ساعة مع ياقوت الحموي
...............................................................
 |
|
|
ياقوت الحموي |
|
بقلم: محمود الفقي
...................
في أيامنا هذه يشعر الواحد منا كما لو كان يعمل أربعا وعشرين
ساعة في اليوم الواحد مثل المصدات التي تقف حائلا أمام
الضربات المتلاحقة التي يتلقاها من كل الجوانب تقريبا خاصة
في عالم الإنترنت الفسيح.
الإنترنت تحول مثل كل شيء إلى ساحات للمعارك والجهاد
الإلكتروني. الحياة من حولنا صاخبة فجة يكللها الفشل في
جوانب الاقتصاد والسياسة والتربية والتعليم. لا مناص إذن من
أن أستروح وأتفيأ تحت ظلال التراث الوارفة حتى أعيش هدنة
المحارب.
لا أدري ما الذي يدفع ملحدا شديد العداء للإسلام أن ينشيء
موقعا كاملا لإهانة الإسلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم
بينما لا تكاد ترى مقالا واحدا يهاجم المسيحية حتى تستيقن من
كونه ملحدا لا يسعى لنصرة دين على آخر. هذا الملحد يتصل بي
مرارا ويحاول التزلف لي وبالفعل أحاول أن ألتمس لديه سببا
واحدا لإصراره على سب الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم فإذا
به يشرع في اللف والدوران ثم أختبره أنا بعضا من الوقت حتى
أعرف أنه عضو في شبكة تنصير تمول من أقباط المهجر!!
شيخ متزوج من أربعة وله 28 ولدا ويقدم برامج في أكثر من ست
قنوات فضلا عن دروس المساجد كيف أتخيله يقيم الليل ويقرأ في
مكتبته ويعاشر زوجاته ويتفقد أحوال أولاده ويتأنق في ظهوره
في البرامج المختلفة وقد حصل بعد الفقر على فيلتين فإذا أيام
الزهد والخشوع قد ولت بينما أنه ما زال يجيد تمثيل الخشوع
بأحسن ما يكون.
أواه يا قلبي... لأترك كل هذه الصدمات وأتفيؤ الآن في ظلال
التراث الوارفة مع ياقوت حتى أقدم ثقافة عربية أتشرف
بالانتماء إليها في عصر ملأ الضباب سماءه:
البرنامج الثقافي في الإذاعة بالنسبة لي كان معينا لا ينضب
من الثقافة والأدب حيث كان يقدم أبدع ما أنتجته قرائح
الأدباء والمفكرين والفلاسفة الغربيين وبأسلوب سهل جيد
التصميم والإخراج.
تذكرته الآن لما نويت الكتابة عن ياقوت حيث تذكرت ما قدمته
هذه الإذاعة من برنامج كامل عنه ، وأمسكت عن الكتابة لأتأمل
في أن ياقوت كان عبدا تسيد بالعلم.
نعم ياقوت كان عبداً فقيراً روميا لم يكن يعرف العربية
أصلاً. وقد عيره البعض بجنسيته قبل كونه من الأرقاء الذين
ووجهوا بعدئذ بضربات الحقد ، وبرغم هذا ألف كتابا قال عنه
المؤرخ والباحث الفرنسي البارون كارا ديفو في مؤلفه:(مفكروا
الإسلام):" إن معجم البلدان من المؤلفات التي يحق للإسلام أن
يفخر بها كل الفخر."
ومن تصانيفه أيضاً كتاب " معجم الشعراء "، وكتاب " معجم
الأدباء "، وكتاب " المشترك وضعاً المختلف صقعاً " وهو من
الكتب النافعة التي مدحها ابن خلكان، وكتاب " المبدأ والمآل
" في التاريخ، وكتاب " الدول " و" مجموع كلام أبي علي
الفارسي " و" عنوان كتاب الأغاني "، و" المقتضب في النسب "
يسرد فيه أنساب العرب، وكتاب " أخبار المتنبي
"
.
لكن الذي لفت نظري أكثر عند يا قوت ليس ما ذكره كارا ديفو
وحسب وإنما أيضا كتابه العظيم:" معجم الأدباء" وله اسم آخر"
إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب" وكان بحق موسوعة فائقة في
حصر أمور عظيمة في الأدب واللغة والعلوم. حقق الكتاب الدكتور
إحسان عباس وبين في مقدمته كيف استفاد المترجمون في تراجمهم
بعد ذلك من ياقوت حيث مدح أديب فلسطين الكبير إسعاف
النشاشيبي رحمه الله الذي كان يكتب مقالات عن معجم الأدباء
في مجلة الرسالة.
لقد سحرني أسلوب ياقوت وعلمه الغزير وتوثيقه العلمي المتين
وحصره الموسوعي لمن ألف ومن كتب في هذا الميدان. ولأتركه
يتحدث إليكم بنفسه:
"وبعد فما زلت منذ غذيت بغرام الأدب ، وألهمت حب العلم
والطلب ، مشغوفا بأخبار العلماء ، متطلعا إلى أنباء الأدباء
، أسائل عن أحوالهم ، وأبحث عن نكت أقوالهم بحث المغرم الصب
، والمحب عن الحب (بكسر الحاء)، وأطوف على مصنف فيهم يشفي
الغليل، ويداوي لوعة العليل ، فما وجدت في ذلك تصنيفا شافيا
، ولا تأليفا كافيا ، مع أن جماعة من العلماء ، والأئمة
القدماء أعطوا ذلك نصيبا من عنايتهم وافرا ، فلم يكن عن صبح
الكفاية سافرا............. ويقول ياقوت عن معجمه:
"وجمعت في هذا الكتاب ما وقع إلى من أخبار النحويين ،
واللغويين ، والنسابين ، والقراء المشهورين ، والإخباريين ،
والمؤرخين ، والوراقين المعروفين، والكتاب المشهورين ،
وأصحاب الرسائل المدونة ، وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة ،
وكل من صنف في الأدب تصنيفا ، أو جمع في فنه تأليفا ، مع
إيثار الاختصار ، والإعجاز في نهاية الإيجاز ، ولم آل جهدا
في إثبات الوفيات ، وتبيين المواليد والأوقات ، وذكر
تصانيفهم ، ومستحسن أخبارهم ، والإخبار بأنسابهم وشيء من
أشعارهم."
الحقيقة عمل رهيب جمع فيه ما لا يسع كبار الموسوعيين اليوم
عمله إلا بشق الأنفس. ويبدو لي جليا من قراءتي لمعجم الأدباء
أن صاحبه عشق العلم والأدب عشقاً حتى إنه في مقدمته للكتاب
قد استشهد بكثير من الشعر المادح للعلم والأدب وقيمتهما في
الحياة حيث ساق ما قاله السري الرفاء:
كن للعلوم مصنفا أو جامـــعا *** يبقى لك الذكر الجميل
مــــخلدا
كم من أديب ذكره بين الورى *** غض وقد أودى به صرف الردى
وأرى الأديب يهابه أعــــداؤه *** ويعده السادات فيهم
ســــــيدا
ينسى أواخرنا الأوائل كــلهم *** الا أخا العلم الذي جاز
الــــمدى
يعلي ياقوت من شأن النقد والقراء والتعليقات ويتواضع تواضعا
عظيما بعد ذاك الجهد في كتابه إذ يقول في خاتمة مقدمته:
"اتخذ كاتبا متصفحا لكتبك ، فإن المؤلف للكتاب تنازعه أمور
وتعتوره صروف تشغل قلبه وتشعب فكره ، من كلام ينسقه ، وتأليف
ينظمه ، ومعنى يتعلق به يشرحه ، وحجة يوضحها. والمتصفح
للكتاب أبصر بمواضع الخلل من مبتدي تأليفه."
لقد كدت تستدر الدمع من عيني يا ياقوت بجميل أدبك ، وعظيم
علمك ، وأخلاقك الجمة. يقول ياقوت:
"وإنما تصديت لجمع هذا الكتاب لفرط الشغف والغرام ، والوجد
بما حوى والهيام ، لا لسلطان أجتديه ، ولا لصدر أرتجيه. غير
أني أرغب إلى الناظر فيه أن يترحم علي ، ويعطف جيد دعائه إلي
، فذلك ما لا كلفة فيه عليه ، ولا ضرر يرجع به إليه ، فربما
انتفعت بدعوته ، وفزت بما قد أمن هو من معرته."
وبدوري يا ياقوت أقول:
اللهم ارحم ياقوت وأبي رحمة واسعة جزاء ما ترك لنا من علم
وأدب ونفع واقبله في المهديين الصالحين واجمعه بسيد النبيين
وأشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
إلى يوم الدين.
12/02/2011