مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 شجر الليمون الذي غاب
...............................................................

بقلم : محمود الفقى
......................

 
   

يعرف ابن سيده الجمال فيقول: الجَمَال : الحسن يكون في الفعل والخَلْق. ويقول ابن الأثير: والجَمَال يقع على الصُّوَر والمعاني؛ ومنه الحديث: إِن الله جَمِيل يحب الجَمَال أَي حَسَن الأَفعال كامل الأَوصاف؛ وقول أَنشده ثعلب لعبيد الله بن عتبة: وما الحَقُّ أَن تَهْوَى فتُشْعَفَ بالذي.. هَوِيتَ، إِذا ما كان ليس بأَجْمَل.

وفي طفولتي التي عانيت فيها، أو كما يصوغها أنطون تشيخوف: في طفولتي لم تكن لي طفولة، كنت أهوى أن أصطحب الرفاق لسرقة الليمون والفاكهة من بساتين رجل من أثرياء قريتنا. كانت روائح الليمون والزيتون والفاكهة تعطر كل الجو فيها وحولها وتملؤ قلوبنا طرباً، وعقولنا نشوةً، وأرواحنا نزقاً وخفةً وجمالاً.

وبرغم كل ما كان من فقر وضعف وقلة حيلة إلا أن اللون الأخضر كان يخفي كل عناء وقبح. اللون الأخضر في الشجر والبساتين التي كانت تملؤ قريتنا مع خرير الماء وأصوات العصافير والحمام والأعداد الغفيرة من أبي قردان التي تملؤ الحقول ونجري وراءها بدهاء وخبث لتقع في فخ الشباك التي أعددناها لصيده، خاصة وأن هذه الطيور كانت بطيئة الحركة مقارنة بالهدهد الذي فشلت دوما في اصطياده.

في قريتي كان مستوى العيش متقاربا بين الناس قبل زحف الأبراج السكنية التي ما إن تراها حتى تشعر أنك قزم مهما كنت كبيراً.

والذي ذكرني بهذا الماضي ما رأيته وأراه في سفري وترحالي من القاهرة إلى المنصورة، وعند ترحالي بين المنزلة ودكرنس وهي نماذج حية حقيقية من مجتمعنا ما بين فقر وغنى وريف وحضر يختصر الجمال في مساحات تكاد تكون معدومة أمام مساحات القبح التي ملأت حياتنا. بين المنصورة والمنزلة حيث لا أعمدة للإنارة ولا نظام، وبين المنزلة والقاهرة على طريق الإسماعيلية السويس حيث لا ترى عمود إنارة واحد أو شجرة واحدة على طريق ترعة السلام وبخاصة في القرية التي شهدت مدرستها مذبحة مروعة على يد الكيان الصهيوني المجرم، بحر البقر.

قبل أن تصل السيارة إلى كوبري البراميل عند ميت غمر أرى يافطة كبيرة وهي إعلان لطبيبة (ركز طبيبة لا طبيب يعني المصيبة هنا مضاعفة) وما أكثر إعلانات الأطباء السخيفة، ومكتوب على اليافطة: الدكتورة فلانة: لدينا تحليل بالكمبيوتر للسائل المنوي والقدرة الجنسية. وليت شعري كيف لهذه الطبيبة أن تقيس القدرة الجنسية عند الرجال بالكمبيوتر وبهذه الطريقة الفجة..بالطبع يدخل الكمبيوتر في كل شيء الآن لكن خبرني بربك: ألا تشعر بهذا القدر القميء من العشوائية في هذا الإعلان وغيره؟ بل هناك ما هو أشنع من العشوائية التي ملأت حياتنا ، فصار كل من يخط بقلمه أديبا ، وتعالى الأدب أن يكون بهذا السخف ، وانظر إلى حب الظهور والخيلاء حتى في أكبر أساتذة الجامعات في كليات الطب ممن يكتبون أستاذ كذا ثم يكتبون حرف الميم في نهاية اليافطة بحجم صغير جدا لا يكاد يرى حتى يقول إن معه الأستاذية بينما هو أستاذ مساعد ، ونفس الشيء تراه في المدرس المساعد والمضحك أن هذا يكتب في قرى نائية ليست تهتم بترتيب الدرجات العلمية من مدرس مساعد إلى مدرس ومن أستاذ مساعد إلى أستاذ ، ألا رحم الله العقاد الموسوعي الذي ضايقه حقد وغيرة الأقران فقال قولته الشهيرة: ما ضرهم في إلا أني أديب مشهور بغير ليسانس ولا دكتور!

وربما في بعض الأحيان كان السبب هو عقلي الذي يسيء الظن. فمن ظريف الأمثلة أني قرأت هذه اليافطة لطبيب عندنا:" د. (لاحظ إن استخدام الدال تدليس، وهو كثير في حياتنا للأطباء الناشئين، لأن الدال تعني حصوله على الدكتوراه) فلان عنين: أخصائي التناسلية والجلدية وأمراض الذكورة، وربما أن كلمة أمراض الذكورة الأخيرة جعلتني أقرأ عنين بتشديد النون الأولي المكسورة لتحدث المفارقة في عقلي أنا...سامحك الله يا عقلي!!

وفي إحدى المباني التي كنت أسكن بها ترى مكتوبا عليها" مكتبة ومعرض وكافتيريا ومطعم العروبة!!"

وعن الإعلانات على الطرق السريعة حدث ولا حرج، لكني لن أذكر منها شيئا لأن فيها الكثير من الإيحاءات الجنسية التي يعف القلم عن إظهارها.

ويعلم الله أني أتأثر كثيرا بالآية الكريمة رقم 99 من سورة الأنعام التي تقول:"انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه." لأني رأيت هذا وأنا صغير. فقد كنت أرى مراحل النبات إلى النضج.

و للعملاق سيد قطب - الذي أحسبه عند الله شهيداً - في حديثه عن هذه الآية الكريمة كلام كأنه الإلهام يضيق عن ذكره المقام هنا، فليرجع إليه.

وبرغم ما يوحي به اللون الأخضر من جمال وراحة وطمأنينة إلا أن اختلاف الثقافات يجعله مثلاً في الأدب الشعبي الإنجليزي القديم رمزا للفتنة والشر والإغواء بل والعفن والسموم، ومشهور أن الممثل بيلا لوجوسي كان يلون وجهه ورداءه باللون الأخضر بينما كان يؤدي دور دراكيولا بينما يعطي نفس اللون معنى الرخاء ودلالاته عند كل من يستخدمون الدولار، وفي ويكيبيديا متسع في أسيقة مختلفة.

لكني أؤكد أن حاجتنا للون الأخضر من حولنا مثل حاجتنا للماء والهواء والعلم وأن مقالي هذا ليس سطورا منمقة يراد بها سد فراغ وحسب، واسألوا العالم الكبير د. أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي.

وفي حديث ضعيف روى مكحول عن عائشة قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب، فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء؛ فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره. فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: (نعم إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه فإن الله جميل يحب الجمال).

وأخيراً فإن إسلامنا العظيم يورد لنا العديد من الآيات والأحاديث التي تحض على النظافة والجمال، وهما أول ما يلفت نظر المسافرين إلى الغرب. وهنا أنا لست بصدد تعداد هذه الآيات والأحاديث والمواقف وإلا ضاق عن غايتنا المجال. فما بالنا الآن من بين الأمم أبعد ما نكون عن الجمال والنظافة (وما أبريء نفسي) والدليل شوارعنا وإعلاناتنا. ومن أعظم وأجمل ما أثر في ذهني ووجداني من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:" لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس."

والمقصود بالشجرة كما جاء في رواية أبي داود والنسائي هو الشوك.
فأين اختفى اللون الأخضر وشجر الليمون وأين هي رائحته التي تخترق الأنوف وتسري منها إلى الروح بغير استئذان..أين غاب الجمال عنا؟
 

12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................