قناة رياضية تفوق جميع القنوات الدينية
...............................................................
بقلم : محمود
الفقى
......................
عندما تصير هناك قنوات كثيرة وسبل عديدة أمام طائفة من
المتدينين على اختلاف مشاربهم للتعبير عن أنفسهم يجب أن نكون
حذرين أشد ما يكون الحذر. لا عجب أني كلما كتبت مقالات دينية
أجد من الاختلاف والفرقة ما يندى له الجبين ، والواضح أن
المقالات الدينية لا الدين هي سبب الخلاف لا الاختلاف وحسب ،
وأن صدورنا ضاقت بالاختلاف برغم اتساع العالم من حولنا ،
ورغم هذه الدفقات الهائلة من المعلومات والاتصالات بين
الساكنين في كوبنا هذا.
المشكلة الكبيرة وراء ضيق الصدور ، وغياب الرحمة ، والتسامح
بين المختلفين يعود في جزء كبير منه لأخطاء مشينة مارسها
الآباء والمعلمون والساسة والمسئولون في تربية الأجيال
الناشئة. في مقال لي عن إصلاح الأزهر أقسمت بالله غير حانث
أن مدرس مادة الحديث النبوي الشريف والذي كان يحصل على
تقارير "ممتاز" من مفتشي المادة وهو الآن وكيل المعهد
الأزهري لم يكن يعرف أن المرأة في حالة الحيض يحرم عليها
الصلاة والصيام ، بل ولما عرف هذا مني استحلفني بالله: أهذا
صحيح؟ بل إن معلم الرياضيات لم يكن يعرف كيف يقوم بتدريس
مادة شيقة مثل هذه المادة فكان أن سألته مرة: ما معنى س ص ع
وإلام ترمز؟ فكان جوابه السريع: اقعد يا حمار. بالطبع قد
يكون معذورا فهو لا يعرف كيف يوصل إلى التلاميذ الصورة
التجريدية للرياضيات المبسطة في كون س ص ع رموزا لمجهول
مطلوب منك أن تصل إلى قيمته أو حجمه مثلا. المشكلة كما نرى
هي غياب الكفاءة المهنية والتربوية في آن واحد لدى كل هؤلاء
المعلمين وليست المشكلة في الأزهر نفسه وإلا يصير هذا تبسيطا
مخلا وظلما واضحا.
التربية فن وعلم يجيده من طحنته الدنيا طحنا ، وحنكته
التجارب ..التربية هي ما نفتقده بشدة في حياتنا. كيف نربي
عالما ، وكيف ننشيء كاتبا ، وكيف نعيش الحياة بما يحقق أوفى
المقاصد فيها. في كتاب جميل غير مشهور للعقاد اسمه: "عالم
السدود والقيود" كتبه عن أيام سجنه ، وهو كتاب ماتع عرف
العقاد فيه الثقافة بأنها تعويد الحواس الإنسانية على
استيفاء حظها الأمثل مما حولها يعني: أن ندرب عيوننا على
الإحساس بالجمال فيما حولنا ، وأن ندرب أسماعنا على أن نسمع
الجميل لا النشاز من الأصوات والنداءات ، وهكذا حتى يصير
الجسد كله محلا ومستقبلا لأوفى وأحسن ما هو متاح في هذا
الكوكب الفسيح الأرجاء.
شاهدت في قناة رياضية كانت حتى وقت قريب جدا من مشعلي الفتنة
بين الجزائر ومصر في كرة القدم شاهدت فيها برنامجا يسمى " في
دائرة الضوء" يستضيف فيه الكاتب المشهور إبراهيم حجازي
الكاتب بالأهرام طفلا في الصف الأول الإعدادي ثبت أنه عبقرية
نادرة في الرياضيات. شهدت له بذلك لجنة مكونة من أساتذة
الرياضيات في الجامعة الأمريكية وجامعة القاهرة ويرجون
الدولة أن تسمح بإعطائه الفرصة لتحضير الماجستير والدكتوراه
الآن حتى يمكن الاستفادة منه بأوفى ما يكون.
الحقيقة رأيت الطفل وسمعته ولم أعجب لأني أعلم أن مصر بل وكل
مكان في أرجاء العالم مليء بالمواهب ، فالإنسان في كل مكان
كنز من الأسرار والموهبة والعبقرية من الأمور التي أؤمن
بوجودها إيمانا مطلقا ولله في خلقه شئون ، ولعل استشهادي
بالعقاد في كتابه السابق يقترن في سياقي هذا بأن أقول إنه قد
تأثر كثيرا كثيرا بكتاب كارلايل "الأبطال" فنسج على منواله "
العبقريات" ، وبالتالي كان العقاد مفتونا بفكرة العبقري أو
البطل حتى طغى ذلك عليه فتلبس به ورأى نفسه عبقريا هو الآخر
، وبالفعل كان كذلك رحمه الله.
الطفل بالفعل يتحدث بطريقة غير عادية...دقيق لأبعد
الحدود...يقرأ ويقرأ ويقرأ ويبحث ويسأل أساتذته بما يعجزهم
فيتعجبون ويساعدونه. أكرر: يساعدونه لا يحقدون عليه ولا
يحاولون إطفاء هذه الشمعة الجميلة التي تحتاجها مصر حاجة
الظاميء في لهيب الصحراء إلى الماء.
واليوم شاهدت برنامجا كاملا على قناة نجيب ساويرس أو تي في
عن هذا الطفل فسعدت أيما سعادة.
قلبت في القنوات الدينية وجدتها كالعادة: مملة مكررة عادية
تقليدية تخلط بين العلم والدين والباذنجان و تجيد التجارة
مثل كل القنوات ، لا تهتم بشيء سوى الوعظ والخطابة ، تأخذنا
بعيدا بعيدا عند مجاهل الصحارى. يجب أن تفيق القنوات الدينية
وتعرف أن علماء الفروع (الفقه) قد بنوا كل اجتهاداتهم على
أصول الفقه الذي يوازي ما تعلمه المسلمون من علم المنطق
المأخوذ عن أرسطو اليوناني. يجب أن تكون لدينا نماذج حية
تجيد العلوم الطبيعية والتقنيات الحديثة. لم لا تستضيف قناة
دينية واحدة هذا الطفل وأمثاله ، وهم كثيرون ، بدلا من أن
تجبر أطفالا أبرياء على ارتداء الغترة السعودية والتحدث
بلكنة خليجية وبدلا من تدريبهم على الخطابة وتلاوة القرآن
فيظل الطفل يقرأ بلا فهم ولا وعي وبحركات تراه فيها وكأنه
مسطول يمشي حسب سيناريو قد أعده له المخرج حتى يعجب به
الكسالى من الجالسين نهارهم وليلهم على أريكة يشاهدون برامج
دينية ويظلون هكذا عالة على البشرية بلا إنتاج حقيقي خاصة في
ميدان العلم والمعرفة. يجب ألا نكتفي بتعليم الأطفال الصغار
كيف يكونون خطباء مهرة يبكون الناس ويأخذونهم بعيدا عن
الواقع. عالم الدين الحقيقي يحمل في شخصيته جينات المجاهد
الثائر ضد الظلم... المستعد في كل وقت أن يدفع حياته ثمنا
لما يؤمن به... الآخذ دوما بأسباب العلم والحضارة... المؤمن
بالعدل أينما حل ....المعترف بقصور أمته في وقتنا الحالي
وضعفها ...السمح الرفيق بغيره من أشياع الملل الأخرى وبخاصة
جاره المسيحي في نفس الوطن ....المجتهد بأقصى ما بوسعه
لإنقاذ أمته من غياهب الظلم والجهل والمرض.
أقول هذا لأنه أصبح في حكم المشهور الآن أن الداعية الإسلامي
بعد زمان الفقر والعوز قد أصبحت له فيلتان في مدينة 6 أكتوبر
وأعرف شخصيا الكثير من دعاة السلفية ممن يمتلكون الآن فيلات
في منطقة 6 أكتوبر وأخشى أن يأتي اليوم الذي نسأل فيه الصبي
الصغير: ماذا تحب أن تكون في المستقبل وبدلا من أن يجيب:
دكتور يقول: داعية إسلامية حتى أكون مشهورا وصاحب فيلا في 6
أكتوبر.
وحتى يكون ما أقصده واضحا فإني أورد هنا ما رواه الإمام مسلم
عن عتبة بن غزاون : سرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم
-، وكان قوت كل رجل منا في كل يوم تمرة، فكان يمصها ثم يصرها
في ثوبه، وكنا نختبط بقسينا ونأكل حتى قرحت أشداقنا. فالتقت
بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد
بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من
الأمصار وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله
صغيرا وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها
ملكا فستخبرون وتجربون الأمراء بعدنا. والقسي هي الرماح
وقرحت أشداقنا أي تقرحت وتجرحت بسبب خشونة ورق الشجر.
بالطبع لا أحبذ الجوع والفقر وقد استعاذ منه سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم لكني أختم بأنه صلى الله عليه وسلم كان
يشغل بالدعوة عن جمع المال والشهرة لا العكس.
12/02/2011