مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 إلى مجلة العربي الكويتية: عجبتووا
...............................................................

محمود الفقي
................


في العدد الأخير من مجلة العربي سبتمبر 2009 قرأت هذه القصيدة تحت باب "وتريات" بعنوان:" انبعاث!" وأكثر ما أعجبني بها هو هذا الكم من علامات التعجب الذي أراح ضميري!

الأقحوانة.. تستحم الآن في رئة القتاد
ويستحم الجمر بالحلفاء
بالقش المعمد.. بالثريا..
بين أوردة الخرائط..
والنهى
من للنهى..؟!
من لي بسوسنة.. تسلمها المذابح..للمذابح..؟!
إنها تزوي..!
تؤرج.. أم تؤجج..؟!
إنها تهمي ..!
أيصبح نعشها صفصافة في القبر..
بين حدائق الأموات والصمت المقدس..؟!
من لها..؟!
جميزة الجبانة العجفاء.. لي
والموت.. لي
ولها.. أراجيح الطفولة..
والبطولة..
والعصافير القتيلة في صباحات الأماني..
وردتي:
هل تبعثين هنا..؟!
بعرشك.. فوق نعشي..؟!
أم بنعشك..فوق عرشي..؟!
أم بقرط مدينة خسفت بلا عرش.. بلا نعش..؟!
فلا في وكنة النسرين
شلال لذاكرة الأرامل
والندى نعش بقمصان الأريج
ووردة التأريخ تجهل:
أي درب سوف يهدي للزؤام..
.. وأي درب ..للسلام..؟!

أولاً: علي الطماطم بالتلاتة ويا رب أعدم الشتامين والملحدين من مثقفي العرب ما فاهم حاجة ، وثانياً السؤال الذي يلح على ذهني هو: ما الهدف أو الغاية التي تغياها الشاعر من هذه القصيدة؟

أذكر جيدا ، والحديث هنا ذو شجون لأني أتأسف على حال النقد الأدبي في وقتنا هذا أن العقاد لما كان رئيسا للجنة الشعر في وزارة الثقافة كان يرمي ببعض القصائد في سلة المهملات بعد أن يكتب تقريرا عنها بأنها مجهود عضلي يعني أن صاحبها مجرد شيال كلام موزون ، أو مجهود عصبي حيث انفعالات ومجازات واستعارات بلا تآلف أو تمازج ، أو مجهود عقلي فكري حكيم بحت لا يدل أو يشي بتجربة ذاتية رفيعة يقطر منها عبير الصدق والإحساس من الشاعر. فالعقاد هو نفسه من عرف الشعر في مقدمة ديوانه " وحي الأربعين" بأنه – وبكل بساطة على غير عادة العقاد - :"التعبير الجميل عن الإحساس الصادق" ، وقد قرأت ثناء حارا على هذا الديوان في نقد الدكتور طه حسين له في أحد أعداد مجلة الرسالة حيث ناقش أيضا هذا التعريف واختلف معه. والعقاد أيضا هو من قال:"إن شرط الأديب والشاعر أن يكون صاحب موهبة في نفسه وعقله ، لا في لسانه فقط."

وفي كتاب الأستاذ الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي (وبالمناسبة فهو ابن بلدي من المنصورة وتحديدا من تلبانة بلد العالم والمترجم الكبير المرحوم د. محمد أحمد منصور رئيس قسم اللغة الألمانية في جامعة الأزهر والذي مات في صمت وهدوء كما هي عادة الكبار رحمهم الله) "مدارس النقد العربي الحديث" تفصيل شاف واف للشعر وتعريفه ونقده ومذاهبه وألوانه المختلفة فليرجع إليه ، فهو في رأيي من أمتع الكتب التي قرأتها في النقد الأدبي بصورة عامة.

فما هو تعريف الشعر يا ترى؟ وهل الشعر أوزان وقافية وحسب؟ يعني مثلا عندما أقرأ للآمدي في موازناته ومفاضلاته بين الشعراء فإنه يقدم البحتري على أبي تمام وهذا واضح عندي لأن أبا تمام حكيم يرسل الحكمة في ثنايا شعره حتى لو لم تكن ذات أثر عميق في تجربة شخصية له ، بل وقد قرأت أن أبا تمام نفسه كان من المجددين في الشعر إذ خرج ذات مرة على العمود التقليدي الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي فنال من الهجوم عنتا شديدا كما قال دكتور طه حسين في مقال له حول الشعر الحر نشرته مجلة الآداب البيروتية ، عدد فبراير عام 1957. ونفس الشيء ينطبق في كثير من الأحايين على المعري بل والمتنبي أيضاً الذي تأثر به المعري أيما تأثر.

يقول الآمدي في "الموازنة بين الطائيين": سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام: فقال : كان أغوص على المعاني مني ، وأنا أقوم بعمود الشعر."

ويشارك ابن طباطبا والمرزوقي الآمدي في حديثه ونهجه في نقد الشعر فيما يسمونه عمود الشعر الذي يلخصه المرزوقي في شرحه على الحماسة (ديوان الحماسة لأبي تمام) في الصفحة التاسعة في الجزء الأول:" كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته ، وجزالة اللفظ واستقامته ، والإصابة في الوصف ، والمقاربة في التشبيه ، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن ومناسبة المستعار منه للمستعار له ، ومشاركة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية ، فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر."

صحيح أن نيتشه يقول:"من بين كل أنواع الكتابة أحب فقط تلك التي يكتبها الكاتب بدما ء قلبه." لكني لن أبالغ مثل نيتشه ، فقط أطلب الوضوح والصدق الذي ينتقل عفوا من القلب إلى القلب. ولعل هذا يستبين لنا مجسما في قول عنترة (برغم أنا نسمي زمانه زمن الجاهلية) : يا عبل ما أخشى الحمام (بكسر الحاء يعني الحرب) وإنما أخشى على عينيك وقت بكاك.

طيب هل يلزم الشاعر أن يكون مثقفا؟ بدهي أن الثقافة عنصر مكمل يزيد الشعر حسنا وبهاء وجلالا سيما وأن الثقافة ليست مثل عدمها ففرق عظيم بين الجاهل والمثقف بين الشعراء وقد أفاض في الجواب على هذا السؤال فؤاد دوراة في كتابه: شعر وشعراء حيث انتصر للشعر الغنائي الرقراق الحساس على كل أنواع الشعر الأخرى وإن التزمت بالوزن والقافية فانتصر لنزار قباني بينما لم يحفل بتلميذ العقاد: العوضي الوكيل في ديوانه:" شفق" رغم احتفاء عزيز أباظة به ذلك أن أباظة كان شديد السخط والنقمة على الشعراء الجدد ويثني على العوضي لالتزامه الحرفي بعمود الشعر العربي القديم.

يؤكد دوراة (بتشديد الواو المفتوحة) أن الصناعة الشعرية والافتعال النفسي والوجداني واضح في ديوان العوضي الوكيل ويختم بكلمات شديدة القيمة والقوة في ذات الوقت أتمنى أن أوجهها لصاحب القصيدة التي نشرتها العربي رغم أن الفرق بينه وبين تلميذ العقاد رهيب حيث يقول دوارة (صفحة 111 طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب):"مثل هذا الشاعر لا ينبغي أن نتوقع منه شعرا إنسانيا صادقا يثري حيتنا الفكرية والعاطفية ويسمو بنفوسنا إلى عوالم الحب والجمال ، مهما التزم بعمود الشعر ولغة مضر وربيعة..!"

وصحيح أن للشعر أنواعا وأسماء كثيرة فمنه الموضح الذي برع فيه الأندلسيون بتأثير بيئتهم الجميلة فكان شعرا غنائيا فائقا ومنه الزجل والمسمط والمعلقة والملعب والدوبيت وغير هذا لكني أستحلف القاريء بالله أن يدلني على نوع هذا الشعر ليس من جانبي الوزن والقافية فإني أحب التجديد في الشعر وأؤمن بشعر التفعيلة أيما إيمان ولكن من جانبي الفهم والتذوق وهما لا يقلان أهمية عن الوزن والقافية.

أذكر هنا الآن كلمة الممثل الشهير زكي طليمات حينما سئل كيف يكون المرء مثقفا في عصر امتلأ بالزيف فرد قائلا: قل في الواقع ثم تنحنح ثم اصمت قليلا ثم قل ما شئت!

وبناء على هذه الطريقة فسأحكي لكم واقعة ظريفة ولكن فضلا اجعلوها في سركم: يطاردني أخ كريم يعمل معنا في القناة وهو المسئول عن الأمن وقد أنهى دبلوم الصنائع وهو عندنا شهادة تساوي شهادة محو الأمية أو تقل عنها بقليل أو كثير لا فرق. المهم أنا شخصيا لا أؤمن بالشهادات والألقاب بل وأؤمن أنه حتى الشخص الحاصل على الدكتوراه ليس بعالم بالعلم في الحقيقة وإنما هو عالم يكيفية وآلية معينة تمكنه من اجتياز الامتحانات يعني هو عالم بكيفية تخطي الاختبارات اللازمة للوصول إلى هذه الدرجة أو غيرها. ما علينا..في حديثي معه تطرق الأمر إلى موهبته العظيمة التي يتمتع بها (هكذا قال لي) في الشعر فقلت يا سلام يا سيد (اسمه سيد) أسمعني يا رجل وشنف آذاني بجميل شعرك: على الفور طلب مني أن أضيفه في مكتبي وطبعا بعد إلحاح شديد مني تعطف علي وكتب أربعة سطور (لا أبيات شعرية) في حوالي ساعة ونصف لأنه لا يجيد التعامل مع الكمبيوتر. في النهاية اضططرت لأن أطلب منه أن يملي علي شعره بحيث أكتبه وأقرأه وأعطيه نقدا أو تقريظا له. العجيب أني وجدته يصر على أن يملي علي الكلمات بطريقة خاطئة يعني يقول مثلا: عجبت (فعل ماض والتاء تاء الفاعل المتكلم) فيصر أن أكتبها هكذا: عجبتووا أتعجب وأقول له يا سيد هي : عجبت يقول لا والله هي عجبتووا المهم بعد سجال عنيف أقسمت له وقلت له: وربنا يا سيد وحياة ربنا الكلمة تكتب : عجبت بدون واوين وألف قال لي: يا عم دي مكتوبة في كل الكتب كده(لا حظ كل الكتب قال يعني سيد قرأ كل الكتب!) جائز بقة والله أعلم!

وحتى أختم بشعر جميل دعوني أنقل لكم شعرا لشاعر عظيم الرقة والجمال والصدق لكنه مع الأسف مجهول وهو من طبقة العقاد والمازني وحافظ واسمه إسماعيل صبري حيث كان يشترك معهم جميعا في حب مي زيادة حيث يقول:

روحي على دور بعض الحي حائمة
كظاميء الطير تواقا إلى الماء
إن لم أقنع بمي ناظري غداً
أنكرت صبحك يا يوم الثلاثاء.

يا سلام يا سلام ، وعلى ذكر الغزل الذي كتب فيه صاحب قصيدة (وهذا تخمين ضعيف مني لأني لم أفهم منها شيئا إلا تخمينات) مجلة العربي أنقل لكم قطعة رائعة لنزار قباني الذي يصر حتى وهو في قمة إبداعه العاطفي ألا ينسى النهود:

وأقبلت مسحوبة يخضر تحتها الحجر
ملتفة بشالها ، لا يرتوي منها النظر
أصبى من الضوء ، وأصفى من دميعات المطر
تخفي نهيداً ، نصفه دار ونصف لم يدر.

12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................