في البحث العلمي : جامعة الأزهر صفر على الشمال
...............................................................
 |
|
|
أحمد الطيب |
|
بقلم : محمود
الفقى
......................
بين يدي الآن بطاقة علقها مجهول على باب شقتي ، ومكتوب فيها
بالنص:"عالج نفسك بالقرآن ـ أعراض المس : الصداع المتكرر ،
خنق الصدر ، ألم بأسفل الظهر ، بقع زرقاء بأسفل الجسد." بعد
ذلك : الاسم ، وأرقام الهاتف ، والعنوان للشيخ المعالج. وليت
شعري ما علاقة القرآن بأمراض الجسد؟ ثم إن الأعلم بالقرآن
وهو سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد طلب حضور الطبيب
الحارث بن كلدة الثقفي بينما كان يزور سعد بن أبي وقاص ، ولو
كان العلاج للجسد بالقرآن لما تردد أشرف الخلق سيدنا النبي
صلى الله عليه وسلم في أن يعالج المريض بنفسه.
ثالثاً: أكرر كثيرا جدا حديثي عن المنهجية ، وأهميتها بمعنى
أني أعرف بحكم أني قاريء لا طبيب أن للصداع عللا كثيرة كلها
مختلفة عن بعضها البعض. فجزء منها يرجع للأسنان ، وآخر للعين
وضغطها ، وثالث للجوع والمعدة، ورابع لأمراض الكبد ، وخامس
لضغط الدم سواء كان مرتفعا أم منخفضا ، وسادس ، وسابع ،
وثامن وهكذا ، فكيف يحكم أن الصداع بل والصداع مرتبطا
بالأعراض الأخرى التي جمعت فروع الطب كلها تقريبا لمس الجن.
وإذا كان قد طلب منك أن تعالج نفسك بنفسك فلماذا طبع هذه
البطاقة وكتب عليها اسمه وعنوانه وهواتفه؟!
ما فعله الأخ الكريم صاحب البطاقة هو عين ما فعلته جامعة
الأزهر. يرتبط هذا المقال بشبيه قد سبقه بعنوان:"جامعاتنا
كتاتيب صغيرة" ، ففي نفس البرنامج وهو :"باحث ورسالة" على
إذاعة القرآن الكريم الأربعاء في حدود الثامنة مساء استمعت
مرة أخرى إلى مناقشة لرسالة دكتوراه في كلية أصول الدين
عنوانها:"الإعجاز العلمي في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم
كما جاء في البخاري ومسلم وأثره في الدعوة الإسلامية."
الحقيقة أن الخطاب يظهر من عنوانه ، ولا أدري ما علاقة
الباحث في كلية أصول الدين التي تُعنى بالعقيدة ، والحديث ،
والتفسير أو تحديدا قسم الدعوة الإسلامية الذي يُعنى
بالثقافة الإسلامية عموما بشيء اسمه الإعجاز العلمي؟
أعني ما حصيلة الباحث في العلم الذي يقصد منه العلوم
الطبيعية ، والتطبيقية ، والتقنية حتى يحكم على الحديث أنه
موافق لآخر ما كشفه العلم على يد الغرب – أكرر: الغرب وليس
مُسلِمَةُ هذا العصر – وعليه ففي الحديث إعجاز علمي؟ هل درس
الباحث الطبيعة أو الكيمياء أو علوم الأرض أو الفلك أو هندسة
بأنواعها المختلفة حتى يشنف آذاننا ببحث وصل إلى سبعمائة
وخمسين صفحة جعلت الدكتور بكر زكي عوض وهو رئيس القسم يضرب
كفا بكف قائلا: هناك على الأقل ثلاثمائة وخمسون صفحة في بحثك
لا محل لها من الإعراب ، ويجب حذفها ، مع أخطاء إملائية
وكتابية رهيبة ، والأدهى أنك ما فعلت في رسالتك سوى أن جمعت
عشرين بحثا لأناس غير متخصصين ، وإنما هم مثقفون ، ثم حشرت
هذه الأبحاث بجانب بعضها البعض ، وكتبت اسمك على الرسالة
فأين الإبداع؟ لكني بدوري أسأل: الأهم من الإبداع هو أين
المنهجية؟ وهي الكلمة التي أصر على كتابتها بالإنجليزية
(Methodology) ، ويسيء بي الظن بعض القراء لكني أصر على
كتابتها بالإنجليزية لأن وطنها الآن هو الغرب لا مسلمة اليوم
مع الأسف.
أين المنهجية في باحث يعتمد على جرائد ، وصحف مثل الأخبار ،
والجمهورية ، ويعتبرها مراجع في بحثه؟!!!! سلوا الباحث ما هو
تعريف العلم؟ ما هو تعريف المراجع؟ ما هو الفرق بين المراجع
الأصلية ، والأخرى البديلة ، والثالثة الثانوية؟ ما هي مشكلة
البحث ، وما أهميته ، وما منهجه ، وما أهدافه؟ والأهم هل
تعلم الباحث كيف يتدرب على اختيار موضوع البحث أصلاً؟ ما هي
حدود التخصص يا ناس؟! أرجوكم يا أهلي ، ويا آبائي في الأزهر
أوقفوا هذا الهراء؟!
أين المنهجية في باحث يرتقي مرتقى صعبا في العلم ، ولا يدري
أي شيء عن مجال بحثه لدرجة أن رئيس القسم المناقش له يقول:
كيف لباحث يبحث الدكتوراه يضع النحل ضمن خانة الحيوانات لا
الحشرات؟!!!!! بالله عليكم أرأيتم مثل هذا في أي من أنحاء
العالم في المشارق والمغارب والشمائل والجنائب.
وطرحي هو أن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة حسب ما يبشرون
به بهذا الغلو في عصرنا خرافة وأكذوبة كبرى. نعم أوقن بهذا
بنسبة مائة من المائة ، وإليكم التأصيل:
ما هو تعريف القرآن؟ وحي رباني أنزله الله تعالى على نبيه
لهداية البشر ، وليكون دستورا وتشريعا ينظم حياتهم من ناحية
العبادات والمعاملات ، وليحدد العلاقة بين الوجود والخالق.
جميل ، أعني أن القرآن ليس كتابا في الطبيعية أو الكيمياء
(أو السيمياء التي حرمها ابن تيمية ، وفي الأمر تفصيل) أو أي
علم آخر ، والسنة هي المصدر الثاني للتشريع فهي المبينة
والشارحة للقرآن. ورسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف ،
وأعظم من أن يكون طبيبا أو كيميائيا أو مشتغلا بعلوم الطبيعة
بوجه عام.
سامحه الله أحمد فراج فهو الذي قدم لنا الشيخ الشعراوي ،
والدكتور زغلول النجار وكلا الرجلين لهما أخطاء فادحة في
علوم الدين ، وعلوم الدنيا. فالشيخ الشعراوي كان متحذلقا
يتحدث في كل شيء بدون دراسة ، ويقول عن ثورة الطب في أطفال
الأنابيب التي أعاد بها الله تعالى الأمل لمن حرم نعمة
الإنجاب يقول الشيخ للأطباء: بلاش فذلكة!!!!!!
الشيخ الشعراوي كان متصوفا يصل به الأمر أحيانا إلى ضروب من
الخرافات ، والاعتماد على أحاديث موضوعة. وقد سبق وفصلت هذا
الأمر ، لكن الأدهى أن يصل به الغلو والتطرف في النفاق
للسادات أن كان شديد التأييد للصلح ، وإمضاء معاهدة
الاستخزاء والاستسلام مع الصهاينة ، والتي خسرنا بها الكثير
والكثير. ثم يصل التطرف بالشيخ إلى أن يقول عن السادات: أخشى
أن أقول إنه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون!!!! ما هذا
الهراء؟ ما هذا الكفر؟ هذا الكلام لا يقال إلا عن رب
العالمين جل جلاله ، وتقدست أسماؤه. من يكون السادات هذا؟
السادات الذي أدين لله تعالى أنه قُتل غدرا ، وخيانة وأن
قاتليه مجرمون ، لم يكن سوى طاغية آخر من مدرسة الثورة. وفي
ذات الوقت ، وبرغم أن واشنطن بوست قد نشرت مؤخرا أنه كان
عميلا للمخابرات الأمريكية لكنه حتى واشنطن بوست لا يمكن أن
تقلل ثقتي في وطنية الرجل الذي كان بطلا أي بطل في حرب
أكتوبر ، رحمه الله.
أما الدكتور زغلول النجار الذي جنى على هذا الباحث ، وغيره
من المخدوعين في خرافة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة فقد
قدمه أحمد فراج فبهر به جمهورا لا يحمل ثقافة علمية حقيقية.
الرجل ولشديد الدهشة التي يقشعر منها جسدي غضبا كان يفسر
القرآن في جريدة الأهرام بمعادلات رياضية وفيزيائية؟!!! ما
هذا الهرج؟ ما هذا السخف؟ ما هذا الاستخفاف بعقولنا والإهانة
للقرآن الكريم؟
أين كراماتك وإنجازاتك يا دكتور زغلول في مجالك وهو علوم
الأرض؟ أين أنت من عبقري في مجالك اسمه فاروق الباز؟ هل أنت
مؤهل لتفسير القرآن؟ أولا تعلم أن السيوطي - وهو هو - قد
اشترط في "الإتقان" على مفسر القرآن الإلمام بأكثر من عشرين
علما عد منها علم الهيئة والهندسة والطب ، ونقل عن ابن
العربي قوله :" علوم القرآن 77450 خمسون وأربعمائة وسبعة
ألاف وسبعون ألف علم ، على عدد كلمات القرآن مضروبة في أربعة
إن أن لكل لكمة ظهرا وبطنا ، وحدا ومطلعا. هذا في المفردات
فحسب. أما إذا اعتبرت التراكيب وما بينها من روابط كان ما لا
يحصى ، مما لا يعلمه إلا الله تعالى." لكن هذه مبالغة كبيرة
وتطرف دونه خرط القتاد وصعود السماء كما يقول عبد العظيم
الزرقاني في كتابه العظيم:" مناهل العرفان في علوم القرآن.
يقول الزرقاني في صفحة 25 من كتابه تحت فقرة بعنوان: القرآن
كتاب هداية وإعجاز:" أما العلوم الكونية ، وأما المعارف
والصنائع ، وما جد أو يجد في العالم من فنون ومعارف كعلم
الهندسة والحساب ، وعلم الهيئة والفلك ، وعلم الاقتصاد
والاجتماع ، وعلم الطبيعة والكيمياء ، وعلم الحيوان والنبات
، فإن شيئا من ذلك لا يَجمُل عَدُّه من علوم القرآن ، لأن
القرآن لم ينزل ليدلل على نظرية من نظريات الهندسة – مثلا –
ولا ليقرر قانونا من قوانينها. وكذلك علم الهندسة لم يوضع
ليخدم القرآن في شرح آياته وبيان أسراره. وهكذا القول في
سائر العلوم الكونية والصنائع العالمية."
صدعوا رؤوسنا عن نظرية الانفجار الكبير ، وقالوا لقد صدقت
النظرية القرآن ، وقبل أيام سمعت عن أن نظرية جديدة ترفض هذه
النظرية فماذا أنت قائل يا دكتور زغلول؟
يعرِّف أبو حيان الأندلسي علم التفسير في تفسيره "البحر
المحيط" بقوله:" هو علم يبحث عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ،
ومدلولاتها ، وأحكامها الإفرادية والتركيبية ، ومعانيها التي
تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك." وأنا أدعو ، ويشهد
الله أني لا أحب اللَّدد ، أو الخصومة ، أو الجدل ، أقول إني
أدعو من يدافع عن طريقتك في الدخول إلى ميدان ليس ميدانك أن
يشرح لي فقط كلام أبي حيان الأندلسي ، والله فقط مجرد أن
يشرح هذا التعريف لا أن يتحدث لي عن مناهج المفسرين ، أو
أسباب النزول ، أو الناسخ والمنسوخ ، أو القراءات ، أو علم
إعراب القرآن ، أو المجمل والمبين ، والمخصص والعام ،
والمطلق والمقيد ، والمحكم والمتشابه ، وعلم النسخ العثماني
، وعلم غريب القرآن ، وعلم إعجاز القرآن ، وغير هذا من قواعد
وأصول وعلوم التفسير.
يا دكتور لو علمت كما تقول أن الوزن الذري لعنصر الحديد هو
نفس عدد آيات سورة الحديد فما هي الفائدة؟ سيما ونفس الوزن
الذري يمكن أن يتوافق مع عدد فقرات في الإنجيل أو التوراة أو
أي كتاب مهما كان فارغا أو ذا فائدة؟ حساب الجُمَّل الذي
تطبقه على القرآن يمكن أن يعطيك ببعض الحسابات أسماء لمطربين
ومطربات وراقصين وراقصات فأين المنهجية وأين العلم؟
يا جامعة الأزهر الفاشلة فشلا ذريعا في تخريج باحثين حقيقيين
في ميدان الدراسات الإسلامية والعربية ، وهي الألصق بالأزهر
، وتاريخه كيف الحال في الميدان العلمي ، والتطبيقي؟
يا جامعتي الحبيبة التي أحزن على حالها أين أنت من أعظم
جامعة في الدنيا ، وأنت الأعظم منها تاريخا ، وهي جامعة
هارفارد التي نشرت مؤخرا على موقعها بحثا ، وشكوى ، وبيانا
رائقا تشكو فيه من الضعف المزري في جودة الأبحاث المقدمة لها
سيما والمشكلة عالمية يا جامعة الأزهر. ومع ذلك نرى التفاخر
والاستكبار من البعض لديكم ، يا جامعتي الحبيبة نحن نعيش عصر
العلم ، وسحر العلم ، ونظام العلم وقد خرجت أيتها الحبيبة من
التاريخ منذ زمن بعيد فكيف تعيدي بناء مجد الآباء المؤسسين؟
لكني لن أختم قبل أن أقدم لكم وردة من بستان البحث العلمي
الرفيع في ميدان الدراسات الإسلامية والعربية ، وهو العلامة
العبقري المجهول طبعاً وبالضرورة ، وكما يقول الشاعر: وكم في
الخدر أبهى من عروس...ولكن للعروس الدهر ساعد ، وهو الباحث
العراقي الدكتور أكرم ضياء العمري.
هذا الرجل كانت رسالته للدكتوراه ونعم الدكتوراه فعلاً ، فقد
سد عجزا رهيبا في المكتبة العربية لما بحث في موارد الخطيب
البغدادي الفكرية في كتابه " تاريخ بغداد أو: تاريخ مدينة
السلام وأخبار مُحدِّثيها وذِكر قُطَّانها من العلماء من غير
أهلها ووارديها" وقد ألف أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب
البغدادي هذا الكتاب الذي تنيف صفحاته على العشرة آلاف صفحة
وفيه تراجم لأكثر من سبعة آلاف وسبع مئة وثمانين ممن عاش في
بغداد أو مر بها من العلماء وليكون الكتاب جمهرة – أعني
موسوعة – لما استبقاه الدهر بعدما حرق التتر مكتبات العراق
التي كانت حاضرة – أعني عاصمة - الدولة الإسلامية فهرع الرجل
إخلاصا وحبا للإسلام وحضارته في أن يدون كل شيء وأي شيء مما
يتصل ببغداد ومجد الإسلام فيها ، وركز على علم الحديث وعلم
الرجال فقام بعمل بحثي يعجز عنه جيش من الباحثين من مثل
الباحث الذي نقدته.
كما وقد قدم الرجل بحثا شائقا رائقا كنت أحتاجه بشدة وهو
"صحيح السيرة النبوية" ، ومع تلامذته كون فريق عمل لينجز
الكثير والكثير من الكتب. وهناك نموذج آخر مشابه له وهو
العلامة العراقي الدكتور بشار عواد معروف الذي قدم عظيم
التحقيقات ، والكتب ، والبحث العلمي في ميدان الدراسات ،
وبخاصة الحديث الذي نبغ فيه أكرم ضياء العمري. وكما يقول
الخطيب البغدادي في أول صفحة من كتابه الذي ، وبالمناسبة ،
قد حققه العلامة دكتور بشار عواد معروف:" من صنَّف فقد جعل
عقله على طبق يعرضه على الناس." فانظروا إلى نتاج العقول
المعروض علينا يرحمكم الله.
لك الله يا بغداد...وأعرف أنك لن تسامحينا!
mfiqy@yahoo.com