رسالة إلى أقباط مصر
...............................................................
محمود الفقى
...............
أنشودة في حب مصر أجمل بلاد الدنيا وأعظم الشعوب (في عيني)
هي قطعة من جوهر الجمال نحتت وبأطيب العطور مزجت وعلى كل
الورود طافت وبكل مياه البحور طهرت بل إن شئت فقل إنها كل ما
كان يعنيه الجمال لي وأنا طفل لم أتخط بعد الثامنة من عمري.
كانت تتهادى كعصفور خرج لتوه من غسل جميل بماء المطر ثم تحمم
بشعاع الشمس في صباح شتاء قارص فانتفض بلهفة طربا و مقبلا
على الحياة...هي آليس ذاك الاسم الذي يحمل بداخلي عبقا
جميلا. كانت هذه الطفلة المسيحية ممن ألهو معهم وأنا صغير
وكنت أحبها خاصة وأن أمها كانت صاحبة أمي وكانت تأتي إلينا
في بعض الأحيان لتبيع لنا أو تهدينا بعضا من العسل . وربما
كان بعض جمالها نابعا من اعتقادي وأنا طفل أن المسيحيات
جميلات مثل أيقوناتهم سيما وأني كنت أحب كثيرا أن أنظر إلى
صورة المسيح التي يرسمونها بها وهو أخضر العينين وذهبي الشعر
بالرغم أن المسيح شرقي لا غربي. وذات مرة لا أدري ما حدث
بعقلي حينئذ.. كنت أريد الاقتراب منها لأني أحبها لكن غبائي
جعلني أغتاظ منها وأسعى لمعاقبتها. قلت لها آليس! ابتعدي عنا
لا تلعبي هنا...توقفت بعناد وقالت لا وكانت هي المرة الوحيدة
التي سمعت فيها صوتها العذب. ولما طال بنا اللجاج والجدل
أمسكت بها وقلت لها إما أن تشهدي ألا إله إلا الله وأن محمد
رسول الله وإما أن أضربك ضربا مبرحا. بكت البنت بشدة وكأنما
كانت تدرك معنى هذه الشهادة وتعي كيف أنها لا تحب إلا أن
تكون مسيحية. حاولت الإفلات مني وقالت لي لن آتي هنا مرة
أخرى فتركتها وبغباء منقطع النظير رميتها بحجر فأصاب عينها
وانهمر الدم منها مدرارا وحينئذ شعرت بأن روحي تنخلع من جسدي
من شدة الذعر فأطلقت ساقي للريح وهربت هروب الجبان إلى فوق
سطح منزلي تحت كومة من القش أختبيء قبل هبوب العاصفة. كان
قلبي يرتجف وعقلي يرتعد وجسدي ينتفض وفوجئت بأم آليس عندنا
في البيت بعد أن ضمدت جرح ابنتها. ولما عرفت أمي ما حدث بحثت
عني ولما وجدتني انهالت علي ضربا ومهانة ولم ينقذني منها إلا
أم آليس التي لم تنطق ببنت شفة إلا قولها: آليس دي أختك وهي
تحبك فلا تقسو عليها. سبحان الله هذه المرأة المسيحية الأمية
أحكم من ألف عالم من رجال وعلماء الدين المسيحي والإسلامي.
ويشهد الله وأقسم بالله أني قلت لآليس ذلك ليس بناء على ما
سمعته من أحد ولا على ما اعتقدته بداخلي فأنا إلى الآن لا
أدري كيف قلت ذلك...ربما لأني سمعت أن الفرق بين المسيحي
والمسلم أن الأخير يشهد بنبوة محمد بينما كنت أعمل في الفرقة
التي تنقي نبات القطن من آفاته وأنا بعد صغير أعيش في فقر
مدقع مثل كل أطفال قريتي. ما أقصده من هذه الذكرى أن المعرفة
والدراسة الدينية وحدها لا تكفي يعني لا بد أن يتعلم رجال
وعلماء الدين السماحة وقبول الآخر والتعاون في أمور الحياة
تحت سقف وطن واحد. إن هذا الأمر يبدأ منذ نعومة الأظفار
بتعليم روح الجماعة في المدرسة سيما وأني عانيت كثيرا من
غياب هذه الروح حتى بين المتدينين أنفسهم. الكل يدعي وصلا
بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك. الكل يرى أنه الأقرب للرب
والحقيقة التي لا أرضى بها بديلا هي أن الإسلام بالنسبة لي
هو سواد عيني وحياة قلبي وهو أفضل الأديان قاطبة في عيني.
ولو قال مسيحي نفس الكلام عن المسيحية فلا ضير فهي في عينيه
كذلك والأهم هو أن يطبق تعاليم المسيح وأن أقتدي أنا بأخلاق
محمد صلى الله عليه وسلم. لكني لأعجب وأطيل العجب ممن ينتقل
إلى المسيحية ويقول في وسائل الإعلام الغبية التي تتهافت على
أمثاله (سواء أكان مسلما سابقا أو مسيحيا سابقا): لقد قرأت
الإسلام جيدا وأدركت أنه دين ليس بالجيد ولذا أحببت المسيح
مخلصي بينما أن هذا الشخص لم يتجاوز عمره الثامنة عشرة....ما
هذا السخف؟ كيف لشاب صغير سواء أكان مسيحيا أم مسلما أن يقرأ
ويعي ويفهم ويدرك خللا من وجهة نظره بدين معين ثم يقرر أن
يعتنق دينا آخر اللهم إلا لو كان يقرأ منذ أول ليلة حدث فيها
حمل لأمه بينما كان نطفة صغيرة لم تتخلق بعد. أقولها بلا
أدنى مواربة أو مراوغة لأني لا أجامل في عقيدتي أبدا.. كل
منا يؤمن ببعض ما لا يؤمن به الآخر لكن التمايز والاختلاف
بيننا لن يمنع أن نكون كيانا واحدا سيما والعدو أمامنا متحد
وبالطبع أنا أقصد الصهاينة ما هي المشكلة في أن نكون كيانا
واحد يصد عدوا لن يفرق أبدا بيننا في القتل إذا ما استحل
بلادنا واقتسم غنائمها لنفسه. يا أقباط مصر بلادنا مستهدفة
وأنتم تعلمون ذلك والتاريخ يشهد أنكم شاركتمونا بناء الحضارة
العربية الإسلامية من وقت يوحنا بن إسحاق مترجم دار الحكمة
في عهد المأمون والتاريخ يشهد أنكم عشتم بعضا من أزهي عصوركم
في ظل خلافة الإسلام وديني أنا يحب المسيح وأمه مريم العذراء
حبا جما ويقول بأن مريم هي أطهر نساء العالمين قاطبة ومحمد
صلى الله عليه وسلم يقول" من آذى معاهدا فقد برئت منه ذمة
محمد". وقال أيضا:" ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق
طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم
القيامة." تصرون على أنكم مظلومون لأنه لا يترشح رئيس مسيحي
لمصر طيب على رأي من قال: خلينا الأول نعرف ننتخب رئيس مسلم.
وعلى كل حال أنا شخصيا أريد العدالة يعني أنا سأكون أفضل
حالا لو حكمني مسيحي وأعطاني حقي وأمنني وعاملني بعدل في
وطني بدلا مما حدث ويحدث لكثيرين مثلي فأنا حاصل على ممتاز
مع مرتبة الشرف ولم تعرني حكومتي أدنى اهتمام وكلها
مسلمون....يعني المسألة ليست مسألة دين أبدا....تجاهدون يا
أقباط مصر من أجل تعيين محافظ أو رئيس جامعة أو حتى معيد من
المسيحيين أما كان من الأولى أن تكافحوا من أجل بناء الكنائس
وتعديل قانون الخط الهمايوني الذي يعمل به منذ العصر
العثماني فهذا أمر ولا شك أهم مائة مرة من تعيين عدد محدد من
الأقباط في مناصب الدولة. إن حال بعضكم يذكرني بإصرار بعض
الحركات النسائية على وجود عدد محدد من النساء في البرلمان
وأنا أرى هذا حمقا لماذا لأن الأجدر أن يكون المعيار هو
الكفاءة لا النوع يعني ما فائدة أن يكون لديك رقم ثابت من
النساء في البرلمان وكلهن أو بعضهن إما منخنقة أو موقوذة أو
متردية أو نطيحة أو ما أكل السبع. إن هذا يذكرني بالبدعة
السيئة التي خرج بها عبد الناصر من خمسين في المائة عمال و
فلاحين ..ما الفائدة هذا في رأيي مجرد ديكور ودغدغة
لمشاعرهم..لماذا يمثلون غيرهم بينما أن كثيرا منهم أمي جاهل
يذهب إلى البرلمان ليقضي غفوة أو قيلولة. ما فائدة تعيين
محافظ مسيحي لا يذهب للكنيسة أو محافظ مسلم لا يرعي حق الله
في عباده. الآن يا أقباط مصر صدقوني أنا لكم ناصح أمين
وإسلامي الحبيب هو أكبر محفز يجعلني أنصح لكم بصدق وأدافع
عنكم صدقوني كلنا في الهم شرقي على رأي أمير الشعراء شوقي
صدقوني كلنا في مركب واحد إما نجاة أو غرقا للجميع. مصرنا
تحتاج إلينا أكثر من أي وقت مضى فعاهدوني الآن على أن نقف
سدا منيعا أمام جهالات كثير من أقباط المهجر ومن يسيئون
للإسلام والمسيحية على حد سواء وتذكروا هذه الكلمة التي لا
يستطيع أحد أن يماري في بداهتها وهي: المؤمن الحقيقي لا يمكن
إلا أن يكون سمحاً عف اللسان وطاهر الأخلاق. وأخيرا وعلى
أسوأ الأحوال والتفسيرات لمقالتي هذه فإن اعتبرتموني عدوا
فقد قال المسيح ابن مريم العذراء : أحبوا أعداءكم. ملحوظة
أخيرة الاسم الذي اخترته لهذه الفتاة والمكان الذي سافرت
إليه وكونها أنجبت بنتا وولدا بعدما تزوجت كل هذا مجرد تمويه
مني ولا يطابق الواقع وقد فعلت ذلك لأحافظ عليها لكن القصة
حقيقية. ولكن انتظروا لتروا هذا المشهد الأخير الذي حدث قبل
أربع سنوات من الآن:
هو الشاب الأمور ده محمود يا ست أم محمود
أيوا
ازيك يا محمود
الله يخليكي
لسة آليس زعلانة مني؟
يا عم انت لسة فاكر.... آليس اتجوزت وسافرت اسكندرية ومعاها
دلوقتي بنت وولد
ربنا يحميها ويغفر لي.
12/02/2011