في بلادنا مهما تكتب لا شيء يتغير
...............................................................
 |
|
|
القطط |
|
بقلم : محمود الفقى
......................
في محطة السيارات التي تنقل المسافرين إلى كل أنحاء
الجمهورية آثرت أن أتناول وجبة السحور قبل ركوب السيارة خشية
وصولي بعد الفجر ، فالساعة كانت قد قاربت منتصف الليل. جلست
بجانب عربة كبدة ، وتناولت بعض الطعام ، وما إن بدأت الأكل
حتى وجدت قطة نحيلة الجسم تقترب مني بتحفز بينما يتطاير شرر
الجوع من عينيها. فورا قطعت لها شطيرة ، ورميتها لها فأكلتها
بنهم ، ثم ما لبثت أن عادت مرة أخرى لكنها هذه المرة أكثر
شراسة وجرأة وإقداما حيث رأيتها تتحامل على قدميها الأماميين
، وتنحني صوب اليسار كأنما تستعد للقفز علي. قمت غاضباً
أهشها بقدمي فخافت وانقلبت على ظهرها لأبصر حقيقة آلمتني
وأشعرتني كم أنا ظالم ومتعجل!!! فقد رأيت أن تحامل القطة
وتحفزها بميل على قدمها اليمنى إنما لأن قدمها اليمنى
مقطوعة!!!! نعم ...دمعت عيناي ، وقطعت لها جزء أكبر ، ثم
أعطيتها إياه ، وربت عليها بحنان فنظرت إلي وكأنما تكاد
تنطق: شكراً.
ولكاتبنا الكبير أحمد بهجت كتاب ماتع اسمه:"حوار بين طفل
ساذج وقط مثقف" صدره بإهداء رقيق كما هي عادة بهجت المتصوف
المرهف:"إهداء إلى القط الذي كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يمسح على رأسه ، وهو في حجر أبي هريرة."
ظهر في الكتاب حب بهجت المشهور والمعروف للقطط ، ورحمته ،
وحنانه ، ورهافة مشاعره الجميلة ، وقد سمعته بأذني يحكي كيف
أن القطط تمثل جزء عظيما من عائلته ، بل وكيف أنها عرفت
مقدار حنانه فأصبحت من تلقاء نفسها تبحث عن قطط أخرى مسكينة
تشكو من الحمل والجوع لتصحبها لبهجت حتى يكرمها ويضيفها!!!!
ذكرني هذا بالمقابل بجار لنا كانت عنده قطة ، وغابت عنه فترة
ثم جاءته حاملا فقتلها...والله أنا لا أمزح، أكرر:
قتلها!!!!!
هنا في هذا المقال أتمنى أن نكرم الكاتب كما تكرم القطط في
الغرب. فمنذ يومين فقط سمعت بأذني ورأيت بعيني أنيس منصور في
برنامج" حوار خاص جدا" على القناة الأولى المصرية يحكي فيه
بتأثر شديد كيف أنه كان يكره العقاد لأن الأخير كان شديد
المراس ، متجبرا ، متكبرا ، غير رؤوف ولا رحيم بأنيس وبغيره
من تلامذته وحوارييه. الجميل جدا الذي أثر في نفسي هو ندم
منصور حيث قال: لم أكن أعرف بعد كل هذا العمر والعشرة مع
العقاد أن هذا القوي المتغطرس كان مسكينا ومتواضعا غير ما
كنت أحسبه، لقد كان معذوراً ، ببساطة لأنه كان مظلوما في
بلاد متخلفة!!!
سألته المذيعة؟ وما الذي يجعلك تقول هذا سيما وأنك قارنته
بطه حسين ففضلت الأخير عليه قائلا إن حسين كان رحيما رقيقا
هادئا متواضعاً؟ أجاب منصور بقوله: لقد رأيت بعد وفاته خطابا
بخط يده لمحام اسمه: لطفي جمعة يرجوه أن يتوسط له في معاش
بالدولة قائلا: أرجوك أنا لا أجد طعاما آكله والله! ولا أريد
أن يراق ماء وجهي لو عرف هذا أحد من تلامذتي وأصحابي!!!!!!
أنا أقدم حكاية العقاد هذه لبعض من يتربص ببعض الكتاب ويفتش
في ضمائرهم ، ويهمه البحث في سمات الكاتب الشخصية ، ولو
يعلمون لعرفوا أن الكاتب يستطيع أن يكتب عن الصدق والعفة وما
جربهما في حياته قط ، والعكس صحيح!!!!
ضع الفقرة قبل السابقة في ذهنك لا تخرج منه برهة حتى تقرأ أن
توماس فريدمان يكتب الكلمة الواحدة بحوالي خمسة دولارات ،
ويتصل مباشرة بالبيت الأبيض ، وكل صانعي القرار ، ويحظى
بمكتب أسطوري الفخامة وجيش من الإعداد والخدمة والدعم. بل خذ
هذه: لاري كنج المذيع الشهير هو وأوبرا التي كتبت عنها
يتمتعان بدعم مالي ضخم يشعر فيه كلاهما أنهما مؤسستان
كاملتان مع فريق من الإعداد في كل العلوم والفنون التي يتطرق
إليها لاري كنج وأوبرا وينفري.
في بلد يستطيع فيه صحافيان مثل بوب ودورد و كارل بيرنيستين
إسقاط رئيس الجمهورية في فضيحة مالية مثل ووترجيت محال إلا
أن تكون هذه الدولة قوة عظمى في حين أن المحكمة الدستورية
العليا حكمت على انتخابات الرئاسة في 2005 بأنها مزورة ،
وعليه فحكم الرئيس وحكومته باطل ويجب إسقاطه ، لا شيء تغير ،
فطبيعي أن تكون مصر هي رقم 123 في التنمية بين دول العالم ،
وجامعاتها أقل في المستوى من جامعات بوركينا فاسو.
ومؤخرا باع لنا الوليد بن طلال التروماي ، وألبسنا العمة لما
عقد للحكومة فخا أخذ بموجبه مائة ألف فدان في توشكى برخص
التراب ، ثم لم يستصلح إلا خمسة آلاف بعد سنوات عديدة لم
يستفد فيها المصريون شيئا ، ثم يقرر الرجل أن يبيع لنا الأرض
مرة أخرى مما أدى إلى غضب وزير الزراعة الذي أكد بنفسه أن
العقد لم يحدد مدة زمنية لسحب الأرض منه لو لم يزرع فهدد
الوليد بالعلاقات بين السعودية ومصر وأصر على أن يكون حديثه
مباشرة مع رئيس الوزراء ، وكتب الكتاب ، وعلق الصحافيون ،
وكالعادة لا شيء يتغير!
حال الكاتب في عصرنا كحال القطة التي بدأت بها: مسكينة ،
مقطوعة القدم ، جوعانة لا تستطيع أن تؤمن لقمة العيش ، معرضة
في أي وقت للتنازل من أجل البقاء ، ليس أمامها من قدرة على
المضي في صراع ليست تضمن الخروج منه سالمة فضلا عن أن تكون
غانمة ...هي فقط بانتظار العطف ممن أنعم الله عليهم بنعمتي
الإحساس والبصيرة ، وقليل هم.