مطبوعة الكترونية عربية مهتمة بموضوع المواطنة وتداول السلطة القانونى وحرية التعبير  فى العالم العربى  .. تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية عن المركز الأمريكى للنشر الالكترونى .. والأراء الواردة تعبر عن وجهة نظر أصحابها.
............................................................................................................................................................

 
 

 في النقد الأدبي واللغوي
...............................................................

 

العقاد

 

بقلم : محمود الفقى
.....................


هنالك نقد يقصد منه التشفي وهو في أسفل دركات النقد وهنالك نقد يرمي إلى تفريج كربة الناقد من شيء يغاير ذوقه ولا يوائم مزاجه وتفكيره وهو ضرب من ضيق الصدر والنفس. وهنالك نقد يرمي إلى إظهار الناقد في مرتبة أعلى من مرتبة المنقود كأنه يقول له: إنني أغزر منك معرفة وأشد بأساً...فأنا أعرف من القاموس أكثر مما تعرف وأتقن من الصرف والنحو أكثر مما تتقن. ولعل أسخف النقد في نظري هو الذي يتعرض إلى اللغة دون الفكر. وأما النقد الذي يبسط وجهة نظر والذي يحدد هدفا والذي يرمي إلى تمزيق الغشاوات عن عيني المنقود لا تحقيرا له ، بل حبا فيه فنقد مستحب في كل حين.....وهذا قلما تراه عند الناقدين.

ما سبق هو فقرة من كتاب "أحاديث مع الصحافة" لناسك الشخروب ميخائيل نعيمة صفحة 28 ، وأترك للقاريء فرصة لاختباره في معنى كلمة الشخروب على أن يعدني ألا يلجأ إلى محركات البحث.

النقد الأدبي في عصرنا هذا وبظل ما نحن فيه من هذا الانفجار الكمي الرهيب في المقالات والقصص والروايات والأشعار أمر شديد الأهمية ليس فقط لتكوين جيل جديد من الأدباء المختلفين عمن سبقوهم ، وإنما أيضا حتى تتطور اللغة العربية التي يجب أن نعترف أنها تمر بمنعطف خطير يهدد وجودها لولا أن أنزل الله تعالى القرآن الكريم بها وقد تعهد المولى سبحانه بحفظ القرآن.

اللغة كائن حي يأكل ويشرب وينمو ويتنفس ، وكل طعامه وزاده ليس سوى الاستخدام ، ولأننا لا نتكلم الفصحى ولا نحسن صياغتها إلا فيما قل من كتاباتنا فإنه يجب علينا الآن أن نعترف أن تراثنا مليء بما نحن أولى بالتخلي عنه تماما وليس غربلته أو حتى الانتقاء منه.

لا يمكن أن أتخيل مرور كل هذه القرون على علوم اللغة بلا تطوير أو تبسيط فيها. العروض صناعة من يجيدها يصبح شاعرا أهذا كلام؟! النحو العربي دخله الكثير من الأحاجي والألغاز التي تناسب المنطق والسفسطة أكثر مما تناسب القواعد التي تضبط الكلام ، والتي وضعت بعد أن تكلم الناس لا العكس. فكيف للأعراب البدو البسطاء أن يخترعوا قواعد لا نغيرها ونحسبها مقدسات ونحن الآن في عصر العلم لا يحق لنا تغيير هذه القواعد أو حتى تطويرها بما يتناسب وحاجة العصر والإيقاع السريع الذي نعيشه.

وبحكم دراستي العميقة للإنجليزية وغير العميقة للألمانية وعملي بالترجمة فإني أوقن بلا أدنى شك أن الإنجليزية الآن أقوى وبمراحل كبيرة من العربية ليس لعيب في العربية ولكن لأن هذا النمو قد توقف منذ زمن بعيد بينما سبقنا الغرب بالعلم والمعرفة فطوع للعلم لغته وقواعد لغته. وليس أدل على هذا من أن قاموس أكسفورد (Deluxe Edition) قد زاد في مواده ثمانين ألف كلمة جديدة تماما بينما أننا بالكاد نحيي ما هجرناه في المعاجم وأنا أؤمن أنه ليس بالمعاجم وحدها تحيا اللغة.

ذاك هو السبب في أنه حتى العامية العربية أقوى من الفصحى في التواصل والوصف لا لشيء إلا لأن استعمالها في البيت والشارع والمدرسة والجامعة قد أكسبها قوة وزادها صقلا وليونة وقدرة على الاشتقاق والتصريف.

هنا أنبه أني لم يخطر – بكسر الطاء- ببالي تشجيع العامية على حساب الفصحى ولكني أنبه إلى خطر الانفصال والفجوة الضخمة بينهما في حين تتعملق العامية وتتقزم الفصحى.

في العدد الثالث عشر من مجلة الرسالة كتب صاحبها أحمد حسن الزيات مقالا جميلا بعنوان:" آفة اللغة هذا النحو" كان هذا في عام 1933 وجاء فيه:

الطالب الناشيء في الدراسة الأزهرية كان يجد أن أول ما ينبغي درسه هو شرح الكفراوي على متن الآجرُّومية وهو كتاب شديد الكلف بالإعراب. يتفكه الزيات هنا بأن الإعراب مسيطر على كل شيء. والأدهى أن كل كلمة تحتمل وجوها كثيرة ومختلفة من الإعراب حسب التقدير أو الحذف أو التخيل في عقل المعرب. الحقيقة أن الزيات قال ما يمكن أن نقوله جميعا من أن الإيغال والإفراط في الإعراب والتقدير قد جعل هناك فوضى وسفسطة في عقول التلامذة على الطريقة الأزهرية الشهيرة: فيها قولان!
وقد جنى هذا الخلط على الأذواق ، وأضعف السليقة ، وطبع القرائح على هذا الغرار من التفكير العابث ، والتقدير الهازل كما يقول.

وإني بحكم دراستي الأزهرية أعرف أنه من الأسلم لك ألا تعارض نحويا أو فقيها فكل خطأ عندهما يمكن أن يصوَّب وكل صواب عسى أن يخطَّأ!
وقد كان للزيات معلم من هذا النوع المتحذلق الذي ينطق أي شيء ويجد له تبريرا ثم إذا عاتبه أحد رد في تفيهق وزهو:" لولا الحذف والتقدير لفهم النحو الحمير."

وحدثوا أن ممتحنا من هذا النمط ، كتب في ورقة طالب راسب:"لا يصلح" ثم ظهر لأمر خارج عن إرادته أنه ناجح ، فكتب تحت هذه الجملة : قولي " لا يصلح" ، صوابه: يصلح ولا زائدة!!!

عن نفسي قابلت شيخا من النوع الذي تحدث عنه الزيات لما كنت في الإعدادية ، وكنت والحمد لله مشهورا بأني ماهر باللغة وعلومها فطلب مني إعراب جملة اسمية فأعربتها فسألني: ما عامل الرفع في المبتدأ فأجبته: الابتداء ، فهلل الرجل وتبعه بقوله: وما عامل الرفع في الخبر فأجبته: المبتدأ ، فتهلل وجهه وكاد يطير فرحا وفخرا بي ثم سألني لم اختصت الضمة والرفع بالأسماء فبهت ولم أجب إذ كانت قدرتي على السفسطة والتأويل قد نفدت. فرفع الرجل حاجبيه ، وتمشى متبخترا وقال بكل ثقة ويقين ليس يملكه هايزينبرج نفسه: لما كان الاسم أشرف الكلمات والضمة أشرف العلامات فناسب اختيار أشرف العلامات لأشرف الكلمات!!!

وليت شعري ما الذي جعلك أيها الشيخ الجليل تحكم على الفعل أنه أقل طهارة من الاسم وأن الفتحة أقل عفافا وجمالا من الضمة؟ والأهم من هذا هل لنا أن نعاقب إن وأخواتها أنها تنصب المبتدأ فيصير اسما لها (أو اسم فاعل كما يسميه سيبويه) فتقلل بهذا من طهارته!!!!!!!!!!

ما قلته عن النحو يسير على الصرف والبلاغة واشتقاقاتها (المعاني والبيان والبديع) والعروض والفقه. فكلها علوم لم يحالفها الحظ فتسمح بجزء من التطور والحراك مثل باقي العلوم التي وصلت الآن إلى تخصص التخصص. وأستطيع الآن أن أكتب لك عشرات النماذج التي يمكن أن تكون أضحوكة ومثلا في السخافة والخيبة من كتب الفقه لولا ولائي لمن علموني.

وأما عن النتاج الأدبي رهيب الكم في عصرنا فمن الجيد أن يكون هناك هذا الكم بل وهذا طبيعي ومنطقي في عصر الإنترنت. ومن الأجود أن يكون هناك نقد ونقاد. فرق عظيم بين النظم وبين الشعر ، وآه من وفرة النظامين وقلة الشعراء ، فإني أستطيع أن أكتب قصيدة كاملة ألتزم فيها بتفعيلات الكامل فأعارض البحتري لكني لن أستطيع أن يطول نفسي فأبني نفس الصور والأخيلة التي يبنيها البحتري. كما وأن الإيقاع أمره سهل والتقليد والمحاكاة لا تصنع شاعرا والعروض وحده لا يكفي وباستطاعتي أن أريك شعرا لشوقي في بدايته يثبت أن الرجل كان وزَّانا كبيرا قبل أن يكون شاعرا مجيدا (ريشة صادق نموذجاً).

عصرنا جدير جدا وملائم جدا لأن يكون له أدب في قمة العظمة لأن العلم الآن مذلل ولأن المعروض من القراءة الآن كثير ولأن الفرصة الآن في النشر والظهور أيسر وأوفى من العصور السابقة.
ما أطلبه:

التيسير اللغوي والتخفيف من القواعد الكثيرة. ولعلي وأنا أقوم بتدريس العربية لبعض الإخوة الأمريكيين أعرف وأشعر كم أن هذا النحو بغيض رغم أني أجيده ، لكن تدريسه أمر دونه خرط القتاد وصعود السماء. فألمانيا التي تعتز بلغتها والتي يرفض أهلها محادثتي لهم إلا بالألمانية يدرسون الطب والكيمياء عندهم بالإنجليزية لأنها أسهل بكثير من الألمانية المبتلاة بالإعراب والتعقيد أيضا.

وما أطرحه ليس غريبا ولا جديدا فقد ألف فيه د. شوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية كتابا كاملا اسمه "تيسيرات لغوية" بدأه بأن سيبويه نفسه وبعض القدماء كان يجيز تسكين أواخر الكلمات. أقول إن سيبويه نفسه كان يرى ذلك وبهذا فإنه لا معنى للاستغراب من هذا الطرح لما أتى به توفيق الحكيم في عصرنا خاصة وتوفيق نفسه يقول إن طه حسين كان يستعين بنحوي يراجع له كتاباته!!!

وهناك أيضا شق آخر يتمثل في إحياء الكلمات البسيطة التي نظنها عامية وهي من الفصحى ، والمؤلفات في هذا الباب كثيرة ذكرها ضيف في مقدمة كتابه هذا.

وبهذا نستطيع أن نكتب لغة وسطا بين الفصحى والعامية نتخفف فيها من هذا الترسل الرهيب في قواعد النحو ، ونعلو قليلا فوق لغة الجرائد والبرامج لتكون لنا لغة جديدة تناسب هذا العصر. وإني أذكر أن دار أخبار اليوم (الأمريكية) قد منعت استخدام المبني للمجهول و نون النسوة فى مقالاتها منذ أيام مصطفى أمين!!

وفي كتاب الغربال لميخائيل نعيمة الذي أستضيفه اليوم في مقالي هذا – والذي أرفع له القبعة لكلماته العذبة وسماحته الجمة في حق الإسلام والمسلمين ونبذه للعنف والطائفية - ترى هذا الإفراط من ناقد مصري في نقد لفظة تحممت في قول صديق عمر نعيمة جبران في قصيدة المواكب:" هل تحممت بعطر وتنشفت بنور" بدعوى أن اللفظ العربي هو استحم وليس تحمم. وليت شعري فكيف للأعرابي البدوي أن يخترع استحم وليس لابن هذا العصر المثقف وهو جبران أن يقول لفظا أجمل وهو تحمم؟!
مهلا عزيزي القاريء: تأبَّط جراب صبرك واتبعني ، فإني والله من أشد الناس حبا للتراث لكني لو استخدمته كله فإني أحكم عليه وعلي وعليك بالإعدام. كما وأن الرقة في التعامل معه مطلوبة لكن ليكن منكم بحسبان قول العرب: زاد في الرقة حتى انقطع.

هذا من جانب اللغة وأما من جانب الأدب فإن هذا الانفجار الكمي الرهيب في القصة القصيرة والرواية والقصائد لن تصنع الحضارة ولن تسد رمق الجوعى. إنما هذا دليل على فهم مغلوط لدور الأدب، فالأدب يجب أن يكون صدى لما يحسه الكاتب وما ينفعل به وأن تكون له غاية ورسالة. ولعل من أخطر الآفات في الأدب العربي اليوم آفة العشوائية. فالجميع يكتب ويظن أن هذا هو الأدب ويشعرون بفسحة كبيرة أن وجدوا مكانا للنشر ولو يعلمون لعرفوا أن النقد هو الذي يصنعهم وبدون نقد فلن تكون لهم أية قيمة.

وآخر مثال أختم به تبيانا لأهمية النقد ودوره هو ما أورده نعيمة في الغربال الذي قدم له العقاد:

" لعل أغرب ما في كتاب " ابتسامات ودموع" مقدمته وأغرب ما في المقدمة اعتراف المترجمة (يقصد مي زيادة) بأنها عربت الكتاب يوم لم يكن لها من إلمام بالألمانية سوى ما تلقته منها في " عشرين درسا أو أكثر قليلا". أما أنا فأخرس أمام مشهد فتاة سورية تعرب كتابا بكامله عن لغة لا تعرف من روحها وأساليبها وتراكيبها سوى ما نالها منها في عشرين درسا أو أكثر قليلا ثم تورد لنا ما قاله أحد الأدباء عند اطلاعه على تلك الترجمة في ذيل المحروسة:" أسائل ذاتي ساعة أقرأ ذيل المحروسة أأنت ناقلة مكس مولر إلى العربية أم هو ناقلك إلى الألمانية؟"

الغريب هو أن مي قد أسرفت في إيراد الكثير مما أسماه ميخائيل بالسمينتاليزم يقصد المشاعر والأحاسيس المرهفة مما يخول مي أن تكون مؤلفة لا مترجمة تزيد من خيالها ما ليس في النص الأصلي من الكتاب.
وأخيرا لك أن تختلف معي في كوني أريد أن نتخلى عن ثلاثة أرباع النحو والصرف والعروض وربما الفقه لكني أؤكد أن اللغة ما هي إلا أداة اتصال فإذا ما تم الاتصال فنعمَّا هي ، وإذا لم يتم فبئست اللغة ولو كانت ذهبا خالصاً. وسأختم بكلمات ماسية للعقاد في هذا الشأن كتبها في كتابه الفصول تحت عنوان:" اللغات والتغيير" حيث يقول:
"وإني لأصغر شأن هذه العلوم والآداب القائمة كلها على تفاهم اللغات كلما تأملت فرأيت الأشياء الكثيرة التي تقوم بوجدانات الإنسان ولا يحس بها. والتي يحس بها ولا يعبر عنها. والتي يعبر عنها ولا تصل برمتها إلى عقل سامعها. فيتأكد لي أن الناس في حاجة إلى تفاهم أرقى من هذا التفاهم اللغوي."

انتظروا إن شاء الله مشروعي القادم وهو نقل نظريات تشومسكي لتستفيد منها العربية كما استفادت الإنجليزية والله المستعان.

حاشية:

أمس قرأت بالشروق عتاب الأنبا شنودة لواحد من الكهنة أن رفض الذهاب لزيارة مريضة لمجرد أنها تجري جراحة في مستشفى إنجيلي ، وقال له: إن زيارتك أيها الكاهن الأرثوذكسي لقريبتك المريضة في مستشفى إنجيلية لن تزعزع إيمانك!!!!!!!!!!

وفي الفضائيات صراع وحروب دونكيشوتية يرى فيها الإسلاميون أن الشيعة هم الأعداء ولا ينطقون كلمة واحدة ضد إسرائيل ، فضلا عن حكايات وتنظيرات جوفاء مملة لن تطعم جائعا أو تنصف مظلوما أو تقرر علما أو فكرا ، وآخر الأخبار حروب بين زكريا بطرس والشيخ الزغبي ، ومصالحة تعرض فيها أحط أنواع البذاءة بين مرتضى وشوبير ، وقبلها حلقات عن الجن ، والعالم في واد ونحن في واد لكن هذا كله يزيد يقيني أننا قوم لا نستحق التقدم، فليهنأ الغرب بالأخلاق قبل العلم.


12/02/2011

مصرنا ©

 

.....................................................................................

 


 

 
 



مطبوعة شهرية تصدر
 عن المركز الأمريكى
 للنشر الالكترونى

 رئيس التحرير : غريب المنسى

مدير التحرير : مسعد غنيم

 

الأعمدة الثابته

 

ثقافة الهزيمة


  مجموعة مقالات عن المستقبل
      صفحة الحوادث    
  من الشرق والغرب 
مختارات المراقب العام

 

موضوعات مهمة  جدا


اعرف بلدك
الصراع الطائفى فى مصر
الهروب من الواقع
  نصوص معاهدة السلام  

 

منوعات


كاريكاتير
لقطات نادرة
أحمد فؤاد نجم
موسيقى تصويرية
.................
من نحن
ارسل مقالا للنشر
حقوق النشر
 هيئة التحرير
خريطة الموقع
وبعدين؟

...................

الصفحة الرئيسية
 


 


 

 

...............................................................................................................................................