد أو غيره- أمر معهود.

* اصطحابه للعطل السّياحيّة والتّرفيهيّة والثّـقافيّـة، شيء طبيعي.

* الاهتمام بنظافته والسّهر على دراسته وعلى أُسلوب حياته، عنصر يمارسه الأهل بكل عناية.

* عدم التـّدخـّل بما يرغب فعله إن لم يكن مُضرّاً بصحته وبصالح الأسرة، ضرورة لا ريب فيها.

* شراء ما يرغبه من كتب غير مدرسيّة لقراءتها، حكمة وعبرة لمن يعتبر.

* تسجيله منذ الصّغر بمدارس مُتخصّصة بالرّياضة أو الموسيقى أو الرّقص أو الغناء، حسب هوايته ورغبته هو، جزء من تربيته الحسنة...الخ

[ مُراهقو وشباب فرنسا ينعمون بحبّ ورعاية واحترام أسرهم، فللشّاب والشابة في الثامنة عشرة من العمر الحقّ قانونيّا بمغادرة عــشّ الأبوين، وهذا ما يحصل طبيعيّاً بسبب الانتساب للجامعة أو مُزاولة مهنة، أمّا الوالدان فتبقى على كاهلهما قانونيّاَ مسؤوليّة ًمادّيّـة ًتجاه الأولاد، حتـّى يحوزوا على شهادةٍ مؤهلةٍ لمزاولة عملٍ أو لكسب عيشٍ ].

لعل انتقال الولد الفرنسيّ من الطّفولة إلى المُراهقة ثم إلى الشّباب لا يؤثّر على تكوينه النـّفسيّ أو العلاقاتيّ، فلا عقدة نقص ترافقه، فالشاب كان قد مرّ :

(1) بـ مرحلة الطّفولة الصّغيرة مع رعاية في مدارس الرّوضة والحضانة المتخصّصة، من سنته الأولى لسنته السّادسة، حيث عاشر من هم بسنـّه، وتعوّد على التـّسلـّي بألعاب يدويّة أو فكريّة مُنمّية للعقل، وسمع حكايات وقصصاً من مُربّياته...

(2) بـ مرحلة ما قبل المُراهقة في المدارس الابتدائيّة من السّادسة للحادية عشرة، حيث تـُفـْـرَض عليه قراءة كتب غير مدرسيّة، وإعداد مجلة مدرسيّة حائطية أو ورقية، وممارسة رياضة خارج المدرسة مُنظمة من مُعلّميه وبرفقتهم، في الملاعب والمسابح وعلى الشواطئ، فتتكوّن عند كلّ منهم هواية ًيُمارسها...

(3) بـ مرحلتي المُراهقة والشّباب في الإعدادية والثّانويّة من الحادية عشرة إلى الثـّامنة عشرة مع نفس رفاقه البنين والبنات، فالمدارس بفرنسا كلها مختلطة، الرّسميّة والأهليّة، المدنية والدّينيّة، وهنا يبدأ ما تسمّيه المجتمعات الأخرى بـ (الانحلال الخلقيّ) وفقاً لمعاييرها وموروثاتها.

[ لا يتمتع المُجتمع الفرنسيّ بنفس القيم والمقاييس الأخرى، فممارسة المرأة للجنس مثلاً، حقّ مشروع لها بزواج أو بغير زواج، طالما كان هناك موافقة من الطّرفيـْـن... لا يُمكن ربط الممارسة الجنسية من قبل الفرنسيين بـ (الشّرف) أو اعتباره (دعارة) ].

هاهي بعض الحقائق التي يَـفرض ذِكرُها نفسَه :

أ) العلاقات الجنسيّة كانت تـُمارس قبل منتصف السّبعينات، بشكل عاديّ وطبيعيّ بدءاً من سن الـسابعة عشرة كحد مُتوسّط، الصّبايا الـلـّواتي كُنّ تـُزاولنه قبل الخامسة عشرة من العُمر نادرات... مرض الايدز الخبيث أوقف الممارسة الجنسيّة وباتت العلاقات رومانسيّة وعُذريّة، لكنـّها عادت نسبيّاً في بداية الألفية الثالثة، مشروطة بفحص طبّيّ مُسبق وتوعية دعائيّة مكثـّفة ويوميّة... هذه العلاقات كانت وما زالت (علنيّـة - مُـباحة) بعلم ومُوافقة الأهل.

بـ) الأهل يُعانون من هذه المُشكلة نظراً لحوادث الحمل المُبكّر لبعض البنات من أب يانع غير مسؤول، لكن القانون يُجـْبـر الأهل على عدم التـّخلـّي عن أولادهم :

* بـ تحمّّـل مسؤوليّاتهم وقبول عيشهم في بيت الأبويْن، حتـّى سن البلوغ، سن الـ 18 من العُمر، ثُمّ حتـّى غياب تامّ لحاجاتهم (شهادة أو مهنة) أيّا كان سنـّهم.

* بـ عدم تـّدخـّل الأهل بشؤون أولادهم الشّخصيّة بعد هذا السّن القانونيّ، حتـّى إن عارضت عقليتهم... وهنا يكمن التـّناقض التـّام في القانون الفرنسي بهذا الشّأن... الأسر المُحافظة تطالب بتعديل القانون، لكن اللوبي النسائي أكثر قوة وبراعة بتقديم المبررات المقنعة، وتدخـّل السياسيين هام كونه يساعد على حصولهم على أصوات الشباب.

جـ) العائلات الفرنسيّة تطمح كعائلات كل مجتمعات الخليقة، بإعداد أبنائهم لأفضل مُستقبل، ولكن (وفقا لإمكانياتهم الفكريّة والاجتماعيّة والمادية)، فما من اختصاص مُفضّل على آخر ولا من علامات تـُفرض على الشاب الحائز على الثـّانوية للقبول في جامعة أو معهد، ولا تعال ٍمن مُمارس ٍلعمل ِحُـرّ ٍأو من مُثقـّف ٍأو مُوظّفٍ، على عامل ٍعُمرانيّ ٍأو كهربائيّ،ٍ خبّاز،ٍ قصّاب،ٍ نجّار،ٍ مُمرّضةٍ، خادمةٍ...

[ كل منهم حائز على شهادة تخوّله مزاولة مهنته، والمهن تحتاج لبعضها بل تـُكمّـل بعضها، فمهنة الطبيب حيوية للمريض في عيادته، وحرفة الخباز أساسية للجميع في مخبزته، الخ... وعموماً يحصل الولد على مُستوى ما حصل عليه أحد أبويه، فمُراهقو وشبابُ فرنسا يقتدون بمؤهلات آبائهم، إلاّ ما ندر ].

الهدف من هذه المُساهمة لا يعدو عن كونه (وصـف مُـتـَجرّد) لـواقع حقيـقيّ، وصـف مُراهقي وشباب فرنسا... وكل من يَجـِدُ فائدة ً من المقارنة مع مجتمعه... ليفعل !

[ الخشية كل الخشية، من التقليد الأعمى لعادات الآخرين... التشجيع كل التشجيع، للاستفادة من المُفيد أينما وجد (اطلبوا العلم ولو في الصين) ].

لا بأس من عودة كل منا لواقع حياته، للذكرى : كيف ترعرع ؟ كيف تربّى ؟ كم عانى ؟ مع من اختلط وعاش ؟ أين وكيف درس ؟ ألم يتألم من مروره بالمراحل الّتي عبرها ؟... وكم هو مفيد مقارنة حياتنا وواقعنا بما تم وصفه عن مراهقي وشباب فرنسا...

وصفتُ واقع مجتمع أعيش به أُسرياً... أخذتً الحسن المُتلائم مع مقاييس وثوابت تربيتي... رفضتُ ما لم يتفق معها، دون الإشهار بـنقد ما لا يتفق مع موروثاتي، فأنا لست في بلدهم لأفرض طقوسي عليهم بل لأتأقلم معهم... جـِئـْتـُهم وقبلوني بترحاب واحترام، وعليّ تحاشي فرض رؤاي التي ورثتها على مجتمع ورث رؤى مختلفة.

أكرّر مقولة عمر بن الخطّاب المُحقـّة : [ إذا كُنت في قوم فاحلب في إنائهم ]، بمعنى : تأقلم وتلاءم مع عاداتهم، بلا تقليد... بلا انصهار... بلا ذوبان.
 

12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................