مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 يوم اليتيم وأيام يتمي
...............................................................

 

يوم اليتيم

 

بقلم : محمود الفقى
.......................


أشعر أحيانا كما لو أن بعض الكتاب يكتبون بالشوكة والسكين ، وآخرون يكتبون بلا قلم ، وإنما هم يبثونك ما خرج من القلب ، ولا يندمون إذا ما ندَّت عن قلمهم الآهات ، أو استفزوا قارءهم بالضجر. نجيب محفوظ الذي نقدته هنا أعنف ما يكون النقد أعجبني لما سأله الناقد فؤاد دوَّارة عن المحفز لكتابته فقال: "ما حيلتي وقلبي دوما يغلب عقلي. ما حيلتي ومشاعري هي التي تهيمن على نفسي رغم أني دارس للفلسفة."
عندما أكتب عن قصتي أنا لا أكتب في الحقيقة شيئا يدور حول الأنا ، وإنما هي أبسط قصة... بل قصة يتيم محظوظ بين مليونين ونصف مليون من الأيتام في مصر ، وملايين من أطفال الشوارع ممن استفز منظرهم الصحفى جوزيف مايتون ، والصحفية راشيل كليدر ، وهما صحافيان إسرائيليان تجولا في القاهرة ، ثم نشرا ما عرفاه في صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية الخميس الماضي. ولا أدري فربما لا يعلم البعض أن النيابة في بلدي (المنصورة) قد أجرت التحقيقات بشأن التهمة لبعض مشرفي دار الأيتام بتسريح الأطفال للتسول ، والأدهى استغلالهم جنسيا!! في مجتمعنا قضايا كثيرة يُجلب عليها بالخيل والرَّجِل ، وما هي بشيء ، وهناك قضايا حياة أو موت لا يُعنى بشأنها أحد.

كنت أعمل مترجما في مدينة الفسطاط ، وهي في طريق المنيب بعد منطقة السيدة عائشة التي كنت أتوقف فيها لتناول الفطور على عربات الفول التي ما تزال أسعارها رخيصة جدا مقارنة بالمطاعم، وبعد أن أنهيت فطوري، ورأيت من سمات الفقر ، والحرمان على وجوه الناس في هذه المنطقة ما أدمى فؤادي ، ذهبت إلى محطة الأتوبيس لأذهب إلى العمل ، ولم يكن بها إلا أنا ، وشابان ، ورجل هرم ضعيف البنية. ذهب الشابان ، وبقي الشيخ ، واقترب مني رويدا رويداً. سألته: عايز حاجة يا عم الحاج؟ الله يخليك يا ابني ، أنا ربنا أكرمني وقمت من السرير انهاردة أدور على شغل ، وأنا كويس الحمد لله ، فقط لو تتكرم علي أعطني ربع جنيه فقط؟ تعجبت ، وقلت له على سبيل المزاح: ليه ربع جنيه مينفعش جنيه طيب؟ قال لي: لا مش هاخد منك غير ربع جنيه ، وأصر الرجل على هذا. المهم جاءت الحافلة ، وركبت إلى عملي ، ولما قصصت هذه القصة على المدير قال لي: سبحان الله! تعرف لماذا طلب منك فقط ربع جنيه؟ قلت لا: قال : لأنه لم يعد في القاهرة في خطوط الحافلات أية حافلة أجرتها ربع جنيه إلا منطقة السيدة عائشة ، وضواحيها. فالرجل يريد أن يضمن أنه لو لم يجد عملا أنه سيجد الأجرة البسيطة جدا ليعود إلى بيته!!!

سبحان الله كيلو اللحم الآن في مصر قد وصل إلى خمسين ثم إلى سبعين جنيها بينما يخرج هذا الشيخ الهرم ليعمل ، ولا يطلب إلا ربع جنيه ليضمن الوصول إلى أولاده....تبا وسحقا لمن أضاع كرامتنا ، وجعلنا أرخص من كلاب الشوارع التي تضمن الأكل ، والشرب ، وكل مقومات الحياة بلا شقاء كهذا الشقاء.

يقول الحق تبارك وتعالى :" لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي كَبَدٍ." وقد اخترت تفسيراً مبسطاً للعلامة الفقيه السوري د. وهبة الزحيلي لهذه الآية حيث يقول:" لقد خلقنا جنس الإنسان مغمورا في مكابدة المشاق والشدائد ، والتعب ، والمعاناة حتى يموت." آهٍ...حتى يموت!

وفي مسرحية "نهاية اللعبة" لكاتب اللامعقول والعبث صمويل بيكيت نرى أطنانا من الدموع والتشاؤم بنهاية العالم حيث يتفقد الخادم كلوف فردا آخر في المسرحية ثم يقول:" إنه يبكي ، فهو يحيا إذن"وفي كتاب "كعك وجعة – 1930" قص سومرست موم باستفاضة أيام طفولته القاتمة ، حيث كان طفلا بائسا حزينا عاني من اليتم والفقر والمرض ، وأثرت فيه عقدة الثأثأة.

هذا برغم أن والده كان مستشارا ثقافيا في السفارة البريطانية ، وأمه باريسية ذات جمال ، وجاه ، وصالون أدبي يؤمه الكبار ، لكنهما ماتا وعمره عشر سنوات فكان ممزقا بين اليتم والفقر ، وقد أورد كثيرا من هذا في كتابه:"العبودية الإنسانية". (غادة السمان : صفارة إنذار داخل رأسي...كتاب رائع)
ومن جميل ما رأيته في سومرست موم أنه طبيعي بسيط يحكي كل الأحداث بعفوية وصدق ، ولا يتوقف لحظة ليرهق نفسه وقارئه في التزام مذاهب أدبية حديثة كتلك التي سار على دربها جيمس جويس ، وفيرجينيا وولف ، وفولكز من مثل الرمزية وتيار اللاوعي (تداعي المعاني Stream of Consciousness Technique) بل كان مثل أنطون تشيخوف ، وغيره من عظماء القص ممن يحكون لك ليس ليمتعوك أو يفرحوك ، أو يحزنوك ، ولكن لأن القص عندهم عادة طبيعية عفوية صادقة ، وهو ما سأحاول فعله اليوم ، ففي الواقع ما هو أبلغ من مئات القصص.

كل ما أريده من السطور القادمة ليس استدرار العطف ، وإن كنت أسعى إلى إيقاظ مشاعر الرحمة النبيلة ، وما أقصده أن نلتفت إلى معاناة من هم تحت ...من يعيشون في الطابق ما تحت الأرضي بفراسخ!! الفقر ، والحرمان ، واليتم ليس سببا في الانحراف ، والضياع لكن إصرار المجتمع على تجاهل اليتيم ، والمحتاج ، والفقير سيحوله إلى قوة سلبية جبارة تعصي ، وتهدم ، وفي النهاية هو معذور كل العذر. ولا ينسيني هذا أن الإنسان كنز من عطايا الله وبركاته ، وفي وقت ما ، وعند اشتداد الأزمة ، ستستفز الأزمة فيك طاقات ، وشجاعة ، وقوة لم تكن تتوقع أنها فيك ، وبالتالي فإن المحنة أحيانا منحة. نعم ....

وهاتان ليلتان من لياليَّ الحزينة:

بعدما مات أبي – عليه سحائب الرحمة والرضوان – ضاق بنا الحال ، وصرنا لا نجد الطعام ، وكثيرا ما بتنا بطوننا خاوية نتقطع من الجوع إلا من زيارات قليلة من جماعة الإخوان المسلمين الذين كانوا يكفلون الأيتام – أنا لست من الإخوان ، لكني لن أنسى جميلهم علي – ولما مات أبي يبدو أن الناس قد نسونا ، لأنهم كانوا يزورون أبي بينما كان طريح الفراش – ظل أبي مريضا لخمس سنوات كاملة بدون حتى أن يستطيع دخول الحمام إلا فيما ندر عافانا الله وإياكم ورحمه الله – ولذا فقد كنت مرغما على الخروج ، وأنا بعد صغير في المرحلة الإعدادية أسافر في البلاد البعيدة باحثا عن عمل بعدما ظهرت صوري في الجرائد ، وكتبوا عني بعدما كرمت لفوزي بالمركز الأول على جمهورية مصر العربية في تفسير القرآن. حطت رحالي في أحد المصايف حيث الثراء الفاحش ، والفقر المدقع ، وساقني قدري لأحد المخابز التي رأيت فيها أياما أسأل الله أن تكون هي أحلك أيام حياتي وأصعبها ، فإني ما أطيق حتى تذكرها. كنت أعمل أكثر من 24 ساعة وكنت أتناول في الفطور والغداء رغيفين مع قليل من حبات الطعمية ، وكوبا من الشاي ، ولا أتعشى لشهور طويلة. كنت أحمل على ظهري أجولة الدقيق ، وأسير حافياً مهانا ذليلاً بقميص مقطوع ، وبنطال قصير ، وكثيرا ما كنت أتعرض للضرب المبرح والشتائم من صاحب الفرن. وفي إحدى الليالي:
أنهيت عملي في الوردية بعدما عملت يومين متواصلين، وسقطت مغشيا علي حيث كنت أنام على الأرض في جو كزمهرير الشتاء. ناداني صاحب العمل ، وضربني ، وأجبرني على مواصلة العمل ، ولما قلت له أرجوك أنا لا أقوى على الوقوف ضربني بشدة ، وانتهزت فرصة انشغاله في العمل ولذت بالفرار.......
كان الجو زمهريرا سيما وأني أعاني من الروماتيزم ، وأجري حافيا على الأسفلت, أخذت أجري وأجري حتى وصلت الشاطيء حيث الظلام الدامس.....
كانت بطني تصرخ من الجوع ، وكنت لا أقوى على الوقوف ، ولا أدري ما الذي جعلني أجري بقوة هكذا......
أردت النوم لكني جوعان.....
بحثت عن طعام لم أجد ، أخذت أسير كثيرا إلى أن وصلت إلى قرب أحد المطاعم حيث صفائح القمامة قريبة منه...
غافلت الناس ، واختبأت في صندوق كبير للقمامة أفتش فيه عن لقيمات صغيرة مع قطط كانت تتصارع مع بعضها لكنها لم تضق بي ، ربما لأنها رثت لحالي....
كنت محظوظا فقد وجدت القليل من الأرز وبقايا سمك مشوي....
أكلت كثيرا ولا أدري طعم ولا رائحة ما أكلته....
المهم أني شبعت وحمدت الله تعالى لأن من ظلمني هم الناس لا الله جل جلاله......
ذهبت قرب الشاطيء، وكنت محظوظا أيضاً، فقد وجدت الكثير من مراكب الصيد التي اختبأت وراء أحدها اتقاء لبرد البحر، ونمت بعدما أدفأت وجنتاي دموعي.

الليلة الثانية:

كان الليل حالكاً بسواد غير معهود في تلك الليلة التي كنت فيها أغط في نوم عميق بعد عمل شاق دام يومين كاملين بلا انقطاع. في اليوم السابق كان علي أنا وزملائي الثلاثة أن ننقل براميل المازوت التي نزود بها آبار ، أو كما نسميها بيارات الوقود المستخدم للفرن. كان عددها 35 برميلا يزن الواحد منها أكثر من مائة وخمسين كجم تقريباً. كان علي أن أصعد سيارة النقل لأرمي من خلالها البراميل واحدا واحدا حتى تقع على إطار من إطارات سيارات النقل القديمة جئنا بها حتى لا يصاب البرميل بتكسر ، أو اعوجاج قد يتسبب في فتح غطائه ، وتسرب ما فيه.

كان الجو حينئذ شديد الحرارة في قيظ الصيف ، وكانت يداي ووجهي ملوثين بمازوت البراميل ، فقد كنت لا أستطيع حتى أن أحك جلد وجهي من العرق ، وبلغت الروح الحلقوم فسقطنا نحن الأربعة صرعى أمام البراميل. لكنا ما كنا نلبث أن نعود ثانية حتى لا يغافلنا صاحب الفرن بقبضته التي تخترق أمعائنا ، أو رجله التي تنغرز في نصفنا الأسفل.

وأما عن تفريغ هذه البراميل في البيار فكارثة أخرى. لأن البيار شديد العمق بحيث يتسع لكل هذه البراميل ، ولو سقطت فيه خاصة وأن المازوت لزج ، فإنك ستغرق لا محالة ، وستنتهي حياتك بهذه الصورة المأساوية ، كما أن ليلك سيضحى شديد السواد لو أفرغت جزء ، ولو نزرا يسيرا خارج البيار. المهم الحمد لله كالعادة أعاننا الله سبحانه وتعالى وأنهينا العمل لأعود إلى عملي المحبب ، والمرفه الذي عند مقارنته بعمل الفرن أشعر كما لو أني أسبح في أنهار الجنة ، وأرفل في نعيم الفردوس الأعلى فيها ، وهو خدمتي لبيت صاحب الفرن ، وزوجته ، وابنه الصغير.

والذي جعلني هكذا مشدودا إلى هذه الخدمة أنها كانت تعفيني ولو قليلا من جهنم التي كنت أعمل بها ، فقد كانت درجة الحرارة في المعجن أكثر من سبعين درجة مئوية حتى يخمر العجين ، وكانت درجة حرارة السير(الحديد الذي يجري تحت النار ، ويوضع عليه الخبز العجين حتى ينزل من الناحية الأخرى ناضجا مستويا) أكثر من مائتي درجة فيما أظن ، والمكان شديد الضيق ، وبالمعجن سكاكين لتقطيع العجين ، ودقيق منثور في كل مكان لو تحاشته أنفك وعيناك فلن تستطيع الثبات عليه رجلاك.

كانت زوجته تطلب مني غسل الأواني وكنس الشقة...كنت أتنسم هواء التكييف العليل ، وأشعر بالملمس الحريري للطنافس والسجاد على الأرض مع جلال التحف ، والنجف على السقف ، والأهم من كل هذا قطع الفاكهة التي كانت ترميها لي ، وأنا نازل على السلم ذاهب إلى الفرن ، فقد كنت أشعر ، وأنا آكلها أني ملك حاز العالم كله!

أعود الآن إلى حيث كنت...كنت نائما أغط في نوم عميق على الأرض في هذا المكان الموحش ... بعيدا بعيدا عن الفيلات ، والقصور الفاخرة للمصطافين ، كان عبارة عن مكان مسور ، ومسقوف به حمام قذر ، وبعض من الأواني ، وأناس يشبهون البشر كلهم مريض بأمراض جلدية معدية أبسطها التينيا ، وسبحان الله فقد أنجاني الله تعالى من أن أصاب بعدوى منهم.

كنت أنام على ظهري لا لشيء إلا لأني كنت أسمع من بعضهم حكايات مرعبة عن اغتصاب كبير العمال لصغار العاملين في الفرن من الأطفال ضعيفي البنية...عن نفسي ، ويشهد الله أني لم أر شيئا كهذا ، وما تعرضت لهذا ألبتة لكني شعرت أن هذه الليلة بالذات سيعقبها أمر جلل ليس في سائر الليالي التي نمتها في هذا المكان سيما ، وأني كنت أنام بعض الليل منفردا لأني كنت أعمل بالليل لا بالنهار ، وقليل من كان يعمل بالليل. هذه الليلة كان قبلها يوم كالجحيم لأني بعد تفريغي لبراميل المازوت ذهبت في الطفطف (مجموعة عربات تنقل المصطافين من القرية وإليها) مع سائقه لنبيع الخبز الفائض في السوق. كانت أياما عسيرة لأني كان مطلوبا مني أن أبيع كل الخبز قبل أن يجف فلا يعجب أحدا ، ويدعي صاحب الفرن أني تسببت في خسارته برغم أنه يسرق في الموازين ، ويكسب آلافا مؤلفة. الشاهد أن هذا اليوم كانت أولى رحلاتي مع هذا السائق لأني كنت أخرج لأبيع الخبز مع سائق آخر فأتى هذا السائق الجديد ذلك اليوم قدرا. وقع بعض الخبز من نزقه ، وسرعته الطائشة فناديته كثيرا لكن المفارقة أن الرجل كان ثقيل السمع بالفعل ، وبينما أنا في العربة خلف الجرار إذ نويت النزول بسرعة لتدارك الخبز ، لأني أعرف سيف صاحب الفرن المسلط على رقبتي. الخبرة الضعيفة جعلتني أنزل موجها وجهي للخلف لتلهفي على الخبز (الصحيح أن تنزل ووجهك للأمام حتى تستوعب السرعة ، ببساطة ، ومنطق لأن العربة تسير للأمام لا الوراء) فانعكست السرعة لدي لأزحف كل هذا القدر الكبير على وجهي ويدي على الأسفلت فتنهمر الدماء من جسدي كله كأنها نار حامية من أثر احتكاك الجلد بالأسفلت في قيظ الصيف. الحمد لله استطعت أن ألملم هذا العدد القليل من الخبز ، ورآني بعض المارة فأوقف السائق بسرعة لينزل مربتا على كتفي بحنان مضمدا جراحي وهو يبكي. المهم الآن أن يدي ووجهي وركبتي وأفخاذي كانت كلها مضرجة بالدماء ، واستطعت تضميدها ببعض الورق القديم على الأرض ، وواصلت البيع ، ولما عدت ذلك اليوم كان جسدي كله قد استحال كتلة كاملة من الألم ، لكني برغم هذا استطعت النوم من شدة التعب.

ومع هذا كله كنت أقوم مفزوعا من النوم على أصوات غريبة ، وضجيج أغرب، والأغرب أن تضيء اللمبات ثم تنطفيء من تلقاء نفسها. كل هذا كنت أعالجه بالاستعاذة ثم ما ألبث أن أخلد للنوم ثانية لأني كنت أعرف من نفسي الكثير من التخريف في أثناء النوم بفعل العمل الشاق ، ولم أستسلم لكلام صاحب الفرن من أن المكان مسكون بالجن ، فقد أقنعت نفسي أنه كان يمزح!!!

أوه! ما هذا؟ ما كل هذه الضجة التي تنتهي كلما أسلمت نفسي للنوم. سأمثل الآن للنوم ، وبالفعل تعود الضجة ، وأشياء غريبة ، وينطفيء النور ثم يضيء....على كل حال اقترب ميعاد العمل ، وعلي الآن أن أذهب حتى أنظف دواليب الخشب التي نحمل فيها العجين ، وأن أنظف السير الساخن تحت النار ، وأن أقوم بكنس المكان جيدا ريثما يأتي كبير العمال وحتى يستعد العجان (بتشديد الجيم : من يصنع العجين ).

في طريقي إلى الفرن أمر بأماكن شديدة الوعورة كأنها غابات السافانا حيث كل شيء مرتفع ، وكل شيء متحرك ، وكل شيء مراوغ... وثمة أشياء ، ومخازن كثيرة... هنا أنابيب الغاز ، وهناك ثلاجات قديمة ، وهناك ، وهناك... وكلها أشياء تابعة للقرية السياحية التي كنت أعمل بها بعد تركي للفرن الأول.

حتى الأفاعي لها فحيح أكاد أسمعه ، فقد رأيت أمس ، وأنا في طريقي إلى مكان النوم ثعبانا كبيرا يمر من أمامي ، ناهيك عن فئران بلا عدد ، وحشرات بلا وصف.

الجو الآن شديد البرودة ، وكلما اقتربت من الفرن كلما شعرت بدفء جميل... آثرت أن أسرع في أداء العمل ، فالساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل ، ويجب أن يخرج الخبز طازجا في السادسة ، ولو تعطل العمل فكالعادة سينحون باللائمة علي أنا. جهزت الماء ، وغسلت القماشة التي أربطها في آخر عصا طويلة كانت جزء من مقشة قديمة أبلها بالماء ثم أمسح بها السير ، الذي يحمر من النار تحته حتى لا يلوث الرغيف العجين عندما يوضع عليه. كان مجرد النظر إلى هذا السير يكاد يحرق بؤبؤ عيني ، بل كان سببا مباشر في إضعاف بصري من شدة الحرارة سيما وأنه كان يجب علي الاقتراب أكثر حتى أمعن في تنظيفه. وفي أثناء انشغالي ، وقلقي من حرارة السير ، وضيق المكان ، واستعجالي غافلني كبير العمال ، وشدني من قميصي. كان قوي البنية ، مدمج الخلق بينما كنت أنا ضاويا ، دقيق العظام ، وأيقنت ساعتها غدره...وهنا بلغت قصتي أوجها:

كنت في يده مثل العصفور سيما وأني كنت ما أزال أطرد النوم من عيني فألجأني إلى جدار بقرب السير ، فاقتربت رأسي من السير ، وكأنما يريد بهذا إسكاتي. الحقيقة كان قلبي يرتجف حتى يكاد يقفز من صدري رعبا لا منه ، وإنما من تشويه وجهي بنار السير ، ولا أدري ما حدث فقد شرعت أحاول جهد الطاقة أن أهرب بينما لم أعرف سوى أن أنتقل معه من حائط إلى آخر ، حيث تقعقعت أضراسي غضبا وارتعشت مفاصلي رعبا ، و الحمد لله رب العالمين كان جل جلاله معي فأنقذني حيث ألجأني هذا الكائن إلى الحائط مكتفا إياي ، ومن حسن حظي أني كنت قريبا ساعتها من صندوق الدقيق الذي في طريقه إلى العجن ، قبيل أني يأتي العجان ، وبخفة النمر وجرأته قبضت قبضة من الدقيق حيث لم يكن يتحرك في إلا كفي فقط بينما أن جسدي كله مشلول باحتوائه إياي ، وقذفت هذا الدقيق في عينيه فصرخ مستنجدا وفكت قيودي حينئذ لكني لم أسكت. كنت أعرف أن نقطة ضعفه في مرفقه حيث كان يعاني من إصابة ، أو بالأحرى إعاقة فيها ، وبحثت كالمجنون في لا زمن عن آلة ، أو حديدة فوجدت ما نسميه "قمطة" ، وهي حديدة ثقيلة بطول الذراع ، كنا نستعين بها على تحريك الصناديق القديمة من أسفلها. شددت الحديدة ، وعاجلته بضربة لا أدري كيف أصابته في عين الجزء الذي أقصده في مفصل مرفقه فانهار على الأرض يتلوى كالطير مذبوحا بينما تتراءى أمامي صورة أبي – على روحه الطاهرة سحائب الرحمة والنور والرضوان – يقول لي: لست قلقا عليك أيها الفارس.

ساعتها لم أشعر إلا بنفسي وأنا أجري كفرس قبيض الشدِّ مناديا بأعلى صوتي: أستاذ ماجد أستاذ ماجد أستاذ
ماااااااااااااااااااااااااااااااجد (اسم صاحب الفرن) حتى لكأن القرية السياحية قد سمعتني كلها ، وأتى هذا الرجل فقصصت عليه ما جرى فانهال عليه ضربا ، وطعنا ، وطرده من العمل. كان الأستاذ ماجد هذا رجلا محيرا في سلوكه يعني كان يقرأ القرآن ، ويعظمني كثيرا لأني أحفظ القرآن ، وكان يصلي لكنه كان يسب الدين أيضاً. لكن الذي كنت علي يقين منه أنه كان ذا رحمة كبيرة ، وكثيرا ما كنت أراه يربت على كتفي قائلا: أنا أعلم أنك عزيز قوم ذل ، وصدقني أنا أشعر يقينا أنك يوما ما ستكون عظيما ، وستذكر هذه الأيام لكن ساعتها لا تنسى أني كنت محبا لك ، ومتعاطفا معك ، ومكرما إياك. أسأل الله تعالى العفو والعافية والسعادة في الدارين الدنيا والآخرة للأستاذ ماجد ولأسرته ولي ولكم.

أخيرا إلى من يُشغلون بإيمان الآخرين ، وإلى من يعكر صفوهم في هذه الدنيا ألا تكون قهوتهم مضبوطة الصنع ، وإلى من تتفنن في غواية الرجال ، وإلى من يتتبع النساء ، وإلى كل منشغل بنفسه ، والأهم إلى كل إنسان يحمل بين ضلوعه قلبا يشعر ، أقول: مع كل الآيات القرآنية الكريمة ، والأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على إكرام اليتيم أسألك أنت لا غيرك: ماذا قدمت لليتيم ، وأرجوك أرجوك لا تدخلني في جدل ديني: هل يوم اليتيم حلال أم حرام ، فما يشغلني ليس الاحتفاء بهذا اليوم ، وإنما أن يلتفت الدعاة والكتاب إلى الساكنين في الطوابق الأدنى من سفينة الحياة ، ومن بينهم اليتيم وطفل الشوارع ، وتعاطفك لوحده ميصحش!

mfiqy@yahoo.com


12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................