حرية التـّعبير والتـّمثيل الانتخابي في بلادنا العربية
...............................................................
مخلص الخطيب
....................
كثيرون من المُعيدين وحملة الشهادات الموفدين من حكوماتهم
العربية لإتمام اختصاصهم في جامعات أوربا، يعودون إلى بلادهم
[ واثقين من شغلهم مناصب هامة ] وهذا ما يتحقق فعلا، و[
آملين لعب دور القدوة ] من خلال تأثّرهم بما عاشوه اجتماعيا
ومارسوه دراسيّا وعلاقاتيا، كالحرية الفردية التي لا تـُحظر
في أوربا إلا بالقانون دون أيّ تدخل من المجتمع وعاداته
الموروثة، وكالديمقراطية الانتخابية التي كانوا يدهشون من
طريقة التعامل بها بشكل تلقائي.
عودتهم إلى الوطن الأم يسبب لهم " مُعاناة نسبية " لعدم
تفهّم أو تقبّـل الآخرين لما يقولون أو يفعلون، ولا يبقى لهم
إلا الـتـّـرحّم على الفترة التي قضوها في أوربا. ممارسة
مهنهم يخفف عنهم هذه المعاناة، لكنهم، رويدا رويدا، يعودون
للعيش الطبيعي في مجتمعهم وضمن عائلاتهم، وتبقى الغربة جزءا
من ماض لا يُنسى، متأكدين من استحالة لعب دور القـدوة في
مجتمع، حريـة فرده مرتبط بإرث وطقوس اجتماعية وروحية ثابتة
لا تـُـناقش.
كمقيم ومجنّس في فرنسا ومتعلـّق بانتمائي العربي، الذي ما
مللت ولن أملّ من الترويج له أمام معارفي ومن تدريسه لطلابي،
فإن علاقات ودية حميمة ربطتني بعدد من هؤلاء الموفدين العرب،
سمحت لي أن ألاحظ أنهم كانوا يعانون نفسيا مما يرونه من
تصرفات ويسمعونه من تعبيرات في فرنسا، فما كانوا يتوانون عن
وصف طريقة حياة الفرنسيين بالمُعيبة والإباحية، غير أنهم
كانوا يُبدون إعجابا بالحرية الفردية، بالديمقراطية
الانتخابية وبطريقة التع امل المجتمعي العفوي.
كان أكثر ما يُثلج صدورهم نظام المساواة التامة بين
الفرنسيين وبينهم كأجانب ( مقيمين مؤقتين )، فيما يتعلق
بالمزايا العديدة التي تُمنح لهم، كتعويض السكن، والضمان
الصحي المجاني، والمنح العائلية لكل أفراد الأسرة، الخ
***
أذكر أنه في إحدى سهراتنا، دار حوار شيّق بينهم حول ما
يقيّمونه هم، كتناقض بين سلبية ما كانوا يصفونه ب التدهور
الأخلاقي للفرنسيين، وايجابية ما كانوا يعيشونه من حرية
فردية ومساعدات مادية. لم يستوعبوا أن هذا التناقض ليس إلا
تكاملا، وأن الفرنسيين دفعوا ثمنا باهظا لتحقيق تطور
مجتمعهم.
أعدنا سوية للذاكرة وبطريقة مبسطة، ما حققه الفرنسي في هذا
المجال وكيف انتهى بقبول العلمانية ( فصل الدين عن الدولة )
كنمط لحياتهم السياسية والاجتماعية. تناولنا ما قام
الفرنسيون بانجازه فكريا وسياسيا طوال أكثر من قرنيين، بهدف
الوصول إلى صيغة تجمع حرية فردية يمارسونها وديمقراطية
انتخابية تسمح لهم بالتعبير السياسي عن آرائهم.
فهمنا أن الفرنسيين لم يتوصلوا إلى مأربهم بيسر، ففشلت نسبيا
ثورتهم وتغيرت أنظمتهم، قتل من قتل وأعدم من أعدم ونفي من
نفي، الإمبراطوريات والملكيات والجمهوريات كانت تسقط وتعود
الواحدة بعد الأخرى، فدفع الفرنسي بسخاء، أغلى ما لديه :
الـدّم، دون أن يحقق كل ما يبتغيه من الحرية والديمقراطية.
ذات مرة وحول طاولة مأكولات عربية، تساءلنا عن مبررات اقتناع
الفرنسيين بفكرة فصل الدين عن الدولة، برغم ما لاقت هذه
الفكرة من عراقيل وصعوبات وفي الوقت الذي كانت تُعتبر فيه
فرنسا ٌ ابنـة الكنـيسة المـدلّـلـة ٌ.
وصلنا إلى تحليل متواضع يُختصر بأن المواطن الفرنسي، بعد
حروب شرسة بين الكاثوليك والبروتستانت و بعد حربين عالميتين
مدمّرتين، تأكد من أن الوسيلة الوحيدة لتفادي الحروب والتمزق
يكمُن بممارسة الحرية والديمقراطية ضمن نظام جمهوري برلماني
[ علماني، لا يلغي مزاولة الدين ]، وبالتالي فهم هذا المواطن
أن ��ليه قبول تضحية، ثمنها أغلى من الدم : التنازل عن
المرجعية الكنسية وعن قوانين السماء، وفعل.
قبيل انتهاء السهرة، استنتجنا بتواضع أن [ الحرية
والديمقراطية صالحتان للتطبيق في المجتمع الفرنسي وفي
المجتمعات الغربية عموما ]، لما لهم من خبرات ونضال، وبقي
السـؤال المحـيّر الذي طرحتـُه شخصيا، لكوني الأكبر سنا
والأطول احتكاكا بالمجتمع الفرنسي :
[ هل تصلح الحرية الفردية والديمقراطية الانتخابية، كنهج
سياسي لمجتمعاتنا العربية ؟ ]. وهنا بدأ "خلاف طبيعي
بالرأي"، خُففت حدته حين اقترحت زوجتي فنجان قهوة، وافترقنا
بأمل لقاء جديد.
وفي إحدى اللقاءات العديدة، وبعد تبادل الأخبار عن الوطن
وتناول طعام الغذاء اللذيذ، تقدم مني شاب موفد سوداني وطلب
مني الانزواء معه بسبب الضجة الناتجة من كثرة الحضور.
اقترح عليّ، مع ثلاثة من رفاقه، قبول لعب دور من يُجيب على
تساؤلاتهم المتعلقة بصلاحية تطبيق الحرية والديمقراطية في
بلادنا.
برغم الحرج الذي لحق بي خشية أن يكون ما سأقوله عاملا مؤثرا
على أفكارهم، لم أعترض، معتقدا أن اقتراحا كهذا يثبت اهتمام
شبابنا بما يجري في بلادنا وفي الخارج.
أعارنا مضيفنا السوري "غرفة نومه"، وكانوا متفقين على عنوان
المناقشة :
[ نـحـن نـسـأل وأنـت تُـجيـب ] !
كانت أسئلتهم جاهزة ولكن أجوبتي لم تكن، وكانت أول تجربة لي
بالإجابة التلقائية بدون تعمق بالتفكير المسبق ولكن ممارستي
كمدرس ثم كمحاضر جامعي في فرنسا شجعتني على الموافقة. وهاهو
السرد التقريبي لما حصل :
س 1 – ما هـي العلـمانـية ؟
( كان هذا أول سؤال محرج، الإجابة عليه تتطلب محاضرة، أجبت
عليه بتواضع )
ج- العلمانية عبارة عن نظام حكم ذي دستور قابل للتجديد
والتحديث وضعه المواطن، يعتمد على علم تسيير المواطنة : وطن
ومواطن، دون الرجوع إلى نص ديني موروث جاهز.
س 2 – ماذا يعـني عمليـا فـصـل الديـن عن الدولـة ؟
ج - هو الإبقاء على المؤسستين الموجودتين في المجتمع، مع عدم
تأثير أو تأثّر الواحدة بالأخرى :
* سلطة سياسية لتسيير أمور الوطن والمواطن، وحماية الحقوق
وفق المعطيات القانونية الإنسانية.
* ممارسة الأديان في الأماكن المقدسة، وممارسة الفرد بحرية
كاملة لعقيدته التي تربطه مباشرة بربّه، دون الرجوع إلى
السلطة السياسية.
[ ذكّرت أنه يُقال بأن معاوية بن أبي سفيان هو الذي ابتدع
هذا النظام حين فصل الدين عن السياسة، بإبقاء الأول في مكة
والمدينة، وإقامة سلطة سياسية في دمشق دون منع ممارسة الدين
وتفسير القرآن، ولهذا كانت الفتوحات في عهد الأمويين على أو
جها، ومن هنا عُمّم شعار " شعرة مُعاوية " ]
س 3 – كيـف تـُمـارس الحـريـة الفـرديـة ؟
ج - نظريا، وفي كل المجتمعات، حتى تلك الذي يغلب عليها
الطابع الديني كالمجتمع العربي، للفرد الحرية الكاملة :
* بالتعبير عن أفكاره ولكن بطريقة مؤدبة، غير جارحة لمن
يعارضه الرأي، بعيدة عن العنف.
* بالاجتهاد في كل التفسيرات والنظريات الروحية والإنسانية،
دون التقليل من أهمية من فسّر ومن ارتأى.
* بحرية تنقل وسفر المُواطن، حيثما يشاء وأينما يُقبل.
* باختيار مهنة يمارسها أينما يرغب ويتمكّن، ولكن بنزاهة
وببعد عن الطمع والاحتكار.
* بممارسة طقوسه الدينية كوسيلة للتقرب من ربّه، [ وكذلك
بحرية عدم ممارستها ].
ذكّرت أنه في فرنسا، لا حدّ لحرية الفرد إلا بالقانون
الموضوع من الإنسان لكل الأديان والأطياف المتواجدة فيها.
س 4 – ما هـو جــدوى عبارة " ديـن الدولـة هـو الإســلام "
في بلادنا ؟
ج- إنها عبارة كُتبت في دساتيرنا لمبررات رمزية، فمرونة الإس
لام وقابلية تطبيقه في كل مكان وزمان، جعل من غير الممكن في
قرنينا الـ 20 والـ 21، قطع يد السارق والسارقة، جلد الزاني
والزانية، تطبيق شريعة الإسلام على مواطنين من أديان أخرى...
[ وهذا ما برّر عدم معارضة عبارة كهذه في بلاد غالبية
مواطنيها مسلمون ].
س 5 – هل مجتمعاتنا العربية مستعدة لتطبيق هاتين النظريتين ؟
ج- ركّزت هنا على [ " صعوبة " تطبيق الحرية والديمقراطية ]
التي تكمُن، برأيي الشخصي، في أسباب غير حصرية، منها :
* غياب إرادة طمو حة ورؤية عملية غير متعصبة وبلا مصلحة
مبتغاة، لدى نخبتنا المثقفة.
* عدم تشجيع شبابنا المتعلمين ليتحولوا إلى قدوة مثقفة مؤثرة
بمجتمعنا.
* شبه استحالة تطبيقهما على المستوى الأسري والعائلي
والاجتماعي لأسباب روحية موروثة.
* انعدام تجربة نحتذي بها في بلادنا العربية، إضافة إلى قصر
السّن السيادي لدولنا ( 1943 أول دولة استقلت ).
* الضغط المفروض علينا من الغر�� وعدم دعمه لنا، وفي هذا
الميدان بالذات.
* احتلال عدد من أراضينا وبلادنا وانشغال شعبنا وحكامه
المشروع بتحرير كل هذه البلاد.
* التخوف من هاتين النظريتين لكونهما قادمتين من بلاد
استعمرتنا ونهبتنا، علما بأن أدياننا تسمح بمزاولة الحرية عن
طريق ( الاجتهاد للمُتمكن لغويا والمرن روحيا )، وبمزاولة
الديمقراطية عن طريق ( الشورى المتأقلمة، المُتطوّرة والمرنة
).
لم نذهب إلى أبعد من هذا، لما شعرت به من حرج لدى البعض
وكذلك بسبب قرب انتهاء الزيارة. وقبيل المغادرة، توصلنا إلى
النتيجة الآتية :
إن شعبنا، ككل شعوب الأرض،
مستعد لخوض معركة تطبيق الحرية والديمقراطية المتماشية مع
خصوصيات مجتمعنا،
وما علينا إلا العمل بدأب وحذر، بتفهم لحساسياتنا وبدون أي
عنف من أجل تحقيق ذلك،
وأنّ الحرية والديمقراطية قابلتان للتطبيق في مجتمعنا،
بعد نشر ثقافة وتوعية وتربية لفهم معاني وأهداف هاتين
الكلمتين
وشريطة البدء بمزاولتهما في البيت والمدرسة والشارع وأماكن
العمل،
بلا تقليد أعمى لما يفعله الآخر، ولا تعصّب ديني لما هو
موروث !
مصرنا ©