واقع الديمقراطية ( حرية التمثيل الانتخابي ) في وطننا العربي
...............................................................
مخلص الخطيب
......................
لم يعرف وطننا العربي عملية "ديمقراطية تـَحـْـتـِـيـّة"،
بمعنى ديمقراطية نابعة من القاعدة الشعبية، تختار من
يمثلونها حتى قمة الهرم.
ما عرفت أمتنا تجربة [ حرية تمثيل انتخابي نزيه ] وُلدت من
كفاح شعب وترعرعت في أحضانه وتحت رقابته، فاستعماره واغتصاب
أراضيه وقلة خبرته بهكذا تجربة، وانعدام القدوة تاريخياً
ودينياً وقوميّاً، عوامل أعاقت تـَهَيـُؤَ شعبنا لبذل تضحيات
توصل به إلى شاطئ الحرية الهادئ.
صبرتْ وتعايشتْ وتعوّدتْ مجتمعاتنا العربية، على تحمّـل
تجارب سُمّيت ديمقراطية، كتجربة لبنان التي اعتمدت على دستور
وَضـَعَهُ الاستعمار الفرنسي، على أسس طائفية ووافقت عليه
شخصيات لبنان آنذاك، لـ عدم وعيها بـ كُنـْه الديمقراطية.
عرفت سوريا تجربة ديمقراطية بعد الاستقلال، لكنها كانت تتحطم
بعد كل انقلاب، وفي عهد الوحدة ظهرت ديمقراطية نظام الحزب
الواحد، تلقفها الشعب تأييداً منه لقائد مُـلـْهَم، لا فهماً
لروح الديمقراطية، وجاء انقلاب الانفصال لِــيُـحطـّمَها،
ولِـيُــنسيها.
كانت تجربة مصر الديمقراطية الملكية الأكثر ثباتاً، لكن
ثباتها هذا، كان من فعل المستعمر والمتسلط والإقطاعي
والأحزاب الوصولية المنتفعة، مما برّر قيام ثورة 23 يوليو،
التي حلـّت كل الأحزاب ووضعت ديمقراطية تعتمد على نظام
التمثيل الوحيد، ونلاحظ اليوم ديمقراطية مُصاغة على مقاس
عُنـْق الرئيس (جماعة محظورة ٌ سياسياً، لكنها ممثلة ٌ
نيابياً.. مفارقة مدهشة)، وفكرة التوريث الملكي بدأ هناك،
وسيُطبق في "مصرنا" –ربما-، والحبل على الجرار في وطننا
العربي. الفرق بين التجربتيْن، هو أن الديمقراطية
"الناصرية"، كانت فعلاً من إلهام قائد نقي وقومي عربي، كان
شغله الشاغل تحرير العرب، أما "الديمقراطية الحالية"، فالكل
يشكّ بنزاهتها وبنزاهة واضعيها، حتى القضاء المصري نفسه،
مؤخـّراً. ركّزت على مصر، كون دهاء الحاكم دعاه لإطلاق حرية
تعبير في الداخل وفي المهجر، برغم حكمه على صحفي تساءل عن
سبب غيابه الطويل، شاكّا بمرض الريّس، فلاقى السجن والغرامة،
ثم السماح من جلالة الريس.
عرفنا انتخابات في الكويت، وُضعت من أمير البلاد في
الستينيات، كانت حرية التعبير الصحفي مضمونة نسبياً، ومازال
هناك برلمان يُحـَـلّ ويُنـْـتـَـخـَب وفق أهواء الأمير.
واليوم اطـّلعنا على نتائج آخر الانتخابات التي أنتجت نائبات
من النساء، تجربة تدعو للتفاؤل.
أمّا بقية دول الجزيرة العربية، فما عرفت تجربة ديمقراطية
انتخابية بمعنى الكلمة، باستثناء اليمن، التي عُرفت
انتخاباتـُها بـ ذات النتائج المجهزة والمعروفة مسبقاً،
كمعظم "ديمقراطيات" دولنا العربية الانتخابية.
عرف العراق في العهد الملكي، ديمقراطية من صنع الاستعمار
الانكليزي، وهاهو يعيش ديمقراطية من نتاج دستور وضعه المحتل
الأمريكي، ويُؤثـّـر في أدائها نظام إيران الطائفي. هناك من
يُقيّم التجربة العراقية بناجحة، وهناك من يُعاديها، لكن شعب
العراق هو الأكثر مصداقية بتقييم هذه التجربة.
هنالك "تعدديات حزبية" وانتخابات في بلدان عربية أخرى، تسير
على هوى ومزاج الحاكم (رئيس أو ملك)، كما هو الحال في الأردن
والمغرب وتونس والسودان.
تجربة الصومال الأخيرةً، كانت غريبة، فقد تمّ الاقتراع على
الرئيس خارج البلاد ! تجربتا جيبوتي وجزر القمر مقبولتان،
كونهما غائبتيْن عن أنظار الإعلام. في موريتانيا صراع بين
انتخابات وانقلابات، صراع قد يوصل يوماً لديمقراطية حيّة،
فالبذرة قد غـُرست.
بينما ليبيا، فلم تدّعي يوماً أنها ديمقراطية، فكل ما يجري
فيها، هو من وحي وتنفيذ الزعيم القائد، كما قـرّرَ مُؤخراً،
بضغط من النظام المصري، تأميم قناة الفضائية " الليبية "
بسبب برنامج مُتهجّم على الأنظمة المعادية للمقاومة [ قلم
رصاص ] للإعلامي حمدي قنديل. هذا أمر طبيعي فقائد ليبيا، هو
ملك الملوك وأمير المسلمين وعميد حكام العرب !
عرفت الجزائر نظام الرئيس الواحد والحزب الواحد، إبان عهد
الرئيس بومدين، ومع بداية التسعينيات كادت الديمقراطية تأخذ
مكاناً في الساحة السياسية الجزائرية، لكن التدخل الأجنبي
فرض على رئيس الجزائر (الشاذلي بن جديد) إلغاء نتائج
الانتخابات بسبب تقدّم جبهة الإنقاذ الإسلامية، فعمّت الفوضى
مجتمعيّاُ ودينيّاً وسياسيّاً، وكُدنا نفقد الأمل بعودة
الأمن للجزائر.
فتح مجيء الرئيس بوتفليقة وترشحه وفوزه باب التعددية الحزبية
وحرية التعبير النسبية، وبرغم إعادة انتخابه للمرة الثالثة
بعد تغيير الدستور، فتجربة الجزائر تبقى الوحيدة، التي
يُقـْبـَـلُ فيها تـَرَشـّحٌ رئاسيٌّ تعدّديٌّ ونسائيّ، إن
نسبة الفوز بـ أكثر من 90%، مازالت موجعة، لكن الجزائر تسير
في طريق الديمقراطية التي من الممكن أن تكون في المستقبل،
أكثر حرية ونزاهة وشفافية.
أما الديمقراطية المثالية كما وُصِفـَت، فتمثلت بالانتخابات
الحرة النزيهة الشفافة على أراضي فلسطين المحتلة في قطاع غزة
والضفة الغربية، وما تبعها من صراع بين الفائزين والخاسرين،
ثم مشكلة الاعتراف وعدم الاعتراف الفلسطيني والعربي والدولي
بنتائج الانتخابات. هذه الديمقراطية لم تكن مجدية لأنها، ويا
للمُفارقة، أفرزت طرفيْن مُعادييْن، على أرضيْن مفصولتيْن،
وبحكومتيْن :
حكومة شرعية غير مُعْتـَرَف بها في قطاع غزة، وحكومة غير
شرعية مُعْتـَرَف بها في الضفة الغربية، كون الأخيرة
مُكلـّفة من رئيس سلطة "منتهية عهدته"، وكم من السلبي بمكان
تقييم هذه التجربة ؟ فقد طـُبّـِقت تحت حصار ونيران الصهيوني
المغتصب، وتدخل دول منحازة لفريق مفاوض ضد آخر مقاوم.
تـجري في بلداننا العربية انتخابات رئاسية وتشريعية ومحلية،
يختلف سلوكها ومنحاها من بلد إلى آخر. لكن قاسمها المشترك هو
إرغام الشعب على قبول ما وضعه الحاكم.
يمكننا وصف واقع الأنظمة السياسية العربية باقتضاب، كما يلي
:
* غياب تام للديمقراطية الانتخابية النزيهة هنا،
* انتخابات مُوَجّهَة من الحاكم ولصالحه هناك،
* انتخابات تحت احتلال أجنبي أو تحت مجهر مغتصب صهيوني،
* انتخابات ناشئة وُضِعـَت على الطريق السّـويّ في بلد آخر.
والأسئلة التي تطرح نفسها :
أمن أمل منشود من مجتمعاتنا، لتدُقَّ باب الكفاح الطويل
بتضحيات جسام، لتحقيق حريتها وحرية تعبير مواطنها الانتخابي
؟
أم أنّ أمل "الديمقراطية التحتية" التي تـلد من القاعدة لتصل
إلى القمة، مفقود ؟
أمن جرأة وحكمة عند الحكام أنفسهم، لفتح أبواب "الديمقراطية
الفوقية"، التي تـُشجّع تطبيق حرية التمثيل بكل نزاهة، من
القمة إلى القاعدة ؟
أم أنّ "حتـّى" تحقيق هكذا حدّ أدنى من الديمقراطية، ممنوع ؟
لابُـدّ للضـّباب أن ينقشع يوماً، فما من أمّة بقيت عصوراً،
مستعمرة ومتخلفة كأمتنا التي تملك كل عوامل تحقيق الحرية
والديمقراطية، عن طريق الكفاح الشعبي ذي التضحيات، أو بـ
تخيّـل نظام سياسي يقترحه الحاكم من موقعه في قمة الهرم.
فلم لا نحلم ونتصور بلداننا تنعم بالحرية والديمقراطية،
وباستقلالية تقرير مصيرها، وبتوحدها وتصديها للعدو، بقوة
الشعب والعتاد والاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية ؟
لا شيء ينقصنا سوى الإرادة والعزيمة والتخطيط لغد أفضل...
فليس منطقياً أن لا نتسابق مع جيراننا، ونسبق أعداءنا... لقد
طال الانتظار، وآن وقت الانتصار... انتصار وضع الحرية على
سكة صحيحة ودفعها إلى الأمام، من القاعدة الشعبية نحو
القمة...
أو [حتـّى] من القمة الحاكمة نحو القاعدة الصّابرة.
عسى بفضل تحرّر عقولنا، نتوصل لتحرير أراضينا المغتصبة.
مصرنا ©