" المواطن سعيد "
...............................................................
بقلم : عماد يوسف
......................
لعن اليوم من أوله، فرأسها (الناشف) الذي يهددها دوماً بكسره لا يدَّخر حيلة في فن النكد، وعادة ما يواكب صباحها العابس في البيت يوماً أشد عبوساً في الشارع والمواصلات وحتى العمل، وكأن الله يستجيب لدعواتها حين يغلق الباب خلفه ويسمعها تقول بملء الفم: إلهي يوعدك باللي ينكد عليك يا سعيد يبن شفيقة " وما هي إلا لحظات حتى تنزلق قدمه لماء المجاري الآسن الذي يتحايل عليه الأهالي برشق الطوب للعبور فوقه! يتدارك سقطته وهو يتمتم بشيء من قبيل "حته بنت وسخه ربنا يخلصنا منها " ويترك مهمة تجفيف بنطلونه للشمس القائظه، يسير مهرولا للمحطة آملاً في اللحاق بـ 605 الذي لا يوفر عليه الزنقة وتحرش (الخوجات) ولكنه يوفر نصف المبلغ الذي يدفعه للميكروباصات التي فقدت صلاحيتها قبل بدء خدمتها كما يدعي، وفي رأيه أن تحرش الخوجات أهون من تحرش جملات زوجته إذا لم يوفر لمصاريف دروس أبنائه التي تنازلوا عن كل مقتضيات الترفيه لحسابها ، "عشم إبليس في الجنة" هكذا تردد أبناء عمومة إبليس العفاريت التي تتقافز أمامه لتجعله حانقاً، فلقد تأخر على ميعاد الأتوبيس ولا مفر من الميكروباص، حشر جسده لتتلقفه أنفاس الركاب المحملة بميكروبات النوم، انتقل السائق واضعاً نفسـه خلف عجلة القيادة وضغط زرا ما لينطلق مطرب من بتوع الفن (الشيعـبي) محدثــاً حالة من الهياج العصبي . وصل سعيد أخيرا لعمله بعد علقة موت مع المواصلات التي جعلت ملابسه تماماً كما تصفها جملات "خارجه من بؤ كلب" لا يرى سعيد أنه سعيد بالمرة، بل تسائل مراراً عن سر تعلق أبوه بهذا الاسم المتكرر كثيراً في عائلة أبعد ماتكون عن المسمى، صحة يعتليها المرض على آخر صيحاته وزوجة تحولت من سيدة الجميلات قبل الزواج إلى السيدة جملات بعده، أبناء يمتصون جيوبه أولاً بأول ولا ينجحون سوى في اللجان (الحلوه)، إيجار وكهرباء وماء ومصاريف الطعام والأقساط وبيئة أقرب إلى العشوائيات وأب بسرطان وبروشتة علاج مئوية وأم ميتة تأتيه في منامه وقد أمسكت وسط عراك مسلح بشعر جملات "سلك المواعين" تقطعه إرباً وجيران لا ينعمون بالراحة إلا عندما يورطوه في مصائبهم بدعوى وصية السابع جار فضلاً عن هذا الحيوان الذي يستقبله دوما فاشخاً فمه باصفرار"مخصوم منك نص يوم تأخير يا سعيد" كم يتمنى سعيد أن يمتلك تلك الجرأة التي ستساعده على الجهر بالرد الجاهز الذي ما إن يرى وجه مديره حتى يلفظه قلبه"صباح ميتين أهلك زي وشك " ولكنه العوز ، والذي دائماً يقول فيه: لو أن العوز رجل لاعتديت عليه جنسياً قبل أن اقتله، يستهجن سعيد هذا القدر من الغم الذي يحياه على مدار أعوامه البائسة، وكلما هُيأت له انفراجة وشيكة تأتي على شاكلة العلاوة التي يمن بها الريس على عمال مصر الغلابة، يأتيه باب إنفاقها من حيث لا يحتسب وكأنها مكتوبة في نفس قرار العلاوة، حتى الرشوة فشل فيها عندما سمع سيدنا الشيخ على قناة الناس يلعن المرتشي، لا يستغرب سعيد انحداره المعيشي وإنما يكاد يجن من سؤال أصدقائه "أنت مكشر ليه على طول ده أنت حتى اسمك سعيد"