اللغة الشاعرة
...............................................................
| |
|
|
 |
|
|
الحاخام يهودا |
|
محمود الفقي
..................
من بحث بعنوان:" أهمية اللغة العربية في المحافظة على الهوية
وتوطيد المعرفة" ذكر د. أحمد درويش وكيل كلية دار العلوم ما
يلي:
"لا حياة لأمة بدون لغة، ذاك هو الشعار الذي رفعه إليعازر بن
يهودا عندما بدأت فكرة إقامة وطن لليهود، فأحيا اليهود لغة
كانت ميتة لا يسمع لها صوت إلا في دور العبادة. ورغم سخرية
البعض منه إلا أنه قرر الهجرة إلى فلسطين عام 1881 مع أسرته
وأنشأ أول بيت يهودي تفرض فيه العبرية لغة للتخاطب. ظل الرجل
متمسكا برأيه أربعين سنة متواصلة، فأسس رابطة للمتكلمين
بالعبرية في فلسطين وعكف على تأليف معجم عبري كبير استطاع أن
ينجز منه تسعة أجزاء وأكمله تلاميذه إلى ستة عشر مجلداً،
وانتشرت المدارس العبرية في فلسطين وامتدت إلى الجامعات التي
أصبحت تدرس كل موادها بما في ذلك الطب والهندسة والعلوم
بالعبرية." أ.هـ
وفي بولندا تدرس الجامعات العلوم والطب وغيرها بالبولندية.
وقد سبقتنا سوريا لتعريب الطب، وإن كنت أرى أن تجربتها
متسرعة، وأن الأمر يحتاج إلى منهجية وتحضير بحثي على مستوى
أعلى لكنها على كل حال تجربة تستحق الثناء لأنها أحرزت نجاحا
ملموسا.
تعلم يا قارئي العزيز أن عنوان مقالي هو واحد من كتب العقاد،
وقد أعجبني العقاد المفكر لا الأديب والباحث لا الشاعر
والمترجم لا الناثر والناقد لا الموهوب وهذا رأيي الشخصي
الذي لا يقلل من العقاد العملاق.
يرد علماء مقارنة اللغات تاريخ العربية المعروف بخصائصها
الحالية إلى القرن الرابع قبل الهجرة، ويرجعه العقاد إلى ما
قبل ذلك. وقد أعجبني العقاد حينما تفنن في استخدام القرائن
والأدلة على قدرة العربية العظيمة في التعبير الشعري فهي لغة
شاعرة حالمة بالفعل لا كما يظن البعض من أنها جزلة أكثر من
اللازم. وقد أورد العقاد كلام الجاحظ بتفرد العربية بعلم
العروض برغم أن الجاحظ نفسه هو من شنع على العروض بقوله:
"علم مولد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، وكلام مجهول، يستكد
العقل بمستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول."
لكن انظر إلى حنان العقاد على العربية حينما يقول في نهاية
مقدمته: إن حماية العربي للغته ليست فقط حماية للسانه وإنما
حماية للعالم من خسارة فادحة تصيبه بما يصيب هذه الأداة
العالمية من أدوات المنطق الإنساني، بعد أن بلغت مبلغها
الرفيع من التطور والكمال. ولعلي أذكر هنا كلمة الدكتور طه
حسين التي نقلها الدكتور فتحي جمعة في كتابه :"اللغة
الباسلة" ويا له من عنوان ، حيث يقول طه حسين:" إن من لا
يقدر على العربية ليس ناقصا في ثقافته فقط وإنما في مروءته
ورجولته أيضاً."
وفي كتاب:"اللغة الباسلة" الذي عرفني به فضيلة الشيخ الفاضل
أبو إسحاق الحويني في حديث لي معه حول برنامج عن التراث كنت
أسعى لتقديمه وقدمت جزء منه بالفعل على قناة الناس رأيت
الدكتور فتحي جمعة في هذا الكتاب يضرب كفا بكف كيف أن
الدراسات العليا في كليات الشريعة واللغة العربية ودار
العلوم تشترط التويفل وهو اجتياز اختبار اللغة الإنجليزية
باعتبارها لغة أجنبية بينما أن كثيرا من أساتذة الجامعات لا
يجيدون العربية بل ولهم أخطاء فاحشة فيها فأي الأمرين أحق
بالاتباع؟!
ولأن الشيء بالشيء يذكر فكلامي هنا عن كتاب "اللغة الباسلة"
يذكرني بكتاب أعظم منه بكثير وهو كتاب الدكتور نفوسة زكريا
الذي أثنى عليه العلامة محمود شاكر في كتاب "أباطيل وأسمار"
، وعنوان كتاب الدكتورة نفوسة هو: "تاريخ الدعوة إلى العامية
وآثارها في مصر" ، وكل الكتب التي ذكرتها في مقالي هذا متاحة
على الإنترنت.
وحتى نكون على بينة من الكوارث التي منيت بها اللغة العربية
فإني أترككم لثوان معدودة مع جزء من مقال لأستاذنا وعمنا
الأستاذ فهمي هويدي وهو بعنوان: أهوتك إيه؟ حيث يقول:" ويبدو
أن وباء العامية تفشى في بقية وسائل الإعلام، حتى اجتاح
الصحافة التي كانت تنشر على صفحاتها الأولى يوما ما مقالات
العقاد وطه حسين وأشعار شوقي وحافظ إبراهيم، أصبحت تنشر الآن
عناوين تتحدث عن «الأكيلة والهبيشة» ونتساءل عن تحول إحدى
المطربات «للهشك بشك». وأصبح الكتاب غير الموهوبين يتسابقون
على استخدام العامية السوقية والمبتذلة، فيما يتصورونه تبسطا
واستظرافا. أما فضيحة اللغة التي يتحدث بها كبار المسؤولين
في البلد، فحدث فيها ولا حرج. وليست بعيدة عن أذهاننا صدمة
قصيدة «يا ويكا» الهابطة التي اسهم بها رئيس وزراء سابق في
حفل تكريم د.فتحي سرور رئيس مجلس الشعب." وله مقال ماتع
بعنوان:" ويل لأمة مغصوبة اللسان" وهو متاح هو والمقال
السابق على جوجل.
نعود لكلامنا فنقول بدأ كتاب "اللغة الشاعرة" بكلام العقاد
عن الحروف فيقول إن الفكرة ليست في الكم، فالروسية مثلا بها
35 حرفاً لكنها لا تبلغ مبلغ العربية في الوفاء بالمخارج
الصوتية على تقسيماتها الموسيقية. انتقل العقاد للحديث عن
المفردات فيقول إن العربية بلغت القمة في ضبط المشتقات
بالأوزان فالفرق بين ينظر وناظر ومنظور ونظير ونظائر ونظارة
ومناظرة ومنظار ومنظر ومنتظر ، وما يتفرع عليها هو فرق بين
أفعال وأسماء وصفات وأفراد وجموع وهو كله قائم على الفرق بين
وزن ووزن.
يورد العقاد هنا أمثلة أكثر من رائعة للبلاغة في المشتقات
العربية لا سبيل لحصرها في هذا المقام. ينتقل العقاد إلى
الإعراب حيث يبدأ في طرح السؤال القديم: أيهما أسبق النثر أم
الشعر؟ ويتحدث عن قيمة الإعراب في العربية ويورد أمثلة
للنابغة الذبياني في قوته وتحكمه في القافية بالإعراب
للكلمات. انتقل العقاد للحديث عن العروض حيث أكد أن استقلال
الشعر فن بعينه عند العرب لم يعرف في غير العربية حيث إن
الشعر في اللغات الأخرى يتسم بالإيقاع لا بالوزن والقافية
كما هو الحال في العربية، بل إن البحوث المشرقية منذ القرن
التاسع عشر قد أثبتت أن أبناء الأمم السامية القديمة
والباقية كانت خلوا (بكسر الخاء) من فنون العروض الملتزمة في
المنظومات العربية. وقد أورد العقاد أمثلة من العهدين الجديد
والقديم للتراتيل والوصايا التي تعتمد على الإيقاع بغير وزن
ولا قافية. وقد أتبع العقاد ذلك بالحديث عن أوزان الشعر
وبحوره في صورة متخصصة تثبت قوة العقاد وثقافته الباهرة
وتمكنه من العربية تمكنا يجعلك يا قارئي العزيز تحمد الله أن
لنا أديبا في قامة العقاد بهذه الغيرة المحمودة على العربية.
تكلم العقاد بعد ذلك عن المجاز والشعر واعتبر المجاز من
الأدوات الكبرى للتعبير الشعري في العربية، وقد صحح هنا
أقوال مستشرقين من أمثال أدوين هول الذي بالغ في اتهام
العربية بالإغراق في المحسنات البديعية بما يصرف عن حقيقة
المعنى المراد. وهنا يدهشك العقاد حينما يفرد بحثا بعنوان:
الفصاحة العلمية باعتبارها أحد خصائص العربية ويعرف اللفظ
الفصيح ببساطة (على غير عادة العقاد الذي يحب تعقيد كل شيء)
بأنه اللفظ الصريح الذي لا يحتمل لبسا أو اختلاطاً. فالعربية
ليس فيها حرف واحد يستخدم مخرجين كما هو الحال في حرف تشي في
اليونانية الذي يجمع بين التاء والشين (وهذا معروف في
الألمانية). وقد أثنى العقاد على رسالة حفني ناصف في حياة
اللغة العربية التي لخص فيها معظم الحروف التي يقع فيها
اختلاف النطق. تحدث العقاد بعد ذلك عن الزمن في اللغة
العربية التي تميزت بعراقتها في ارتباط الفعل فيها بأزمان
مختلفة ودقيقة. وقد تكلم فأبدع عن استخدام العرب لألفاظ لا
حصر لها لضبط الأوقات والدلالة على المراحل الزمنية المختلفة
على عكس ما يظنه البعض من أنها لغة بدوية صحراوية لا تعنى
بالوقت والزمن. ويورد العقاد هنا أمثلة كثيرة من العربية
والإنجليزية التي يجيدها. تكلم بعد ذلك عن الشعر باعتباره
ديوان العرب واهتمام الرواة به وفرح العرب لظهور شاعر بينهم
وقوة الشعراء العرب في مجالات الشعر المختلفة خاصة في الوصف
الذي هو أصعب هذه المجالات وهو المبين الأكبر عن قدرة
الشاعر، وقد استدل بأبيات لزهير بن أبي سلمى والمتنبي في وصف
الفضائل.
وهنا ينتقل بنا العقاد إلى فصل مهم وهو: أخطاء المستشرقين في
نقد الشعر القديم، وكما هي عادة العقاد فقد ظهر في بحثه قويا
منافحا عن العربية طارحا الشك الذي حاول المستشرقون أن
يورثوه لنا في شعرنا القديم ومن ثم يدخلون به إلى التشكيك في
عقيدتنا. على أني يا قارئي العزيز أنصحك بقراءة هذا الفصل
بالذات لأجل دينك ولغتك. بعد ذلك نقرأ عنواناً آخر وهو:
النقد العلمي حيث يؤكد على أهميته في النقد الأدبي أيضاً إلى
جانب مختلف العلوم ويطبق كلامه على امريء القيس الذي دارت
حوله الكثير من الأقاويل وسمي بالملك الضليل. لقد بهرني
العقاد حينما أتى بشهادات تاريخية تثبت أن امريء القيس كانت
تفوح منه رائحة كريهة عند عرقه، وأنه أيضا كان ضعيفا جنسياً،
ثم أكد على صدق هذه الروايات بما يثبته العلم الحديث من صلة
وثيقة بين الأمراض الجلدية والجنسية (وليت شعري، فالعقاد ليس
بارعا في الطب يعني لا تأخذوا كلامه على محمل اليقين).
ختم العقاد كتابه بعد ذلك بعنوان: الشعر العربي والمذاهب
الغربية الحديثة وفي الحقيقة لكني لم أستفد من هذا الفصل
الذي شعرت أنه تكرار لما سبق الحديث عنه في أوزان وموسيقى
الشعر العربي. وأخيرا فإن لغتنا أمانة وجزء من عقيدتنا،
سلامتها من سلامة عقيدتنا وتاريخنا وهويتنا، والنهوض بها
أحسب إن شاء الله أنه يدخل ضمن مفهوم الجهاد لنصرة الإسلام
فهلموا للدفاع عن العربية وتطويرها ، والله المستعان.
12/02/2011