النهایة
...............................................................
سرد: یوسف عزالدین
.........................
 |
|
|
یوسف
عزالدین |
|
کان الوقت عصرا باهتا، عندما حاولنا أن ندخن من السکائر
الموجودة في العلبة الصدءة، کانتا مبللین.. لدرجة، عندما کنا
نحاول تدخینها و قبل ان نولعها، تتکسر من الوسط.
بعد فترة من الزمان، اغلقنا العلبة الصدءة، التي کانت
مهما اخرجنا منها السکائر، کانت ترجع الی حالتها الأولی،
وتبقی عدد السکائر الموجودة في داخلها کما هي، بلا أیة زیادة
أو نقصان. مررنا من زقاق حلزوني و
قبل الوصول الی نهایته؛ نظرت الی وجه صدیقي البائس، لم اکن
قد تفحصته جیدا، حین سمعت إمرأتین مسنتین، تتکلمان بهمس و
بنفس لغة ابناء الوطن الذي ترکتهم منذ زمن بعید.. کانوا
موشحین بالسواد و واقفین أمام باب کبیر، لبناء قدیم.
بعد ابتعادنا بخمسة أو ست خطوات، من مکان وقوف الإمرأتین؛
رجع صدیقي الی نفس المکان، تبعته...بدون أن ندرک أو نعرف
وجدنا انفسنا في داخل قصر واسع و قدیم... وبعد فترة ولجنا
الی القاعة التي کان فیها الشخص الطویل، ربما کان سلطانا،
جالسا علی عرش قرمزي اللون و المرصع أطرافه بالیاقوت و
العقیق و الزمرد و الكثیر من الأحجار الکریمة.. کان الشخص
الطویل الجالس، ینظر وهو یشرب الشراب،الی فتیات صغار وهن
یرقصن علی صوت قرع الطبول..مد صدیقي یده الی ثمرة کبیرة، في
احدی الأطباق الفضیة الموجودة فوق احدی المناضد وقبل أن
تلمسها، تحول الثمرة الی مسحوق تطایر في الهواء ومن ثم
اختفی.
ترکنا القاعة و ولجنا الی الممرات الضیقة و الغرف
المظلمة..سار کل شيء بشکل طبیعي و عادي، لحین أن لمس صدیقي
العلبة الصدءة، الملیئة بالسکائر المبللة.
نفخ الحارس في صفارته و بدأ بملاحقتنا..وصلنا الی سطح
البناء سریعا، بواسطة سلم خشبي. ولکن لم تجدینا نفعا، اذ لم
تستغرق الأمر کثیرا، وصل الکثیر من الرجال، ربما کانوا
حراسا.. وکانوا متشابهین جمیعا؛ بنوع ما.
بعد فترة من الصمت و الذهول، سمعنا صوت رجل مسن..تسلق
السلالم بالرغم من سنه، برشاقة و خفة شاب ریاضي في العشرین
من عمره..بعد وصوله الی السطح، قام عدد من الحراس بالإسراع
لتحضیر أدواته في التصویر..کانت آلة التصویر من نوعیة
قدیمة، ذوو "ستاند" منخفض نسبیا.. وبعد نصبه للستاند و
الکامیرا..اولا، قام بتصویرنا جمیعا.. وبعد ذلک قام
بتصویرنا، انا و صدیقي معا ومن زوایة مختلفة، وأخیرا مد علبة
صدءة لسکائر مبللة الی صدیقي، وبعد اخذها منه، صورها بشکل
سریع و فجائي.
بعد انتهاء التصویر.. مع اننا کنا ننتظر، أخذنا الی احد
الغرف المستعملة کسجن داخل القصر، أو الی أي سجن آخر، أو
مرکز شرطة أو ما شابه ذلک، ولکن تفاجئنا انهم انزلونا من
السطح الی الزقاق الحلزوني، بعد أن ربطوا خاصرتنا بحبال،
انزلونا برفق.
- - -
في عصر باهت، اخذونا الی غرفة المحقق العجوز، عندما وصلنا،
علی الفور وبدون مقدمات، سألنا:
( لماذا دخلتم الی ذلک القصر التأریخي المهم، الذي لم یجرؤ
احد، لحد الآن الأقتراب منه..ماذا کان قصدکم؟!).
بعد أن بقینا ساکنین، لا ننطق بشيء...
قام العجوز غیر مبالي بصمتنا وذهب باتجاه الشباک الوحید في
الغرفة..کانت زجاجه مصبوغا من الأعلی الی نصفه الفوقي،
بلون داکن، تحجب النور عنه.
عندما نظرت في حینها الی وجه صدیقي، لم اجده کما کانت من
قبل.. قد تغیر تماما بشکل یصعب تفسیره، أو تحدید نوعیة
تغیره العجیب و الغریب؟!.
سمعت صوت خطی اقدام العجوز، عندما رفعت رأسي، رأیته یعطي
علبة صدءة مليئة بسکائر مبللة، الی صدیقي، عندما أخذها، قال
له بصوت مشحون بالشفقة و الحنان:
( أعترف بأنک کنت تنوي مع صدیقک، سرقة هذه العلبة السحریة
التي لا تنقص سکائرها، مهما اخذت منها..اعترف وسأعطي العلبة
لک و للأبد).
لا أعرف ماذا قلت في حینه،أو ماذا فعلت.. ولکن لم اری صدیقي
بعد ذلک الحوار..ولم اری نفسي الا في داخل الغرف المظلمة و
المقفلة دوما و دائما.
izadyusf@yahoo.com.au
12/02/2011