مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 مـــســـلم ... أم ... إسـلامـي ؟
...............................................................

 

مين أنا ..؟؟

 

بقلم : مخلص الخطيب
.........................


قبل بداية ثمانينيات القرن الماضي، أو بالأحرى قبل قيام ثورة إيران الإسلامية وقبل ظهور المناهضين للغزو السوفييتي لأفغانستان، وقبل إقامة مدارس إسلامية في باكستان بـ "أموال عربية" لتدريس الإسلام لأطفال صغار سمّوا أنفسهم (طالبان)، لا تلاميذ ولا طلاب... وقبل ظهور أحزاب في وطننا العربي بتسميات غريبة "الأفغان" أو "الإسلاميون" أو "المجاهدون الإسلاميون"... كان المواطن العربي لا يخلط بين كلمتيْ : مسلم وإسلامي.

نعم، عندما كنا تلامذة ثم طلاّباً، كنّا مضطرين لغوياً على إطلاق صفة (مسلم) حصراً على الإنسان الذي وُلد وعاش في أسرة إسلامية وتربى في بيئة إسلامية وورث طقوساً وعادات إسلامية، متديّـناً كان أم غير متديّن، مطبّقاً كان أم غير مهتم بالشعائر، متعصباً كان أم وسطياً، أمياً كان أم متعلماً، جاهلاً كان أم مثقفاً... على سبيل المثال لا الحصر، كنا نردّد : رجل مسلم وامرأة مسلمة، شاب مسلم وشابة مسلمة، أخ مسلم وأخت مسلمة... الخ، حتى الحزب السياسي المؤلف من أشخاص مسلمين كانوا يحترمون اللغة العربية، ومازالوا يُطلقون على أنفسهم جماعة الإخوان المسلمين (لا الإسلاميين).

في حصص اللغة العربية، كان التلميذ العربي أو الطالب الذي يصف غير الإنسان بمسلم كـ (حزب مسلم أو جماعة مسلمة أو دولة مسلمة أو حضارة مسلمة)، يُخطأ ويحاسب على خطئه، بحذف من علاماته، وكذلك الأمر لمن يستعمل صفة إسلامي على شخص كـ (صديق إسلامي أو قريبة إسلامية أو زوج إسلامي). كانت تستثنى بعض العبارات التي تدلً على الشخص كـ (داعية إسلامية ومفكر إسلامي)، كونهم أشخاص، وكان من الأسلوب الركيك وصف المؤذن بمسلم، كون غير المسلم لا يدعو الناس للصلاة، كما أن الإمام والخطيب كانا يسميان إمام جامع أو خطيب جامع.

كما يعرف الجميع، إني أقيم وأعيش عائلياً وأمارس منذ عقود في فرنسا (هكذا شاءت الظروف)... أذكر أن منظمة اجتماعية مدنية في فرنسا، طلبت في العام 1986 من عميد كليتنا أن يقوم أحد مُحاضريه بإلقاء محاضرة تحت عنوان (ماذا يريد الإسلاميون ؟)، فاختارني. قبلت وأنا في منتهى الاضطراب والقلق... ساءلت نفسي عن سبب اختيار مسؤولي هذه المنظمة كلمة (إسلاميين) بدلاً عن كلمة (مُسلمسن) وتوصّلت إلى ما ذكرته لغوياً.

بيد أني اعتقدت كذلك أنهم أساؤوا استعمال الكلمة، وكان يقيني أنهم يرغبون التعرّف على ثقافة وعادات المسلم والمسلمين، ليتمكنوا من التعامل مع الجالية الإسلامية في فرنسا التي بدأت تقدم مطالب غير معتاد عليها أبناء الأمة الفرنسية، وكنت على يقين أكبر أن فضولية الفرنسي دفعت مسؤولي هذه المنظمة لتفهّم كنه وحقيقة الإسلام كدين سمح منفتح... فهكذا كانت معظم المحاضرات التي كنت ألقيها (مزيج تعريف بالعرب والمسلمين، بتطرق لقضيتنا الفلسطينية).

التقيت بمنسقة المنظمة، لترتيب أمور المحاضرة، تاريخها وموعدها والجمهور الموجهة إليه ومدة ما عليّ طرحه وحدي، والمدة المخصصة لأسئلة الحاضرين والإجابة عليها، ولكي أكون مكتملاً تطرقنا للمساهمة المادية التي سيقدمونها لي... لكن الذي شغلني هو جزمها أن أعضاء المنظمة (حوالي 80 عضواً) طالبوا بالتحدث عن (الإسلاميين) كمجاهدين نشطين وعمّا يمكن تسميته بـ (الأسلمة)، لا عن المسلمين... أكّدت لي هذه المسؤولة أنّ الفرنسيين يعرفون ما هو الإسلام ومن هم المسلمون... ركّزت هذه السيدة على أنّ ما يسمعه الفرنسي من جهاد ونشاط (الإسلاميين)، يقلقهم لعدم فهمه ولربطه بما يحدث من أعمال "عنف" أنذاك.

عقلتها وتوكلت... حضـّرت جدّياً للمحاضرة من خلال بحث قاموسي مُعمّـٌق ودراسات دينية وأسئلة طرحتها على إخوة مُلمّين بالدين الإسلامي واللغة العربية، وقد وافقوني جميعاً على تحليلي الذي ذكرته. ذهبت للمدينة ووصلت للصالة وألقيت محاضرتي أمام ما يقارب الـ 300 شخصاً، كان حوالي عشرة منهم من الطلاب العرب المسلمين الموفدين أو المقيمين في فرنسا.

تطرقت بمقدمتي للإسلام ومبادئه وإمكانية تعايشه مع الأديان الأخرى، مذكّراً بالحضارة الإسلامية، مُنوهاً باختصار لسيرة النبي الكريم محمد (ص)، كما تطرّقت لتراجع الإسلام أثناء الحكم العثماني وللغزوات الصليبية لبلادنا العربية، ولصلاح الدين وتحريره لمدينة القدس (وأضفت ما يمكن وصفه عن قضية فلسطين)... انتقلت بعد ذلك لوصف (المسلم) كإنسان معرض لعمل الخير والشر، وأن الإسلامي هو وصف لمن ليس شخصاً، وضربت أمثلة على ذلك.

جزمت أن الحركات الإسلامية التي قامت منذ 1979 في إيران وأفغانستان وباكستان قد أثـّرت سلبياً على لغتنا الضادية، فبات اسم الطلاب (طالبان) وباتت صفة مسلم (إسلامي)، ومع امتداد هذه الحركات المتشددة إلى الدول العربية، حلـّـت في بلادنا هذه التسميات... أنهيت محاضرتي بإعطاء سببين لهذه التسمية التي كانت تزعج العديد من المثقفين العرب :

أولاً : أن هذه التسمية ليس لها هدف معيّن أو مدلول مخيف، كونها (خطأ لغوياً دخيلاً على لغتنا، لا خوف منه).

ثانياً : قد يكون لهذه التسمية معنى لا يعرفه سوى مردّدي هذه التسمية، وهو (القيام بأسلمة العالم) أي العمل على فرض النظام الشرعي الإسلامي على الدول العربية والإسلامية أولاً، ثم الانطلاق إلى بلاد أجنبية لأسلمتها... وهنا طمأنتهم من أن هذا (الإسلامي) لايتمكّن من تصحيح اعوجاج (المسلم) العادي في بلاده، ولا يفكّر بأسلمة أوربيين استقبلوه ورحبوا به في بلادهم، بل يستعمل حرية ما عرفها في بلده.

الأسئلة دارت حول تخوف الفرنسيين ممّا كانوا يُعانون منه من أعمال "عنف" في أماكنهم العامة وفي محطات قطاراتهم ومواقف الـ مترو، حاولت الردّ بأن المسلم لا يقتل عمداً ولا يتعدى على حقوق الناس، وأن الإسلام دين تآلف ومحبة بين الشعوب، لكن بعضهم جعل من قضية فلسطين العربية قضية دينية، بسبب احتلال أجلّ الأماكن المقدسة الإسلامية من قبل الصهاينة، استغليت المناسبة وقمت بربط أمر "العنف" بالقضية الفلسطينية، وخرجت قليلاً عن موضوع التسمية الأصلية، لأقوم بالتذكيربالفرق بين "العنف الإرهابي" من جهة، والمقاومة المشروعة من جهة أخرى، مستنداً على ثورتهم الداخلية ضد الملكية في نهاية القرن الثامن عشر، وعلى مقاومتهم العنيفة ضد المحتل النازي... أنهيت المحاضرة بردود على أسئلة حول القضية الفلسطينية، وكأنها محاضرة ترويج لتحرير فلسطين من شراذم الكون الذين احتلوها بدعم غربي... طالت المحاضرة أكثر من الوقت المخصص لها، وأعلنت انتهاء المحاضرة.

وبينما كنت أعدّ أوراقي للحاق بمسؤولي المنظمة المدنية لآخذ فكرة عن صدى ما ألقيته من محاضرة "نحيفة" كهذه، صرخ طالب عربي وسألني : (هل أنت مسلم أم إسلامي ؟)، أجبته أني سألقاه بعد نزولي من المنصة... أنهيت أموري مع المسؤولين وشكرتهم مودعاً، وتوجهت إلى جناح أحد مخارج الصالة، حيث ينتظر بعض الطلاب العرب من المشرق والمغرب العربييْن... لاحظت بعض الحرج والخجل ممن سألني، فطمأنته بأن حريته بطرح السؤال كاملة ولم تغضبني، ودار حوار بيننا حول قضية فلسطين، ففي ذلك الوقت لم تكن بعد مؤتمرات "السلام" قد أخذت مكانها.

قبيل مغادرتي لهم أعاد ذات الطالب طرح نفس السؤال علي، فأجبته : (أنا سوري الهوية، عربي الانتماء، مسلم المعتقد الموروث)... أنا لست إسلامياً، ولا أستعمل هذه التسمية إلاّ لوصف غير الأشخاص... ولا أعمل لأسلمة الآخرين ولا لفرض عاداتنا في بلاد الغير، اعتماداً على ما جاء في القرآن الكريم " لكم دينكم ولي دين"... أضفت بحسم، أنّ على المسلم أن يبدأ بتقويم نفسه، ليصبح مسلماً مستقيماً، لا راشياً ولا مرتشياً، لا كاذباً ولا منافقاً، لا فاسداً ولا فاسقاً، فبسيرته الحميدة وبتفكيره المتين وبعلمه بدينه قد يقنع الآخرين بالأسلمة، أي باعتناق الدين الإسلامي، دونما عنف، فـ (لا إكراه في الدين).

اليوم، ويا للأسف، حلـّت صفة (إسلامي) محلّ (مسلم)، نسمعها تـُطلق على من يسبّح ويصلي ويصوم، وعلى حافظ أو مجوّد القرآن الكريم، وعلى المتعلم والمعلم والمثقف والمفكر، وعلى كل يدّعي الدفاع عن قضية إسلامية، نسمع هذه التسمية ونقرأها على كل الفضائيات وفي كل الصحف... ليتنا نطلق هذه التسمية باحترام لغتنا العربية وفقهها، ويا مرحباً بمن يتمكّن من تعريف الفرق بين (مسلم) و(إسلامي) لنفهم ونقتنع ونوصل الفكرة للآخرين.


12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................